(كلام عابر)

في شهر أكتوبر 1992 شرف الأستاذ محمد وردي مدينة الدمام لأول مرة لإحياء حفل اشبه بجلسة الإستماع وتشرفت داري باستضافته. كانت عصابة الإنقاذ آنذاك وهي في بداياتها تمارس أسوأ القمع والقهر على السودانيين داخل وخارج الديار السودانية ولم تكن تعدم من يتعاطف معها من غير السودانيين الذين خدعتهم الشعارات الإسلامية التي رفعها الإنقاذيون.لم يكن الظرف آنذاك يسمح بإقامة حفل جماهيري فاكتفينا بحفلين او جلستي استماع وحرصنا على انتقاء الحضور انتقاء دقيقا تجنبا لأي مشاكل محتملة لإفشال الإحتفائية تفسد علينا فرحتنا. في حضور كل من وجهت لهم الدعوات كان الاستاذ وردي يقوم بالعزف على العود بينما اقتصرت الفرقة الموسيقية المصاحبة له على عازف واحد هو ضابط الإيقاع الشاب الذي قدم من الرياض مرافقا له. لم يكن في الامكان أفضل مما كان من حيث الإعداد للحفل والتنظيم بالنظر للظروف القائمة آنذاك. طرب الحاضرون يومذاك حتى الثمالة في جو هاديء خاص تسوده الحميمية. كانوا في حضرة وطن بأكمله. سارت الأمور على ما يرام وكان ذلك مصدر سعادة إضافية لي بجانب سعادتي باستضافة الزائر العظيم. سعدت بنجاح الحفلين أو جلستي الإستماع اللتين أقيمتا في امسية الأربعاء وأمسية الخميس.
كانت الحصيلة مبلغا مقدرا من المال وغادر وردي للرياض بسلام برفقة ضابط الإيقاع وصديقه الذي كان يقود السيارة، وبقي الحفلان في القلب والوجدان وظلت ذكراهما مصدرا دائما للفرح المتجدد رغم جريان السنين وهموم الدنيا وبخل الأزمنة.
في الرياض قام الأستاذ وردي بتحويل مبلغ كبير من المال لفنان مريض يتلقى علاجه خارج السودان.كان التحويل يمثل كل حصيلة رحلة الدمام رغم أن ظرفه المالي لم يكن يسمح آنذاك بمثل ذلك الكرم الباذخ. غضب الأستاذ وردي غضبا شديدا لما علم بتسرب خبر التحويل وطلب بلهجة حاسمة آمرة عدم التطرق لهذا الموضوع،أي موضوع التحويل، على الإطلاق، وكان له ما أراد. حكيت هذه الواقعة بعد سنين لقلة قليلة من الاصدقاء ولكن الآن وبعد مضي اكثر من ربع قرن عليها وبعد رحيل الاستاذ وردي ومجيء (يوم شكره)، والأحياء كثيرا ما يؤجلون تقديم الشكر لمن يجب شكرهم حتى يغادروا هذه الفانية، رأيت لزاما علي أن أنشر هذه السطور.
ألف رحمة ونور على الراحل العظيم المقيم الذي أثرى الوجدان ومجّد الأوطان.رحمة الله على الفنان الإنسان الاستاذ محمد عثمان حسن صالح وردي.طيب الله ثراه وعطر ذكراه وأحسن إليه بقدر ما قدم لشعبه.
قبل الختام:
قال الفنان الاثيوبي الراحل تلهون قسسا: الشمس واحدة والقمر واحد ومحمد وردي واحد.
وقال فرانسوا تمبلباي رئيس تشاد الاسبق : لماذا يحبك شعبي كل هذا الحب وأنت لا تشبههم؟
قالت ميري ملوال دينق وهي مواطنة من جنوب السودان: أغاني وردي كانت السبب الرئيس في إسلامي . تعلمت العربية من أجل أن أفهمها وأتيت للشمال وأسلمت.
وقال د. رياك مشار: بعد الإحتفال الكبير بإستاد اديس ابابا عام 1997 والذي توج فيه فنان أفريقيا الموسيقار محمد وردي، تأكدت بانني لست زعيماً سودانياً ولا الميرغني ولا الصادق ولا قرنق ولا أي شخص آخر وإنما الزعيم الحقيقي هو الفنان محمد وردي.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.