دعونا نستريح ولو قليلا"بشئ من متعة أو ألبسمة أو الضحكة من مغايص الكيزان واخبارهم وبلاويهم التي تجلب الهم والغم ولنبدأ بذكر ما كان يتعرض له الشيوعيون من ويلات في السجون والمعتقلات والتضييق عليهم في معاشهم وحريتهم في التحرك والعمل وذلك منذ عهد الأستعمار والحكومات في عهد الأستقلال وبخاصة في عهود النظم العسكرية الأستبدادية ، وفاض الكيل في راهن حكم الأخوان المسلمين الحالي ، وقد كلن شقيقي المرحوم أنور زاهر من أبكار الشيوعيين عندما كان أسمها الجبهة المعادية للأستعمار وقضي معظم عمره في سجون السودان المختلفة أو مختفيا"تحت الأرض بتوجيه من حزبه ، وحكمت عليه محكمة عسكرية قاضيها ضابط من الجيش بخمس سنوات سجنا" قضي فترة منها بسجن كوبر ثم صاروا ينقلونه من سجن لآخر في مدن الأبيض فكادقلي فالدلنج وزالنجي وجنوب السودان مع جميع زعماء المعارضة بمافيهم الزعيم أزهري ، وكان معه في سجن كوبر مجموعة كبيرة من الشيوعيين فيهم الطبيب وأستاذ الجامعة وأستاذ الثانوي ومدرسين والعامل والموظف والفنان ، ونظموا أنفسهم داخل السجن واقاموا ندوات ومحاضرات ودروس في اللغات ، وكان الفنان العبقري محمد وردي معهم في السجن وتعلم اللغة الأنجليزية علي يد استاذ الشانوي عباس علي ، كما كان أستاذ جامعة الخرطوم المتميز عبد المنعم عطية يدرس اللغة الألمانية ، وبموافقة مدير السجن فتحوا فصلا"لمحو الأمية للمسجونين العاديين من المجرمين ، وقر رأى الرفاق علي أن يقوم أنور بالتدريس لهم نسبة لخبرته السابقة في التدريس وكان آخر عمل تولاه التدريس بمدرسة الخرطوم الأهلية المتوسطة ، وأختير لطولة باله وصبره ، وبذل أنور مجهودا" كبيرا" معهم وبعد شهر كتب علي السبورة كلمة ( غرد ) وطلب من أحدهم أن يدخلها في جملة مفيدة ، فأجاب : ( غرد الثعلب ) ،وكظم أنور غيظه وقبل أن يتكلم ( نط ) آخر وقال : يا استاذ ده غلطان والصاح هو : غرد الكلب ، فما كان من أنور الا أن يرمي بالطباشيرة وخرج من الفصل وقال بغضب : يحرم علي تدريسهم بعد ده ..
وعلي ذكر محو الأمية كان الأستاذ الكبير محمد التوم التيجانى وكيل وزارة التربية والتعليم ووزير الدولة بها بعد ذلك في عهد نميري ، وكان يشتهر بخفة دمه وسخريته اللاذعة وعلاقاته الأجتماعية الواسعة ، وعينه نميرى في الأتحاد الأشتراكى لمحو الأمية وهو منصب أبتدعه نميرى رئيس الأتحاد الأشتراكى ورئيس كل شيئ حتي الكشافة ، وقال لنا في زيارة له للوزارة أن الرئيس نميرى سأله: كيف حال الأمية ؟ فأجبته : بخير يا سعادتك ، فقال : شدوا حيلكم كتير ، ما أنا عارفه لو كنت قلت ليه قضينا عليها أو مخططين نقضي عليها كان شاتني برة .. واحد من أخوانا اليمانية وكانوا يمتلكون معظم الدكاكين في أحيآء امدرمان ، التحق بأحدي حلقات محو الأمية التي كانت تنظم في الأندية الأجتماعية الثقافية ، وكانت كتب محو الأمية بها صور للأشيآء وكل صورة ترمز لحرف من حروف الهجاء مثلا" حرف الكاف ( كاف كتاب ) ، وأشار المدرس الي صورة هرم وسأل اليماني : ما هذا ؟ وأجابه : ( هذا ملوة ) ، والملوة المكيال المعروف .
وعندما كنت في مدينة التونج في جنوب السودان في ستينات القرن الماضي مربالبلدة في طريقه لمدينة واو بعد عودته من مدينة رمبيك مدير المجلس البريطاني ( برتش كاونسل ) وأزمع قضاء الليلة فى التونج ، ودعاه للعشآء وزوجته بداره مفتش الحكومة المحلية وهوالحاكم الفعلي لكل المنطقة ، ودعاني ونائبي الذى كان قبل ذلك في بعثة دراسية بانجلترا وتزوج من أنجليزية ولكنه أنفصل عنها ومنزل المفتش الحكومي الكبير الفخم والذي كان مسكنا"لمفتش المركز الأنجليزي قبل الأستقلال وملحق به استراحة مؤثثة ومهيأة بكل سبل الراحة ، وشيد في منتصف حديقة الدار مسطبة وضعت عليها كراسي مريحة وأمام كل كرسي منضدة ، وجلس الضيف وجلست زوجته علي كرسي بجواره ، ويبدوا انهما تجاوزا الخمسين من العمر ولكن يتمتعان بنشاط وحيوية الشباب ، وسألهما المفتش عن شرابهما المفضل ،،واعرب الرجل عن رغبته في البيرة ، وفضلت زوجته النبيذ اذا كان متاحا" والا ستشارك زوجها في شرب البيرة ، وكانت كل منضدة عامرة بأصناف المزة ، وطابت الجلسة والحديث وانطلق الكل علي سجيته وتواري التحفظ ، وعب الخواجة المدير من البيرة ويبدو أن الشراب فعل أثره في الرجل أو انه لم يتعود علي الشرب بدون حساب ، ودلق كأسه الملآن علي بنطلونه واسرعت زوجته لتجفيف المسكوب وهي تعتذر وهو أيضا" ، ونحن نحاول أن نخفف من الحدث وكأن شيئا" لم يحدث ،واستأنفنا الجلسة ، وهمست الزوجة لزوجها بأن يكف عن الشرب وامتثل لكلامها وامتنع ، وأظن أنتابته سنة من النوم ،وفجأة انطلقت منه ( ظرطة مدوية ) وانتفض من كرسيه وقعد ثانية وكأن الأمر عادي ، ثم أخذ يعتذر ويكرر الأعتذار عن دلقه للشراب ونحن نحاول تهدئة روعه ، وقلت في نفسي : أنت تعتذر عن دلق البيرة ولا المفروض تعتذر عن ( ظرطتك ) المتل القنبلة !
وقيل لنا أنه كان في الأعراس قديما" عندما يستعرض الرجال والشبان رجولتهم أمام البنات يفعلون ذلك بالعرضة وبالبطان ، وقفز أحدهم قفزة عالية في الجو ولما نزل ولمست قدماه الأرض بدرت منه ( ظرطة ) مدوية سمعها الواقفون من الرجال والنساء الجالسات علي السباتة وانطلقت منهن : (سجمي سجمي ) ! فاستل الشاب سكينه وشرط بها بطنه ، وتصايح النسوة : ( ووب علي ووب علي ) وربطوا بطنه بعمة وحملوه واسرعوا به وهو ينزف الي المستشفي ولكن أسلم الروح بين أيديهم قبل أن يصلوا ، وفقد حياته من أجل أظهار رجولة زائفة طبقا" لتقليد متخلف ...

هلال زاهر الساداتي

3\232017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.