لقد أثار في قلبي كوامن الشجن ما كتبه السر جميل عن الوحدة مع جنوب السودان مطلب شعبي ، وهي أمنية وحقيقة يكنها في نفسه كل سوداني أصيل عاقل ، وكنت قد كتبت غدآة أنفصال الجنوب مقالا" بالعنوان أعلآه ولا ضير في أستعارة بعض ما جآء فيه ، وأضآفآت اليه ، فالجرح استعصي علي البرء فهو عميق ، وقلت : لم يدر بخلدنا ولم يخطر علي بالنا أن يأتي علينا زمن ، وأن تمتد بنا أعمارنا لنشهد ونحضر اليوم الذي ينقطع الوصل بيننا وبين أخوتنا في جنوب القطر ، وأن ينفصل السودان الي قطرين متباعدين كالغربآء ، ونحن الذين أنفقنا زهرة شبابنا نكافح المستعمر من أجل أن ننعم بوطن حر مستقل يكفل لنا دعة العيش وشموخ الكرامة ورحابة العدل وأنصآف المساوآة وصفآء المحبة رغم الأختلآف الذي ينشأ أو الناشئ في الأفكار والميول والذي هو سنة البشر لأن خالقنا لم يشأ أن ينشأ الخلق أمة واحدة ، وقد أحبط أبآؤنا سنا" من الجنوبيين والشماليين كيد المستعمر لفصل الجنوب من الشمال وذلك في القرن الماضي في عام 1947 في مؤتمر جوبا ، فقد قرروا بأن يظل السودان دولة واحدة بشماله وجنوبه مع وعد بأعطآء الجنوب حكما" ذاتيا" فسره الراحل وليم دينق زعيم حزب سانو بأنه الحكم الفدرالي ، وجآء بعده بستة عشرة سنة الزعيم جون قرنق ونادي بالسودان الجديد الواحد الذي يكفل لبنيه جميعهم من شمال وجنوب وشرق وغرب بأعراقهم ومعتقداتهم أعرافهم وثقافاتهم المختلفة الحياة الكريمة بلا تفرقة أو تمييز ، فالمقياس الوحيد هو المواطنة ، وقال : فلنتقبل أنفسنا كسودانيين أولا" وقبل كل شيئ ، الأفريقانية المضادة للعروبة لا تستطيع توحيدنا ، الأسلام لايستطيع توحيدنا ، المسيحية لا تستطيع توحيدنا ، لكن السودانوية تستطيع توحيدنا ..
وتوافق هذا الفهم الواعي والحس الوطني النابض مع قول وسعي الزعيم علي عبد اللطيف في عام 1924 فقد شكل قبل تكوين جمعية اللوآء الأبيض منظمة تسمي ( جمعية القبائل السودانية المتحدة ) وكان هدفها هو التعاون والوحدة بين مختلف القبائل السودانية ،ومما يجدر ذكره أن كل عضو في جمعية اللواء الأبيض كان يحاول أن يعتبر نفسه سودانيا" فقط رافضا" أن يتبني تعريفا" لنفسه يقوم علي الأنتمآء القبلي ( مثل جعلي أو دينكاوي ) ، وقد دافعت جمعية اللوآء الأبيض عن وحدة وادي النيل ( الوحدة بين مصر والسودان ) ، لكنها قبل كل شيئ بوحدة الأمة السودانية نفسها وأكدت أنه يجب الا يكون هناك تمييز بين السودانيين علي أساس الأنتمآء العنصري أو القبلي وأن كل سوداني يجب أن يعتبر نفسه سودانيا" فقط ، وفي هذا الصدد تناول الأستاذ المفكر الوطني المرحوم محمد ابراهيم نقد بقوله عن الحرب بين الجنوب والشمال ( أنها نشأت لأن هناك أضطهادا" وظلما" علي القوميات المضطهدة ، ولهذه القوميات حقوق ويجب أن تكون متساوية مع كل القوميات أومع القومية الكبيرة المنحدرة من السلالات العربية الأسلامية ولا بد أن يكون السودان لكل السودانيين بصرف النظر عن اللون أو العرق أو الدين أو القبيلة ، هذه هي المعركة الأساسية المستمرة ، المسلم سيظل مسلما" والمسيحي سيظل مسيحيا" ، ومواطن الجنوب الذي يؤمن بالكجور سيظل مؤمنا" بالكجور .. لكن كمواطنين متساوين أمام القانون في الحقوق والواجبات .. هذا هو الجوهر ، ما اذا كان اشتراكيا" ، ديمقراطيا" أسلاميا" ليبراليا" ، برلمانيا" ، فهذه قضية تحسم خلال الصراع السياسي ..)
وللأسي أنقضت ستون سنة منذ أن نلنا أستقلالنا ، ونحن ندور كثور الساقية المغمي العينين ، فلم ننجز عمارا" أو تنمية تعود بالنفع علي أنسان بلدنا الغارق في الجهل والفقر وتنتاشه الأمراض والأوبئة ،بينما شور الساقية يدور ليروي الأرض بالمآء فينبت الزرع لخير الأنسان والحيوان ، وحكامنا يغلب عليهم الكلام والجعجعة بلا طحن والعراك في غير معترك سوي حب السلطة والجآه ، والمفارقة المضحكة المبكية في آن واحد هي أن أرضنا معطآءة تكتنز فيها الخيرات من نبات ومعادن وبترول وحيوانات وميآه جارية من الأنهار والسمآء بالأمطار وبحر أحمر يجود بالأسماك ، وكل هذه الثروات تؤهلنا لأن نكون أغني دول أفريقيا بل من أغني دول العالم ، ولكن تنقصنا الهمة والعزم وأبتلينا بحكومة الكيزان الأخوان المسلمين الذين تأصل فيهم الفساد والأفساد الي حد خطف اللقمة من أفواه الجياع والكادحات من بائعات الكسرة وستات الشاي ومستخدمين قوتهم وجبروتهم وأمنهم وجنجويدهم وقوانينهم الظالمة للبطش والتعذيب والقتل للشعب .. وقد أتيحت لي الفرصة لأعمل في الجنوب لعامين في أوائل ستينات القرن الماضي بمدينة التونج الجميلة في مديرية بحر الغزال ، وكتبت كتابا" عن تلك الفترة ، وقد أسرتني تلك المدينة بجمالها وجمال أهلها في معاملتهم وأمانتهم من سكان البلدة من قبيلتي الدينكا والجور ، وكتبت في مقدمة الكتاب : فأنه كان يود منذ زمن بعيد أن يعمل في جنوب البلاد ، وربما كان لما سمعه من والده من حكايات عنه وكان قد عمل زمانا" طويلا" هناك أثرفي رغبته تلك ، وربما كان لما يعتمل في صدره من نفور من الظلم وحب للبشر دون تمييز من عرق أو لون أو دين أثر آخر ، وكان لا يعرف لشمالي علي جنوبي فضلا" ، وأن الخالق لا يميز بين الناس بالوانهم ولكن بأعمالهم وتقواهم وأن هذه الألوان نفسها بأختلافها آية من أيآت الله وأنه لايظلم أحدا" ولكن البشر يظلمون أنفسهم وبعضهم بعضا" ، وربما كان لما سمعه عن تلك الأنحآء من جمال ونمآء وخضرة حباها بها الخالق أثره أيضا" ، كان صاحبنا بلا عقد عرقية ، أما خشيته فكانت مما يسمعه من أحاديث عن فوران تحت السطح ضد الشماليين ربما ينفجر بركانا" لا يبقي ولا يذر كما حدث في الماضي في تمرد 1955 ، وأن البركان حين ينفجر لا يعرف برا" ولا فاجرا" ولا صديقا" ولا عدوا" وتجرف حممه أمامه كل شيئ ، وفي ذلك التمرد أزهقت أرواح بريئة كل جرمها أن أصحابها شماليون ، وهكذا كان تمرد 1955 ، ولم يكن صاحبنا يخاف الموت فهو مؤمن بأن لكل أجل كتاب ولكن لا يري داع ولامعني للموت دون سبب أو قضية أو كما يقول أخواننا الجنوبيون ( موتو سمبلا ) أو كما يقول الشماليون ( مات فطيس ) وقال في نفسه ، لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ، وتوكل علي الله وحزم امتعته واستقل الطائرة الي واو حاضرة مديرية بحر الغزال ومن هناك يواصل سفره بالعربة الي التونج
والحقيقة رغم مرارتها يجب قولها دون مداراة أو تهيب ، فنحن الشمالييسن أو أهل الشمال ظلمنا الجنوبيين وظلمنا أنفسنا قبل ذلك ، ولكن كيف يكون ظلم أنفسنا ؟ نعم ، فالذين ينحدرون من أبآء عروبيين يكنون في أنفسهم أعتقادا" جازما" بأنهم أنقي دمآء وارفع مكانة من الآخرين المنحدرين ون أرومة زنجية أو حامية ويشطط بهم الأمر بأن يدعون أصحاب البشرة السودآء بالعبيد وهم يعيشون هذا الوهم بانهم عرب أقحاح بينما تجد العرب بحق لا يعتبرونهم عربا" ولاتجدأحدا" من مدعي العروبة أبيض البشرة ونساؤهم يدهن بشرتهن بكريمات تفتيح البشرة ، فهل ينسون أو يتبرأون من جداتهم السود ! وهم مضطرين للتعامل مع الجنوبيين بندية وهم يضمرون غير ذلك ، والأنكي من ذلك أن كيزان الجبهة القومية الأسلامية سابقا" والأنقاذ أو المؤتمر الوطني حاليا" لا يعترفون بأهل الكتاب من المسيحيين بأعراقهم المختلفة ويدعونهم الكفار وأعلنواالجهاد وأشعلوا الحرب ضدهم والتي بسببها قتل الآلاف المؤلفة من شباب الطرفين الشماليين والجنوبيين والكيزان يتباهون بأن قتلاهم في الجنة وقتلي الجنوبيين الكفار في النار .. وحتي يومنا هذا يضطهدون المسيحيين ويهدون كنائسهم وبيوتهم ويحرقون كتبهم بما فيها الأنجيل كما حدث في كنيسة الجريف والخرطوم بحري ، ويعتقلون القسس ويقدمونهم لمحاكم جائرة بتهم ملفقة وتصدر ضدهم أحكاما" قاسية بالسجن لمدة طويلة ...
وكتبت في ختام الكتاب : أما التونج الجميلة فما قليتها ولن أنساها فرغم مرارة ختام البقآء فيها والذكري الموجعة للاحدآث الأليمة التي عشناها بآخرة فقد كان لنا فيها أيام عبقت بالصفآء وضمخت بالود وتوشحت بالبهجة وتجللت بالمسرة .. فهل من لقآء جديد في أحضان الحب والسلام ؟ أود ذلك فما يزال الأمل حيا" في الخاطر ، وعسي أن نعتبر بما جري لكل منا من لأوآء الأنفصال ، ورب عسرة الي ميسرة ، والي عودة تكيد العدي من الكيزان وأذيالهم ...وقد يجمع الله الشتيتين بعد أن يظنا كل الظن أن لا تلاقيا ...

هلال زاهر الساداتي
5 فبراير 2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.