من مختارات كتاب امدرمانيات

مدينة أمدرمان أكبر مغني من مغاني الطرب وحظيت بأكبر مجموعة من المطربين المشهورين ونصف المشهورين والمغمورين وظلت وستظل مركزا" لجذب كل صاحب حنجرة يتوسم في نفسه أو يتوسم فيه الآخرون التطريب ما دامت فيها محطة الأذاعة الرئيسة والتلفزيون ، ولكن هناك بعض الناس يلازمهم سوء الحظ كظلهم ولا فكاك منه ، ومن هؤلاء يعض المغنيين في أمدرمان في منتصف القرن العشرين وكانوا يسمونهم مغني الحيرة والمعني أنه كان عندما لا يجيئ مغني الحفل في بيوت الأعراس أو يتأخر لمدة طويلة ويتضجر المدعوون وتكثر وتتولد التخريجات عن سبب تأخير المغني الي أحتمال عدم حضوره يلجأ  أصحاب العرس ألي الأستنجاد بأحد مطربي الحيرة وهؤلاء جاهزون في كل حين وزمان  ويتطوع المشرف علي الحفل من أهل العريس أو من أهل الحلة للذهاب والأتيان بالمغني وعادة ما يكون في كل حفل زواج شخصية من المنظمين أو فتوة الحلة لتأديب الصعاليك الذين يريدون أفساد الحفلة أو ( اللعبة ) كما كانت تسمي ، أو الذي يصر علي أخذ الشبال من البنت الراقصة في السباتة ، ويكون الواحد من هؤلاء الصعاليك دوما" مخمورا" ، وقيل أن من كان يقوم  بهذه المهمة النأديبية في حي ود نوباوي هو الرئيس السابق المخلوع جعفر النميري  .
من مطربي الحيرة المعروفين هو حسقيل وهذا يتميز بحنجرة فيها كثير من صوت الحمير ولكنه يحفظ جميع أغاني المطربين وكان علي استعداد للغنآء دون كلل أو ملل حتي الصباح وفي أي زمان وأي مكان ، وكانت البنات ( القيافة ) يتسللن خارجات من الحفلة عندما يبدأ الرجل في الغنآء ، أو يخرجن ( حردانات ) عندما تهل طلعته الغير بهية ، ولم يكن حسقيل يبالي بتعليقات بعض السكاري أو الموجودين المسيئة عن غنائه ولا يفرط في هذه الفرصة  التي أهداها له القدر ليغني ! ويستمر في غنائه مغلقا" أذنا" من طين والثانية من عجين كما يقول المثل ..
ومغني الحيرة الثاني كان يدعي حسن طابونة ولصق به هذا اللقب نسبة لعمله فقد كان خبازا" ينضج الخبز في فرن كوستي بالمحطة الوسطي بامدرمان ، وكان صوته لا بأس به وكان أعورا" ويقف للغنآء مائلا" بجسمه مواجها" البنات بعينه الصحيحة ، وذات مرة كان لدينا عرس وأشرفت الساعة علي التاسعة مساء ولم يحضر المغني وقر اسعاف الموقف بأستدعآء حسن طابونة ، وذهب المتطوع الذي يوجد في كل حفلة للذهاب والأتيان به ، وركب دراجته من بيت اللعبة في الموردة الي الفرن في المحطة الوسطي بأمدرمان حيث محل عمل حسن في الفرن ، ووجده يجهز العجين لأنجاضه داخل الفرن ، وشرح له الموقف ، وبكل شهامة دلف حسن الي حجرة صغيرة ملحقة بالفرن وخلع ملابس الشغل واغتسل بسرعة وارتدي قميصا" نظيفا"وبنطلونا" كانا معلقين عليي الحائط ورجل شعره وتطيب ، وأردفه المتطوع خلفه علي الدراجة وجاء به منتصرا" ، وأبدع حسن طابونة ليلنها أيما  أبداع.
وثالثهما كان في أول عهده في الغنآء مغمورأ" ولكن أبتسم له الحظ بعد ذلك بعد أن غير الي غنآء الحقيبة وأصبح من كبار المطربين ، وفي بدء حياته الفنية كان يغني في ( لعبة) في حي العباسية بامدرمان واندمج في الغنآء وأجاد ، وبعد وصلة من الأغنيات استأذن ليذهب الي الحمام ، وكان في الحوش الخارجي حفرة لمرحاض جديد لم يكتمل بعد وكان الحوش مظلما" ووقع المطرب في الحفرة ، ولما اطالت غيبنه خرج البعض ليستطلعوا خبره وسمعوا أنينا" آتيا" من داخل الحفرة وانتشلوه منها ، وبعد أن حمد الله طلب منهم أن لا ينفض الحفل وأصر علي الأستمرار في الغناء ، وكأني به يقول لا بد من الغنآء من المهد الي اللحد !
أما رابعهما فقد بدأ مادحا" وتحول الي أغاني الحقيبة ثم تحول الي الغنآء بالآلات الحديثة وأصاب شهرة واسعة وكان له كثير من المعجبين ،ولكنه كان شخصية غريبة الأطوار فهو يأتي بحركات بهلوانية عند غنائه فربما تسلق الحائط أو شجرة ونزل وهو يغني ، أو يجري من جانب لآخر ويرجع الي الخلف ويندفع الي الأمام وهكذا ، ولكنه كان كريما" لا يصد أحدا" من أبنآء حيه اذا قصده ليغني في حفل زواجه ،  وجاءه عربجي من أولاد حلته وطلب منه أحيآء حفلة زواجه ، ورحب الفنان به ، وفي الليلة بدأ في الغنأء وبعد الوصلة الأولي قدم لهم العريس العربجي مريسة للشرب ، وعاود المغني الغنآء بدون نفس وردد أغاني باهتة ، فجآء اليه العريس وقال له : ( بالله غني لينا أغاني من بيت الكلاوي ) ، وأجابه المغني بقوله : ( يآه ده الغنا بتاع المريسة ) ، ويجدر أن أذكر هنا أنه في ذلك الزمان لم يكن المغني والعازفين يتقاضون نقودا" أو أجرا" نظير غنائهم في الاعراس ، وكان المتعارف أن يحضرصاحب العرس الشراب خلال الغناء والعشاء المتميز ( المدنكل ) بعد انتهآء ( اللعبة ) وأن يكون الشراب في حده الأدني من العرقي ، وكان يصاحب المغني عازف واحد علي العود وفي أفضل ألأحيان يعزف معه آخر علي الكمان ،ولم يكن هناك مكرفون ، ...
وبعد هذه نماذج من مطربين عاندهم الحظ فقضوا وهم مغمورين ، وآخرين أجتازوا مرحلة النكرات الي مرحلة الشهرة والنجومية  بعد أن شربوا المر والمريسة ..

هلال زاهر الساداتي

23مايو2016

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.