سجي الليل وهجع الخلائق الي مضاجعهم وازدانت السمآء بمصابيح النجوم ما خفت منها الضوء وما تلألأ ، وسكنت الأصوات الا من صرير الجنادب التي لا تنام ولا تهدأ ، وعوآء ذئآب متقطع تبحث عن فريسة تقتات بها ، وثعالب تتلصص تبحث هي الآخري عن ما تسد به جوعها من خشاش الأرض ، وما عدا ذلك ساد هدوء حذر في تلك القرية القصية من قري أقليم دارفور ، فقد تواترت الأنبآء عن أناس كأنهم ليسوا من البشر يسمونهم الجنجويد يجتاحون القري ويقتلون سكانها دون تمييز بين رجل وأمرأة وشيخ وطفل ،ويغتصبون من تروق لهم من النسآء وينهبون ما تقع عليه أيديهم من مال ومتاع وحيوانات ثم يحرقون القرية وتصير كالأرض الجرز كومة من الرماد ! وشياطين الأنس هؤلاء جندتهم الحكومة القائمة في السودان وأمدتهم بالأسلحة والأموال والمركبات الحديثةبدلا" من الجياد والجمال التي كانوا يركبونها وكانت مكافأة الحكومة لهم هي الأرض الخصبة التي استولوا عليها ووهبتها لهم
وفي الليل الساجي ضمت بخيتة في مرقدها الي صدرها أبنها الرضيع والقمته ثديها، وتصارعت في مخيلتها أفكار السوء وتناسلت منها كوابيس مرعبة فسالت من عينيها أدمع حارة وضمت اليها وليدها بقوة وكأن هناك من يريد أن ينزعه منها أو يطوله بسوء .
وبدد ضيآء الصبح أستار الظلام السودآء ، وتداعي رجال القرية من الشيب والشباب وبعض النسآء لبحث الأمر ، وقر الرأي علي أن لا مناص من صد العدوان بالقوة ولكن من أين لهم بالأسلحة النارية وهم لا يمتلكون سوي السكاكين والسيوف والحراب والعكاكيز ، وهنا أنبري لهم فتي وقال أن الحل متيسر وهو أن يلتحقوا بجيش تحرير السودان الذي يقوده ذلك الفتي المحامي المقدام عبد الواحد محمد النور والذي هجر مهنة المحامآة الي النضال بالبندقية للدفاع عن أهله ووطنه ومبادئه في العيش بكرامة وشرف في وطن يجمع ولا يفرق ويسع الجميع من قبائله وشعوبه ، وقال لهم الفتي فلتنظروا ألي أفعال هذا الرجل وكيف خشي الجنجويد وحكومتهم من شدة بأسه وبأس مقاتليه ، ومن وقفة هذا الرجل وحده كالسيف في وجه الأغراءآت من مال ومناصب رفيعة وجآه كما حدث لبعض أعيان دارفور ، وهو الذي أذاق الجنجويد وعسكر الحكومة غصص مرارة الهزيمة في ميادين القتال ، فلجأوا الي الفتك بالمدنيين العزل الأبريآء من النساء والأطفال عندما عجزوا من مواجهة الرجال !
وفي معسكر بعيد للجنجويد كان أثنان منهما يتحدثان ، فقال أحدهما : ما سمعت الأوامر الجديدة بمهاجمة جبل مرة وتنضيفه من جماعة عبد الواحد وأهله من قبيلة الفور والأوامر دي جات من الرئيس عمر البشير زات نفسه وبأي تمن وكل نفر مننا حيدوه نص مليون جنيه ، أصله جاتم قروش بالشوالآت من اصحابم العرب البشبهوهم ، وقال الآخر : يا ولد أمي الجبل ده صعيب بالحيل وما بنقدر علي طلوعه وناس عبد الواحد ديل مو ساهلين وممكن يصطادونا بالراحة وبشنو تنفعنا نص المليون وحتي المليون لمن الواحد يروح في شربة ألمي وهم في الخرتوم يشربو في الحار والبارد والأكل السمح وياكلو نصيب الأسد من القروش ؟ ورد عليه الأول : أقولك الزابط ولد عمي قال لي الطيارات حترميهم المرة دي بغنابل متل المطر بتطلع غبارالبشمه بكتله طوالي بعد مايتعذب في دقايق ويتملص جلده من لحمه وده بقولو ليه الكماوي ، ورد عليه الثاني بقوله : لاكين ده ما حرام نكتل الناس من طرف ؟ ونهره ألأول بقوله: أنت يا حمدان قلبك بقي رهيف ولا شنو ، أها البنسوي فوقه ده من زمان حلال ؟
وفي اليوم التالي وفي تلك القرية القاصية في جبل مرة بدارفور حلقت طائرة حربية حكومية ألقت قنبلة أنفجرت وانتشرت منها مادة غامت منها الأرض، وضمت بخيتة وليدها الي بطنها وتمنت لوتخفيه داخلها ،وصرخ الطفل صرخة حادة ثم خمد بدون حركة وشهقت بخيتة شهقة داوية وانكفأت علي وليدها وفاضت روحها ...

هلال زاهر الساداتي
4/ نوفمبر\2016

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.