في ذاكرة كل منا مشاهد واحدآث لا تزال عالقة بها وان أنقص كر السنوات الكثير منها وتولى النسيان مسح المتبقي منها فغرقت في بحار الغيب ، وهكذا فعل الزمن فكل اناس يواكبون أو يتأثرون بزمانهم وما فيه من عادات وتقاليد ، ومن عهد الطفولة في الاربعينات من القرن العشرين    المنصرم  ما زلت أتذكر بعض اشيآء وربما لطرافتها أو غرابتها ، ومن تلك الأشيآء ما كان يعرف بالظار ، والطمبرة ، ولما كانت  مدينة امدرمان تضم في داخلها امشاجا" من قبآئل السودان المختلفة فان البعض نقلوا معهم ولها انماطا" من عادات وتراث موطنهم الاول وحافظوا عليها ، ومن جانبي فاني ولدت ونشأت وقضيت شطرا" كبيرا" من طفولتى في فريق ريد بحي  الموردة بمدينة امدرمان ،وانفقت شطرا"آخر بحى الضباط  بنفس المدينة والتى غيرت حكومة الانقاذ اسمه الي حى بانت شرق ،وفى البدأ كان مسرح طفولتى في فريق ريد حيث كانت الدنيا بالنسبة الينا لعب وضحك ومسرة ولا نحمل هما" ولا يعترينا هم تسعدنا قطعة الحلوى والكلمة الطيبة وتكد رنا الزجرة ا الناهية ، وتبكينا الضربة الموجعة ، وهناك  تفتحت مداركنا لحدث جديد علينا وهو ما يدعونه (ن الظار) فقد اقام جيراننا المقابل منزلهم لمنزلنا حفلا" كان جميع ضيوفه من النسآء وتسللنا نحن الاطفال للفرجة وكان يميز الحفل  ضربات الدلوكة فى ايقاع عال رتيب ( دق الدق دق دق ) وتحمل اثنتان من النساء ما يسمى ب (الشتم ) وهو طبلة صغيرة تحمل بيد واحدة ويقرع عليها باليد الأخري بقضيب من الخشب  أو  مسواك غليظ ، و تخرج صوتا" أرق من صوت الدلوكة ( تك تك تتك )   ويتوآءم الصوتان في ( هارمونى ) كما يقول اهل الموسيقي ) ، ويصاحب ضربات الدلوكة والشتم اصوات شجية رقيقة من شدو النسآء لا يستطيع السامع تبين كلماته ،ود خان البخور  يملأ جو الحجرة ، والمرأة التى يعمل الظار من أجلها تغطى رأسها ووجهها بخمار وهي جالسة عل البرش وتأتى بحركات هستيرية بجسمها وخاصة برأسها يمينا" ويسارا" وعندما  تشتد حركاتها وصراخها تهرع اليها ( الشيخة ويسمونها( الكودية )  وهى المنظمة والمشرفة علي الظار والعليمة بسر الطقوس والأهازيج التي ترددها وتغنيها  النسآء ، فهى تشبه الي حد ما المايسترو الذي يقود الفرقة الموسيقية ، فتهرع الكودية وتغطيها بثوب وهي تقول (دستور يا أسيادي ـ  طلباتكم يا اسيادي ـ طلباتكم مجابة يا اسيادي ) والمرأة   تتكلم بكلام غير مفهوم الا للكودية ويقال عن المرأة انها ( متلبشة ) وتتكلم بلغة الجن ، ومثلها مثل الدرويش في الذكر الذي يقول كلام ( خارم بارم ) ويقال عنه (ترجم ) وغالبا" ما تكون  الطلبات تعبر عن رغبات دفينة لدي المرأة لا تستطيع البوح بها عند الصحو ، والجن الذي يتملك  المبتلية انواع واشكال مختلفة وكل واحد منهم له طلبات خاصة ولديه أهزوجة خاصة يستدعي بها ويسمي في الظار (الخيت) ، فهناك من الجن الحبشي والشلكاوى والهدندوى والخواجة ، وطلبات هذا الخواجة هي الويسكى والسجاير ، وتحضره الشيحةأو الكودية لها ،وتتكيف المتلبشة ، وربما تكون هناك زجاجة أو زجاجتين ويسكىوباكو سجاير تدحرهم الشيخة لنفسها ، وكل التكاليف على حساب المصابة ،فالشيخة هي الطبيبة ومشخصة الدآء والدوآء ،( وزوج المتللبشة ) هو الذي يتكفل بكل المصاريف والا سيحيق بزوجته مكروه من الجن يزيدها وبالا" .
وهناك  مرض آخر من ورآئه الجن فى اعتقاد النسآء وهورصيف الظار وهو ( الطمبرة ) بضم الط وتسكين الميم وضم ال ب ) ولكن لا تختلف كثيرا"عن الظار ولكن تتميز بان آلة الطمبور الموسيقية مصاحبة للدلوكة ويعزف عليها رجل ، كذلك كشكوش وشخاليلـ تصدر اصوات للايقاع ، والطبيبة المداوية هى الشيخة وهي التي تحفظ اسرار واهازيج الجن ( والخيوت )  وتسمي الكودية ايضا" ،و عندما انتقلنا للسكنى مع جدى لامى في حي الضباط عندما نقل والدى   للجنوب وصحبه والدتى وشقيقاي التوأم الاثنان  الصغاروبقينا نحن للالتحاق بالمدارس ، وشاهدت هناك الطمبرة لاول مرة وممارساتها وعجائبها ،فرأيت من يذبح الخروف ويتلقى دمه فى اناء وتشرب منه ( المتلبشة )، وكذلك شاهدت من يمسك الجمر ويقلبه بين كفيه  .
وفي زماننا هذا تلاشت كل هذه الظواهر المتخلفة القبيحة التى كان مردها الجهل   ولم  تكن النسآء متعلمات ولا توجد  مدارس للبنات وحتى مدارس الاولاد كانت   تعد علي اصابع اليد ،مما اضطر معه جدي وكان رجلا" مستنيرا"ومتدينا" ان يدخل شقيقتى البكر خالدة الخلوة  مع ابنه وخالها في نفس الوقت ،ولله الحمد اصبحت مدارس البنات فى الريف والحضر ، وربما زاد عدد البنات علي البنين في الجامعات واصبح لدينا دكاترة من النسآء في شتى المعارف.    
وفي الامثال أن  من الجهل ما قتل ، والجهل مصيبة فقد كانت  معظم النسوة يعتقدن ان معظم أوكل الامراض النفسية  والجسدية سببها  الجن أو الحسد من عين الانسان فيلجأون الي الفقرا  والمتشعوذين وهؤلاء يستخدمون وسآئل عقيمة  كالمحاية الملوثة من يد الفكى أو مآء( السكن) الذي يعمل به المحاية أويستخدم الفكى ضرب المصاب بالسوط ضربا" مبرحا" ، ،أويجعله يستنشق دخان البخورحتى ينقطع نفسه ويستمر هذا التعذيب  في كل يوم جديد ، ولعل جلادى بيوت الأشباح في عهد الانقاذ استوحوا منهم هذه الطريقة وزادوا عليها من وسائلهم الشيطانية !
ولا انسي ابتلآء ذلك الصديق وكان قد اكمل المرحلة الوسطى وتخرج من مدرسة الارصاد الجوى وارسلوه للعمل في الجنوب وهناك تعلم تدخين البنقو وادمن عيه وكانت النتيجة اصابته بصدمة عصبية ونفسية ، وارسلوه الى اهله للعلاج ، وبعثت به امه الى فكى في ديوم الخرطوم ليعالجه وابقاه الفكى معه ،  وذهبت اليه وصحبته   معي  الي الدكتور العلامة التيجانى  الماحي  والذي كان اول من عالج طبيا" مرضي الامراض النفسية والعصبية واستمر علاج صديقي عشرين ىوما" وبعدها تعافى تماما" .
والحادثة  الاخرى كانت لامرأة عجوز من الحلة ارمدت عيناها فعملوالها  الظار ووصفت لها الكودية قطرة من منى تيس وستحضرها لها ، وبعد ان  قطرت  منها مرة واحدة سآْ ء حال عينيها وكادت ان تفقد بصرها كليةحتى ادركوها وذهبوا بها الى مستشفي العيون بالخرطوم وكانت مستشفى  را ئعة من حيث النظافة والرعاية والاهتمام وبها دكاترة عباقرة في طب العيون كالدكتور الباقر والدكتور حسين ،واستردت الجدة عافية عينيها بعد ان هددها العمي وفقدان بصرها للابد  .
هلال زاهر الساداتى
15215
 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.