(كلام عابر)

بداية موجة الأحزان كانت رحيل الفنان الموسيقار السني الضوي. يرتبط الرجل في ذاكرتي بأيام جميلة سابقة حينما كنا في مرحلة الطلب في مدرسة حنتوب الثانوية،عطر الله ذكراها، وبالتحديد في سنة 1963. أيقظني من عفوة قصيرة بعد العصر جاري في العنبر في الداخلية،عليه رحمة الله ورضوانه، لينبهني لقدوم "عواطف"، وكان النوم في ذلك الوقت من اليوم في حنتوب ترفا كبيرا لا يتكرر.كانت "عواطف" هذه هي الأغنية التي تحمل نفس الإسم بصوت الفنان صلاح بن البادية ولحن وموسيقى الفنان الموسيقارالسني الضوي وصاغ كلماتها الشاعر المبدع محجوب سراج. لم يكن هناك بث تلفزيوني ولم تكن أجهزة الراديو باختلاف أحجامها وأنواعها متاحة، وكنا نستمع للراديو في نادي الطلبة أو في المقهى الأهلى الملاصق للمدرسة،ولكن كان هناك خيار ثالث يتوفر أحيانا،وهو راديو الأستاذ المقيم في الداخلية. في تلك الأيام انطلقت في الإذاعة أغنية "عواطف" التي كانت مختلفة في كل شيء..اللحن، الموسيقى، الكلمات والأداء، ولهذا تعلقنا بها،نحن مجموعة من الزملاء، كل منا يفسر الكلمات حسب هواه. وقفنا على بعد أمتار من غرفة الأستاذ المغلقة واستمعنا واستمتعنا. كانت متعنا في الدنيا بسيطة. نكتفي بمجرد كلمة جميلة. 

أمنتك عواطفي وخنت الأمانة
حطمت في دقيقة أحلامنا ومنانا
يا ناسي المحنة
يا ناكر هوانا
ويتواصل عطاء السني الضوي ،ويتواصل الود بين الأستاذ السني الضوي وشخصي الضعيف، وهو ود من جانب واحد.هو لا يعرفني بالتأكيد، لم أتشرف بلقائه أو التواصل معه في يوم من الأيام إلا من بعد. ولكني أعرف أنه نموذج لما يجب أن تكون عليه الشخصية العامة من احترام للذات واحترام للغيروجعل نفسه قدوة للآخرين. وإذا عرفنا أنه كان محاسبا في الإدارة المركزية سابقا،أو الهيئة القومية للكهرباء لاحقا، وتدرج في عمله حتى تقاعد في وظيفة مدير حسابات، وبالتالي عدم تفرغه لدنيا الفن،لعرفنا مدى موهبة وعبقرية السني الموسيقية التي مكنته من إنتاج كل هذا الكم الجميل من الألحان الذي عطر به حياتنا لعقود من الزمن.
رحم الله الفنان العظيم السني أحمد محمد الضوي الذي كان محسنا في حياته وكان صبورا على المرض والمعاناة.
ثم حلت مأساة مركب البحيرة التي ما زالت مستمرة.. غدا الإنسان السوداني برخص التراب في هذا الزمان.إن لم تبتلعه أمواج المتوسط ابتلعته أمواج النيل..وإن لم يقتله القصف الجوي قتلته الجماعات الرسمية المسلحة أو قتل بالرصاص في سيناء،وإن أفلت من الموت الجماعي في حوادث الطرق فلن يفلت من فتك الأوبئة والأمراض،وفي جميع الأحوال يلاحقه الجوع والإفقار الممنهج،وتهدده الجريمة متعددة الوجوه في قلب الخرطوم. في معظم الأحيان تظل حالة الصمت هي رد الفعل الرسمي لأي كارثة تقع، وإذا انزاحت حالة الصمت فغالبا ما يكون الحصار والاستهداف وما شابه ذلك هو كبش الفداء.جاء التفاعل الرسمي مع الكارثة متأخرا تماما، ولكنهم نثروا على قبور الأطفال الوعود السخية بتشييد الجسور والمدارس والطرق المسفلتة وتوفير الرعاية الصحية. لا يعقل أن يكون هناك كنز سقط فجأة من السماء. لو كان الوفاء بكل هذه الوعود ممكنا في أي وقت مضى، هل كان لازما أن يكون مهرها اثنين وعشرين طفلا؟ هؤلاء لا يعلمون أنهم بحكم مناصبهم ومسؤولياتهم الأخلاقية جاؤوا لخدمة الناس،كما قال الرئيس الكيني أوهورو كينياتا "جئنا لنخدم(بفتح النون) لا أن نخدم (بضم النون).
والي ولاية نهر النيل رجل سيء الحظ حقيقة يلازمه الشؤم والموت حيثما حل. عندما كان واليا للبحر الأحمر ارتبطت فترة ولايته بمجزرة بورتسودان التي حدثت في يناير 2005 م ،والتي راح ضحيتها تسعة وثلاثون شابا، فهل ستكون هذه الكارثة سببا في إقالته هذه المرة أيضا من ذات المنصب العزيز، أو لربما أن سوء الحظ هو الذي يلازم المواطنين ؟
لم يهتم الإعلام العالمي بكارثة البحيرة،إلا من استثناءات قليلة، مثل اهتمامه بأطفال الكهف في تايلند،وهو أمر طبيعي لأن الدم السوداني رخيص في السودان، لكن غير الطبيعي انصرافية القنوات الفضائية السودانية لحد كبير حتى حدث التحول بعد زيارة السيد رئيس الجمهورية لموقع الكارثة لتقديم العزاء لأسر الضحايا. استفزني بشكل خاص ذلك الإعلان القميء الذي يقدمه معلن ممل يثير الضجر رغم كونه ممثل كوميدي،يدعو فيه المشاهدين لتسليم جلود أضحياتهم لجهة معينة،وتلك الدعوة المؤسفة المستفزة لدعم الليرة التركية، وظهور دكتور عالم وهبه الله سحر البيان وهو يبصر الناس في جوف الكارثة بقص الأظافر وحلاقة الشعر في العشرة الأوائل من ذي الحجة. أقبح المشاهد كان مشهد توزيع لحوم الأضاحي على المحتاجين أمام الكاميرات في إذلال واضح للمتلقي وكأن المعطي الذي يرفع يده مهللا ومكبرا يعطي من حر ماله أو من مال ورثه من أبويه.
مشاهد مؤسفة كلها تضاعف من جرعات الحزن في العيد.
وينتقل بنا موكب الأحزان لخارج الحدود، فالدنيا أصبحت كلها متواصلة متشابكة بحكم التقدم التقني .رحل كوفي عنان الأمين العام السابق للأممم المتحدة. تميز كوفي عنان الغاني الأصل بكون الأمين العام الوحيد في تاريخ الأمم المتحدة الذي جاهر بمعارضة توجهات أمريكا مركزا على البعد الأخلاقي الذي يجب أن تكون عليه المنظمة الأممية.
وتكتمل مشاهد الحزن الحقيقي برحيل الكاتب السوري حنا مينة الذي وهب حياته وقلمه المبدع للمسحوقين والمحرومين الذين جاء من صفوفهم. يأتي حنا مينة ضمن طليعة كتاب القصة والرواية الذين يكتبون بالعربية الملتزمين بقضايا شعوبهم ويغوصون في أعماق الطبقات المسحوقة ويتحدثون باسمها. محمد شكري من المغرب، وعلي المك وصلاح أحمد ابراهيم وعبدالعزيز بركة ساكن من السودان وإلى حد ما محمد عبدالملك من البحرين، ونقوقي واثيونقو في كينيا والذي يكتب بالانجليزية والكيكويو، وآخرون.
أحزان تجمعت وتحالفت في فترة زمنية قصيرة وجعلت من الكتابة رهقا بحد الترف لكن ذك لا يحرمنا من حقنا في التطلع لمستقبل أفضل قادم،نراه قريبا ويرونه بعيدا.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.