مثلما تنبض أوراق الأشجار الجافة بالحياة المورقة عند الخريف فتنقلب خضرآء زاهية بهية تسر الناظرين ، شع حراك طلبة وطالبات السودان رافعين هامة الوطن في وجه سلطة الظلم والأستبداد لحكم الأخوان المسلمين شرذمة المؤتمر الوطني، فهبوا من مدارس الخرطوم بحري والصبابي والجامعة الأسلامية بامدرمان ومن قبل في جامعة الخرطوم ، فهزموا يأس البعض من المواطنيين ومسحوا تردد المتشككين والمستسلمين بأعذار واهية سمجة ، وموقف الطلبة والطالبات هذا سطره تأريخ السودان بأحرف من نور منذ عهد الأستعمار وما تلآه من الحكومات الدكتاتورية العسكرية ، عبود ونميري ، مما شارف علي أكثر من نصف قرن ، وعادت بي الذكريات الي أيام كنا فيها في نهاية الثانويات في مدارس وادي سيدنا وحنتوب والأحفاد والأهلية وفي المدارس العليا وانضمت كلها في مؤتمر الطلبة بقيادة واحدة كان رئيسها مصطفي السيد الطبيب لاحقا" ومحجوب محمد صالح سكرتير اتحاد المدارس العليا وشيخ وعميد الصحفيين حاليا" ـ أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية ، وكانت أضراباتنا ومظاهراتنا ضد الجمعية التشريعية في عهد الأنجليز والتي قاطعتها كل الأحزاب ما عدا حزب الأمة ، والتي قال فيها الزعيم أزهري : لن ندخلها ولو جآءت مبرأة من كل عيب ، وكان العقاب هو فصل مائة طالب من الدراسة بقرار من وزير المعارف حينذاك الأستاذ عبد الرحمن علي طه ، وكنت من ضمن المفصولين .
وكان الطلاب دوما" رأس الرمح في الكفاح الوطني مهما أصابهم من الأذي ، فطال أرواحهم القتل بالرصاص الحي في عهد الطاغية المتجبر عمر البشير .
وتعود بي الذاكرة الي ذكريات مجيدة عندما كنت ناظرا" لمدرسة عطبرة الأميرية الوسطي في الستينات في تلك المدينة الباسلة والتي أنجبت عظمآء الرجال في الحقل النقابي والعمل الوطني كالشفيع أحمد الشيخ والحاج عبد الرحمن وقاسم امين وابراهيم زكريا عليهم رحمة الله ورضوانه ، وكان العسكر الأنقلابيون يحتفلون كل عام بذكري انقلابهم الذي أسموه الثورة البيضآء وجعلوا من اليوم عطلة رسمية ، وفي عطبرة كان الأستعداد يجري بهمة ونشاط للأحتفال بهذا اليوم ، وتم التركيز علي طلبة المدرسة الثأنوية في جميع الأنشطة وبخاصة طابور السير في بداية الأحتفال في الميدان الكبير ، وكانت الأستعدادات تجري قبل شهر لهذا الأحتفال ، وكان الطلاب يزاولون الأنشطة بكل همة وانضباط ،وفي صبيحة يوم الأحتفال فوجيئ القوم باضراب جميع طلاب المدرسة المفترض أن يسيروا في طابور العرض ، وحدث هرج واضطراب وغضب جامح ، وكان علي رأس المشاهدين الحاكم العسكري للمدينة ، وصار الجماعة يتلاومون ، وفي عجلة لأنقاذ الموقف أتوا بعمال الصحة والعساكر الذين ساروا متخبطين علي أنغام الموسيقي بين ضحك وسخرية المشاهين من الجمهور الذين دفعهم الفضول للحضور لأن جموع العمال قاطعوا الأحتفال ، وكان انتقام العسكر فصل العشرات من طلاب الشانوية .
وبعد فهذه صفحة واحدة مشرفة من كفاح الطلبة ضد الظلم والقهر والأستبداد ، فلهم التحية والمجد ...
هلال زاهر الساداتي
26 نوفمبر\2016

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.