(كلام عابر)

 

هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها الدولة السودانية موقفا إيجابيا  من الإنتهاكات التي يتعرض لها المواطن السوداني في الخارج ، فقد قال الناطق الرسمي باسم  وزارة الخارجية السودانية إن (الخارجية ترفض أن يتعرض أي مواطن سوداني للتهجم عليه ماديا أولفظيا)  إلا أنه عاد فقال أن (ما حدث للسودانيين في لبنان أمر عابر لا يؤثلر على العلاقة بين البلدين) ، وبدروها تقدمت السفارة السودانية في بيروت بشكوى للحكومة اللبنانية بخصوص الحادث الذي جرى في منطقة الأوزاعي في بيروت وتعرض فيه بعض السودانيين للسب العنصري والضرب من قبل الشرطة اللبنانية ووعدت السلطات اللبنانية بالتحقيق ومحاسبة من يدان من المسئولين ووصفت تلك السلطات بأنه (حادث ذو طابع فردي)،  ثم قال المتحدث باسم السفارة السوداني (سنكتفي بهذا القدر حاليا). ونأمل أن يكون هذا نهجا جديدا بفتح الملفات المسكوت عنها بعد أن سقط العديد من رعايا الدولة السودانية ضحايا لرصاص الأشقاء وأحذيتهم وهراواتهم، بغض النظر عن أسباب وشرعية وجود السودانيين في هذه البلدان.

في البداية ، لا يوجد، من حيث المبدأ ،  ما يبرر وجود سفارة سودانية في بيروت قياسا بالمصالح الاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرها المتبادلة أو المشتركة بين السودان ولبنان إلا إذا كانت هناك مبررات أو اعتبارات أخرى أو الالتزام  بقرار من جامعة الدول العربية أو باتفاق بين الدول العربية بتبادل السفارات بين الدول الأعضاء في الجامعة العربية ،ونحن من بينهم. ربما كان سيكفينا التمثيل الدبلوماسي غير المقيم عبر  السفارة السودانية في دمشق  مثلا. بيروت نفسها لم تعد بذات الأهمية التي كانت عليها قبل الحرب الأهلية اللبنانية  كمركز للمال والأعمال والبنوك ودور النشر والطيران والمنظمات الدولية فقد انتقلت منها المنظمات الدولية والمؤسسات المالية والاقتصادية  وظهرت مراكز جديدة  في نفس منطقة الشرق الأوسط وبرز لاعبون جدد بقدرات مختلفة عملاقة.

وبعيدا عن بيروت وراغب علامة، فللسودانيين المقيمين في السعودية ودول الخليج تجارب قبيحة في تعاملهم  مع اللبنانيين المقيمين في نفس البلدان، تفوق هذه التجارب في سوئها تجارب التعامل مع الفلسطينيين، فاللبنانيون ينظرون للسوداني هناك،أيا كان، من منطلق استعلائي عنصري ، ولولا أنظمة الدول الخليجية الصارمة  التي تردع بلا هوادة  أي بادرة عنصرية، لسمعت آذان السودانيين في شوارع الخليج نفس الألفاظ العنصرية التي يسمعونها في بيروت.

 اللبنانيون  يتعاملون  بكثير من العنصرية والاستعلاء  وينهجون ممارسات فاسدة في مهاجرهم في غرب أفريقيا. لن تجد واقعات زواج مختلط بين المستوطنين  اللبنانيين، حتي في جيلهم الثاني والثالث،  وأهل البلاد الأفريقيين وهو مؤشر لحالة الاستعلاء والعزلة عن المجتمع من حولهم ، ولهذا ما إن تقع حروب واضطرابات في هذه البلدان  حتى تكون متاجر اللبنانيين ومساكنهم وأرواحهم هدفا مفضلا للغاضبين مثلما حدث في الكونغو وسيراليون وليبيريا وساحل العاج ، فيهرب المستوطنون بما خف حمله وغلا ثمنه عائدين إلى بيروت . في زائير(جمهورية الكونغو الديموقراطية حاليا) أعلنها الزعيم الراحل كابيلا صراحة بعد سقوط موبوتو ألا مكان للسيطرة والنهب اللبناني في بلاده.  فشل "الأشقاء" في إقامة  علاقات و ورابط إنسانية تحفظ دماءهم وأموالهم   مع أهل هذه البلدان ذوي البشرة السوداء. ولهذا سيظلوا ،إلى ما شاء الله،  هدفا أثيرا للإنتقام كلما اضطربت االأحوال في غرب أفريقيا.

لسنا دعاة عنصرية، ولكن آخر من تحتاجهم  بلادنا هم "المستثمرون" و"الخبراء" اللبنانيون ، وعلى وجه الخصوص  "المتخصصون" منهم  في  صناعة الشاورمة والمعجنات وصوالين الحلاقة ، و(الفينا مكفينا).

(عبدالله علقم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.