(كلام عابر)

 

ضمت حكومة ولاية الجزيرة البروفيسور ابراهيم القرشي الذي اصبح وزيرا للثقافة والإعلام، والبروفيسور القرشي عمل من قبل أستاذا للغة العربية في كلية الآداب، جامعة الخرطوم، ثم اجتذبه الاغتراب فعمل لعدة سنين أستاذا في جامعة الملك سعود ، الرياض، المملكة العربية السعودية ثم عاد للسودان ليستقر في جامعة الرباط ، وقد عرفه مشاهدو تلفزيون السودان مقدما لبرنامج المدائح النبوية ، وأثرى المكتبة السودانية بمجموعة من الكتب من بينها كتاب يحمل اسم" عادات سودانية أصولها عربية"، وهو يجسد رؤيته العروبية،  وكتابين أحدهما عن الشيخ عبدالرحيم البرعي والثاني عن الشريف محمد الأمين الهندي ، مركزا على الجانب الشعري في الإثنين. البروفيسور القرشي زاهد في السياسة والمناصب بمثل زهده في الأضواء إلا بالقدر الذي يفرضه عليه عمله كمقدم لبرامج تلفزيونية وإذاعية، وحباه الله بالتواضع والسماحة والقبول لدى الآخرين. وكنت أحسب أنه بوسطيته واعتداله أقرب في ميوله للحزب الإتحادي الديموقراطي ولكن يبدو أن القوم قد أفلحوا في اجتذابه ليزين مجلسهم الوزاري ، فهو يعتبر إضافة وقيمة كبيرة لحكومة ولاية الجزيرة ولأي حكومة ، وهذه نقطة تحسب لهم، فعلى مثل القرشي يتنافس المتنافسون.

من المؤكد أن الحقل الأكاديمي سيفقد، بانتقال الأخ الصديق ابراهيم القرشي لكرسي الوزارة، أكاديميا متميزا ومفكرا يثري العقول والمكتبات وهو ما يزال في أوج عطائه، ولا أعتقد أنه سيجد متسعا من الوقت للتواصل مع مشاهديه على شاشة التلفزيون ، ولن يسعه الوقت كذلك لمواصلة إثراء المكتبة السودانية بإبداعاته، بعد أن تكامل فيما يبدو مع السلطة. وتكامل السلطة مع المثقف يأخذ اتجاهين: تكامل سالب وتكامل موجب. التكامل السلبي للمثقف مع السلطة يتبدى حينما يتبنى المثقف دورا ضمن ترتيب معين يظهر من خلاله أنه ضد الطروحات الرسمية وهو في حقيقته وواقع الأمر يسعى لتكريس صورة نمطية إيجابية للسلطة مثل ديموقراطية السلطة وتسامحها ، والتكامل الإيجابي  بين المثقف والسلطة يتم بدعم المثقف للتوجهات الإيجابية الحقيقية فيما يتعلق بالشفافية وصيانة الحريات واحترام حقوق الإنسان. يعني باختصار ليس على المثقف، من منظور أخلاقي أن يطبل للسلطة ويسبح بحمدها ويتحمل أوزارها ويغض النظر عن سلبياتها لمجرد أنه أصبح جزءا من الفريق، فلا السلطة تدجن المثقف ، ولا المثقف يدشن السلطة. وفي جميع الأزمنة يظل أخطر ما يعانيه المثقف هو الانفصام بين الفكر والفعل ، وبين الرأي والمبادرة إلى نقيضه ، فإذا أراد الله بقوم سوءا، جعل عشقهم الأول للسلطة السياسية، كما تقول حكمة إغريقية قديمة. ولا أظن أن البروفيسور القرشي عاشق للسلطة، أي سلطة ، ولا أعتقد أنه ستعوزه الجرأة ليقول لا حين يجب أن يقول لا، فالرجل يحمل ذخيرة من المناعة الخلقية ، ستكون درعا له إن شاء الله، من مفاسد السلطة وإغراءاتها. لكن يبقى السؤال الجوهري: هل سيكتفي البروفيسور القرشي، الذي نتمنى له التوفيق والنجاح، بلعب دور المثقف النزيه أم سيسعى إلى إحداث فرق حقيقي في وزارته وفيمن حوله يتجاوز الأطر والضوابط المألوفة وهل سيجد الظروف المواتية؟

قبل الختام:

قال الكاتب أندريه مالرو ، وزير الثقافة الفرنسي في عصر ديجول" أجمل الوجوه هي التي تعلوها الجراح"

(عبدالله علقم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.