حكايات الحلة

  في النصف الأول وشطراً من القرن العشرين كان يوجد بأمدرمان صنف من الرجال يطلق علي الواحد منهم لقب الفُتوّة , وكانوا يشتهرون بقوتهم الجسدية وشراستهم وإثارة المشاكل والبطش بمن يوقعه سوء الحظ في طريقهم , وكانت قيمة (الرجالة) في ذلك الزمن علي قمة المناقب التي يتحلى بها الرجال وكان الأمر لا يخلو من شئ من الفروسية والشجاعة فيقال عن الواحد انه (يأكل النار) , وكان يقابل هؤلاء في الأقاليم الربابيط أو الرباطين (قطاع الطرق) ,وهذه الفئة سواء كانوا في المدن أو الأرياف أو البادية قد تنكبوا طريق القانون وانغمسوا في آثام وموبقات من فرض الإتاوات علي الناس أو الاتجار في البنقو ولكنهم لا ينحدرون إلي الجرائم الصغيرة التي يحسبون أنها لا تليق بهم كسرقات البيوت بالنط فوق الحائط أو النشل .كان في حي الموردة بأمدرمان رجلان مهابان يضرب بهما المثل في القوة والبطش والفتونة , أولهما (كبس الجبة ) ولم نعرف له اسماً سوي هذا اللقب وهو شاب في الثلاثينيات من العمر داكن اللون أجعد الشعر متوسط الطول مفتول العضلات , بل هو كتلة من العضلات حتى لنحسب أن لسانه أيضا من هذا النسيج العضلي , وله قوة جبارة كتور شين أي التور الوحشي , وإذا تواضعت فربما تصف قوته كقوة الثور الذي يجر الساقية أو المسمي تور الساقية , وكان ميدان نشاطه هو فرض الإتاوات علي بعض التجار ويأكل مجاناً هو وضيوفه في المطاعم , وله مرتب يومياً زجاجتان من الشري من بار حليم بالموردة ومثلهما من العرقي من ستات العرقي , وكمية من البنقو من المتاجرين به , ولكن لم يكن كبس الجبة يتعدي علي ساكني الموردة , وقد لقي حتفه بطلقة رصاص في قلبه في احدي مغامراته .أما الشخصية الأخرى فهو (راس الحجر) , وهو أيضاً ازرق اللون أي اسود , في الخمسينات من العمر ومربوع القامة ويتميز برأس كبير يعلوه شعر منفوش , وجعل الخالق له قوة خارقة في ذلك الرأس الضخم , فكان يأخذ الطوبة ويقذفها عالياً ويتلقاها برأسه فتنفلق إلي نصفين , وكان ذلك الرأس العجيب هو سلاحه الرهيب الذي يجعل أكثر الناس جراءة وقوة يخشون العراك معه , وكان عمله الظاهر هو العمل كعامل في مصلحة المخازن والمهمات ولكن  يقال انه كان يتاجر سراً في بيع البنقو .في تلك الأيام كان فيضان البحر في كل عام كبيراً وكان النهر في زمن الدميرة أي الفيضان يحمل معه من الجنوب الأخشاب والطرور وهذا الأخير هو نوع رخو وهش من الخشب , وكنا نحن الصغار نلعب به فنضرب بالواحدة منه أي الطرورة المشبعة بالماء , نضرب بها الأرض فتحدث صوتاً كالفرقعة , كما كان يصنع منه الطوف . وكان أصحاب المراكب يصنعون رواكيب منخفضة الارتفاع ويسقفونها بالطرور ويستلقون أو يستريحون أسفلها لتقيهم حر الشمس في شاطئ النهر .وكان كبس الجبة ورأس الحجر وصاحبهما الملقب برأس الميت لديهم راكوبتهم الخاصة التي يستلقون تحتها ويدخنون سجائر البنقو علي هبات نسيم البحر .وكان هناك في مكان آخر شلة من أبناء الموردة يتراهنون علي من تكون له الغلبة إذا اشتبك كبس ورأس الحجر في عراك , ولذلك دبروا مكيدة للتحقق من ذلك , فأوعزوا لواحد منهم وكان مقرباً من كبس أن ينقل إليه أن رأس الحجر قد تكلم بسوء في حقه , وأصّرها كبس في نفسه وهما تحت الراكوبة وقد فرغا من تدخين السجارة الثانية , جابهه كبس بما نُقل إليه وأنكر رأس الحجر وقال لكبس (انت ما أرجل مني , وأنا اذا قلت الكلام ده بقولوا ليك في وشك) , وحدثت مشادة كلامية حادة وهما واقفان وجه لوجه أمام الراكوبة , فما كان من كبس إلا أن لكم راس الحجر (بونيه) Knock out  اقتلعته من الأرض وقذفت به إلي رأس الراكوبة , ولكن رأس الحجر (بباقي روحه) قفز من فوق الراكوبة وضرب كبس برأسه (روسيه) head  , ووقع الاثنان ممددان علي الأرض مغشياً عليهما .