لقد نقلني مقال الاستاذ عوض محمد الحسن بعنوان (والعسكر واقف طابور ) الي أعوام مجيدة للعسكرية الأصيلة للجيش السوداني ضباطا" وجنودا" ، وحديثه عن اللواء طلعت فريد ، ولمن لا معرفة لهم بهذا الرجل فهو يعتبر من أبطال الحرب العالمية الثانية عندما أحتل الطليان كسلا وكان اللواء حينذاك ملازم أول واستحق نيشان الشجاعة لأقدامه وبلائه في القتال ، وهو ايضأ رياضي من الطراز الأول وكان يلعب لفريق الهلال الأمدرماني وشاهدناه ونحن صبية بدار الرياضة بأمدرمان ، وأما شجاعته فأني شاهد عليها عندما كنت مديرا" لمعهد تدريب المعلمين والمعلمات بمدينة التونج بمديرية بحر الغزال في جنوب السودان ،وشن المتمردون من الأنيانيا الجنوبيين أول هجوم عسكري لهم علي مدينة التونج في 18 اغسطس 1963 وقتل في ذلك الهجوم ناظر مدرسة أبتدائية ومدرس شماليان في بلدة صغيرة خارج التونج ولم يستطيعوا احتلال مدينة التونج بعد أن أتتنا النجدة من الجيش في واو ، وكان اللواء طلعت فريد وزيرا" للتربية والتعليم في ذلك الوقت ، وجاءت أشارة من الحاكم العسكري وقائد الحامية العسكرية في واو بأن وزير التربية والتعليم اللواء طلعت فريد ومعه وفد من كبار وزارة التربية والتعليم سيتحرك الي التونج ليتفقد احوالنا بعد دحر المتمردين ، وطلب مني مفتش الحكومة المحلية ومن قائد الحامية العسكرية التي زودت بها التونج النقيب فابيان ،أن نستقبل الوزير ومرافقيه علي مشارف البلدة ، وذهبنا وجاء الوزير في ( كنفوي ) قافلة من العربات وكان اللواء طلعت في المقدمة لوحده مع السائق ويضع الي جانبه مدفع رشاش ، وخلف سيارته سيارة الحاكم العسكري العميد عبد الحميد خير السيد ، وبقية عربات كبار المرافقين من الوزارة ،وتحف بها عربات الحراسة بالجنود ،وكان مع الوزير وكيل الوزارة ورؤساء الأقسام ومديرة تعليم البنات بالوزارة ، وكان ترتيب البرنامج أن نذهب رأسا" الي منزل المفتش لتناول الأفطار شم الذهاب الي معهد المعلمين حيث يجتمع بكل المدرسين الشماليين في مدارس التونج ، ويذهب الوكيل ورؤساء الأقسام الي مدرسة البنات حيث أعدت لهم مائدة خاصة ، ووصلنا الي منزل المفتش وعلي تربيزة السفرة الطويلة رصت اطباق الطعام ، وكان الحاضرون المفتش والحاكم العسكري وشخصي ، وكنا جميعا صامتين نتوقع أن يبدأ الوزير الكلام ولكنه لاذ بالصمت ، وانتقلنا للجلوس علي كراسي الصالون الوثيرة وأحضر الشاي والقهوة ، والتفت الوزير الي وكنت اجلس الي يمينه وقال لي : ( المدرسين جروا ليه ؟ ) ، وكان مدرسو المعهد الشمالييين وبعضهم متزوج ومعهم أطفالهم قد استأجروا لوري وسافروا ومعهم مدرسو المدرسة المتوسطة بدون أن يخبرونا ، وبقيت أنا ونائبي وناظر المدرسة المتوسطة ونائبه ، أجبته أن هؤلاء المدرسين شبان صغار ولم يسمعوا صوت طلقة رصاص في حياتهم وتملكهم الخوف والرعب وخاصة أن التونج ليس بها قوة عسكرية عدا أفراد من الشرطة ، فقال لي : ( طيب أنت ليه والفضلو ماجريتوا ) ديل شبان وما عندهم عوايل والواحد علي رقبتو بس ، وكلنا بخاف لكن حسة اذا جات رصاصة تلقاني انا وعبد الحميد أخدنا ساتر ،وبحركة مسرحية أندس ورا الكرسي الجالس عليه ، ونرد علي مصدر اطلاق النار لكن انتو تروحوا ساكت ، ثم خاطب الحاكم العسكري العميد عبد الحميد خير السيد واصدر له أمرا" : يا عبد الحميد من بكرة المدرسين ديل علموهم اطلاق النار خليهم يملوا التونج دي كلها نيران عشان المتمردين ما يحقروا بيهم . وجري تعليمنا بالفعل وصدق لنا ببنادق للدفاع عن النفس ما دمنا في الجنوب .
وانتقلنا الي المعهد ليجتمع مع جميع المدرسين الشماليين في مدارس التونج ، وكان مطلب جميع المدرسين أن تعطل الدراسة ويذهب المدرسون الي الشمال ، ثم تفتح المدارس بعد أن تهدأ الأحوال ويستتب الأمن ، وقال أحد المدرسين أنهم لا فكر لهم ولا نفس للتدريس وبالهم مشغول علي عائلاتهم التركوها في المنزل ، وقال مدرس آخر : الوزارة اتعاقدت معاي ونحن رجال ولكن نطلب أن نرجع زوجاتنا واطفالنا الي الشمال ، فرد الوزير قائلا": مافي أي عايلة تغادر التونج لأنه ديل اذا راحوا الشمال حيسببوا الفزع، والحكومة قادرة توفر ليكم الحماية وسنمد التونج بقوة عسكرية دائمة ، ومن طرائف ما حدث في الأجتماع أن أحد المدرسين قال ( من ما حصلت الضربة اولادي الصغار نومن بقي متقطع والواحد فيهم يقوم مخلوع ) ، فقال له الوزير : ( أديهم أسبرو ) . وكانت زيارته لنا ذات أثر بالغ في رفع معنوياتنا ، وأحساسنا بأهتمام حكومتنا والمسئولين عنا .
ومن طريف أقواله عندما كان وزيرا" للاستعلامات ( الأعلام فيما بعد ) نقلت عنه صحيفتهم ( صحيفة الثورة ) قوله بمانشت كبير في الصفحة الأولي ( اللهم حربا" لا تبقي ولا تذر ) ،وقال عن المسرح القومي وكان تحت اشراف وزارته ( لقد كبسنا لكم المسرح كبسا" ) ، والحقبقة تقال أن المسرح قد ازدهر في خلال تلك الفترة ، فقد شاهدنا علي خشبته أشهر الفرق المسرحية العالمية الي جانب فرقنا المحلية وكذلك سطع الغناء والفنانين العمالقة مثل محمد وردي وعثمان حسين والكابلي وابراهيم عوض واحمد المصطفي وحسن عطية والكاشف ، وتألق شعرآء الشعر الغنائي والأغنيات الجميلة .
ومن طريف ما يذكر من هتافات ضد حكم الفريق ابراهيم عبود ، هتاف : ( طلعت طلعت روح الشعب ) وآخر مرة اشاهد فيها اللواء طلعت فريد كانت في مطار الخرطوم في السبعينات من القرن الماضي وكنت قادما" من السعودية ولم تصل حقائب الركاب في نفس الرحلة وأخبرونا أن نحضر في الغد لأستلامها ، وشاهدت في صالة استلام العفش اللواء طلعت ولأول مرة أراه بالزي المدني بالجلابية والعمة ، وكان يبحث أيضا عن شنطته ، وسمعت الموظف المسئول يسأله : سعادتك شنطتك شكلها كيف ؟ ورد عليه : شنطة رياضية ومدردمة ، وكادت أن تخرج مني ضحكة وليرحمه الله حيا" أو ميتا" .
هؤلآء كانوا أعمدة الجيش السوداني ، ومن نكد الدنيا الذي يبعث علي الأسي والحزن والأسف لحال الجيش في هذا العهد فقد ضم المجرمين والملاقيط وأساءة الرتب العسكرية ،فمن المهازل أن

يكون عبود فريق وحميدتي فريق وطه عثمان فريق ..وعمر البشير مشير !!!
هلال زاهر الساداتي
25\5 \2017
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.