(كلام عابر)

في يوم من أيام شهر ديسمبر 1971 ذهب عمي أحمد يوسف علقم وأخي الأكبر يوسف والأخ والإنسان الجميل عبدالجليل حسن عبدالجليل،عليهم جميعا رحمة الله ورضوانه، ذهبوا للقاء مسؤول حكومي رفيع في مباني رئاسة مجلس الوزراء في الخرطوم، في سعيهم لمعالجة معضلة فصلي من عملي في وزارة الحكومة المحلية بقرار وزاري متسلط. كنت وقتها يافعا في أدنى درجات السلم الوظيفي لضباط الحكومة المحلية أو الضباط الإداريين مشحونا بالطموح والأحلام وقدر غير قليل من زهو الشباب. لم يكن المسؤول وحده في مكتبه بل كان هناك زائر ما يجلس على كرسي على مقربة من طاولة المسؤول. اكتفى ذلك الزائر بالاستماع وظل صامتا طوال تناول الموضوع. تحدث الزائر أخيرا وطلب بحسم واضح أن أحضر أنا وحدي لمكتبه صباح اليوم التالي دونما حاجة لحضور أحد. أكد لهم بثقة شديدة أنه سيعالج الأمر. هكذا قالوا لي. 

في صباح اليوم التالي كنت اقف أمام وزارة التعاون والتنمية الريفية على شارع النيل التي شغلت مباني مصلحة توفير المياه.مشروع الوزارة نفسه يعود في أصله لرؤية الشهيد الشريف حسين الهندي الذي كان سيحفر عددا ضخما من الآبار لتوطين أهل الريف وتحسين عيشهم حيث أن الماء عصب الحياة(وجعلنا من الماء كل شيء). ولكن انقلاب 25 مايو لم يسعفه لتنفيذ رؤيته التي خصصت لها الاعتمادات المالية. لم أجد صعوبة في الدخول لمكتب الزائر الذي طلب حضوري لمكتبه. هكذا وجدت نفسي أقف أمام الدكتور عثمان أبوالقاسم وزير التعاون والتنمية الريفية. كانت تلك هي المرة الثالثة في حياتي التي أدخل فيها مكتب وزير.المرة الأولى كانت عندما ذهبت للعم المرحوم الدكتور أحمد بخاري وزير الصحة في حكومة السيد الصادق المهدي سنة 1966م. المكتب الثاني الذي دخلته هو مكتب جعفر محمد علي بخيت وزير الحكومة المحلية في نفس شهر ديسمبر 1971 وهي المقابلة التي المشؤومة التي انتهت بفصلي من العمل. هأنذا في حضرة الرجل السمح الشهم الذي عرض تقديم المساعدة دون معرفة سابقة تربطه بأي منا.
وقفت أوجز للرجل مظلمتي التي انتهت بفصلي من الخدمة، وكان كريما معي ودعاني للجلوس. (ولد صغير يجلس جنب تربيزة الوزير وفي مواجهته!!) تسلل إلي نفسي إحساس خادع بأني شخص مهم. رفع الوزير سماعة هاتفه وشرع في محادثة طويلة مع الطرف الآخر. كنت أنصت وأتابع كلمات الدكتور عثمان أبوالقاسم ولم أسمع بطبيعة الحال ما يقوله الطرف الآخر..ما زالت العبارات التالية عالقة بذاكرتي:
- صباح الخير يا أبو حسن
- .......................
- ياخي أيه حكاية الولد الصغير الرفدتو من الشغل
- .....................
- أيوة مساعد ضابط مجلس اسمه عبدالله محمد يوسف علقم
- ............................
- يا دكتور تقارير الأمن ما منزلة.. تحتمل الصواب والخطأ
- ............................
- والله ما قريبي وما بعرفه ولا عندي علاقة بأسرته.لاقيت أهله بالصدفة أمس وأفتكر قضيتهم عادلة
- ...........................
- ياخي دا ولد صغير زي ولدك..حتى لو فرضنا أنه غلطان كفاية عليه الاعتقال.
- ..........................
- طيب يا دكتور جعفر مادام ما عاوزه في وزارتك..ما تفصله.. حوله عندي..مستعد أشغله معاي في مكتبي.
- ..................................
- كدا بتخلق عداوات ما ليها لزوم للثورة.. الولد دا عنده أهل وعشيرة كلهم حيكرهوا ثورة مايو.
- ........................................
- ما تبقى حاقد كدا يا أبوحسن.
- ............................
ألقى الدكتور عثمان أبوالقاسم،قريب عضوي مجلس قيادة انقلاب مايو ابوالقاسم محمد ابراهيم وأبوالقاسم هاشم، ألقى السماعة بعنف على قاعدتها مؤذنا بانتهاء أو قطع المكالمة الهاتفية، ثم وجه حديثه إلي وعلامات الغضب ظاهرة على وجهه معتذرا عن فشل وساطته وعزا ذلك لتعنت جعفر بخيت وحقده. شكرت له كرمه وشهامته. غادرت مكتبه وأنا منشرح الصدر. أيقنت أن هناك رجالا محترمين يزينون المجتمعات مهما غلب السوء والسيئون. لم أتشرف بلقائه منذ ديسمبر 1971 ولم أشكره كما ينبغي ،ولكن جاء يوم شكره ونحن كعادتنا لا نشكر الأخيار إلا بعد رحيلهم من دنيانا. رحل الدكتور عثمان أبوالقاسم أحمد هاشم.
شكرا مجددا للدكتور عثمان أبوالقاسم الرجل الشجاع الزاهد النبيل واسأل الله أن يجعل فعلك معي في ميزان حسناتك..وليرحمك ويرحمنا الغفور الرحيم.
(عبدالله علقم)
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////