(كلام عابر)

 

قديما قال الأديب المصري الراحل الدكتور يوسف إدريس إن" مساحة الحرية المتاحة في كل الوطن العربي لا تكفي لكاتب واحد" وذلك بفعل القيود المفروضة على الكاتب قبل وأثناء الكتابة والفاتورة التي يجد نفسه مطالبا بسدادها بعد الكتابة والنشر ، فتتولد حالة من الرقابة الذاتية تسكن الكاتب الذي يعرف سلفا، رغم ذلك، ما هو مسموح بكتابته وما هو غير مسموح.  و لا شك أن مساحة الحرية المتاحة قد توسعت بما لم يخطر على بال أحد بفضل التقدم الهائل الذي طرأ على منظومة الإتصالات في العالم وانتشار استخدام شبكات الإنترنيت، وعن ذلك قال مسئول  إعلامي سعودي  أنه ليس من السهل التحكم بشبكة الإنترنت خاصة وأن كل أحد بإمكانه أن ينشيء موقعا أو مدونة أو منتدى من بيته.

 والحرية المطلقة لا وجود لها  سواء في الدول المتقدمة أو الدول المتخلفة أو النامية إذ أنها مهددة بأخطار تختلف في نوعيتها ما بين ضغوط رجال المال أو السياسة أو الحكومة،لكن الكاتب في البلدان المنقدمة يتمتع بحقوق أساسية ثابتة تعتبر ضربا من الترف في الدول  الأخرى.  وكل الحكومات في جميع البلدان تخضع لغريزة اجتماعية هي الرقابة وليس من السهل تحقيق الثقافة المفتوحة . وقد شهد العالم  فرض الرقابة العسكرية الأمريكية على التغطية الصحفية لحرب الخليج الثانية. وكانت الصحافة في المجتمعات الاشتراكية تعد حقا اجتماعيا مفوضا لحزب السلطة بافتراض أنه ممثل الشعب ،أما في العالم الثالث فإن حرية الصحافة امتياز حكومي يخص العديد من المصالح الراسخة، غير أن بعض هذه البلدان ما تزال تجتر تجربة هتلر وفرانكو الأوروبية المعاصرة، وقد عبر هتلر عن رؤيته الأساسية للصحافة بقوله أنه "ليس من عمل الصحافة أن تنشر على الناس اختلاف الآراء بين أعضاء الحكومة. لقد تخلصنا من مفهوم الحرية السياسية الذي يذهب إلى القول بأن لكل فرد الحق في أن يقول ما يشاء" . وكان هتلر أكثر وضوحا عندما قال" على الدولة ألا تفقد جادة الصواب بسبب الخزعبلات المسماة حرية الصحافة وعلى الدولة ألا تنس واجبها وعليها أن تقبض بيد من حديد على أداة تكوين الشعب والصحافة وتضعها في خدمة الدولة والأمة". وعلى الجانب الآخر يقف المفهوم الليبرالي الذي يعتبر "حرية التعبير عبر الصحافة حقا فرديا وفق القانون الطبيعي لا حقا تمنحه الدولة عن رضا"

الكاتب في الزمن الصعب أشبه بمن يمشي في  حقل ألغام، فكما يتحسس الماشي في حقل الالغام وقع كل خطوة يخطوها ، ويستغرق وقتا طويلا لعبور الحقل بدون خسائر، فالكاتب في ظل غياب أو تقييد الحرية الكلي أو الجزئي، علما بأن الحرية لا تقبل التجزئة ويفسدها التقييد، ينتقي حروفه بعناية شديدة ويعيد قراءة ما كتبه مرات ومرات ليعدل هنا ويحذف هناك ، تماما مثلما يفعل الحلاق برأس الزبون بعد فراغه من عملية الحلاقة الأساسية، ولحسن الحظ فإن استخدام الكمبيوتر يوفر على الكاتب ساعات طويلة كان يستغرقها في زمان مضى شطب وتمزيق الأوراق وإعادة كتابتها من جديد، لكن إهدار الجهد والوقت وتغييب الفكرة يبقى.

هناك ثوابت اجتماعية وأخلاقية ووطنية يمكن أن تكون أرضية مشتركة تجمع في حدها الأدنى بين الكاتب والسلطة ، لكن المشكلة المستعصية دائما على الحل هي ثقافة  امتلاك الصواب ممن بيده الحل والعقد ورؤية الأمور من منظور واحد. ولهذا تقول تقارير "مراسلون بلا حدود" إن "ثلث سكان العالم يعيشون في بلدان تنعدم فيها حرية الصحافة والغالبية تعيش في دول ليس فيها نظام ديموقراطي أو حيث توجد عيوب خطيرة في العمليةالديموقراطية. تعتبر حرية الصحافة مفهوما شديد الإشكالية لغالبية أنظمة الحكم غير الديموقراطية ولا سيما إن التحكم بالوصول إلى المعلومات في العصر الحديث يعتبر أمرا حيويا لبقاء معظم الحكومات غير الديموقراطية وما يصاحبها من أنظمة تحكم وجهاز أمني".

(عبدالله علقم)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.