هلال زاهر الساداتي
إن ما وقع علي أهل دارفور من أهوال ضجت من بشاعته السموات والأرض , وعلمنا يقيناً بأن أهل الأرض من كل ملة وجنس وعقيدة قد خرجوا جميعاً مستنكرين ومحتجين وشاجبين للجرائم البشعة التي ارتكبتها حكومة الإنقاذ بالمواطنين السودانيين بدارفور واستجاب الله من فوق سبع سموات لظلامات وشكاوي المظلومين واستمع لأنات المعذبين وحشرجات المحتضرين , والي بكاء الأطفال وعويل الثكالي , فان الله عدل لا يقر ولا يحب الظلم , ويرد كيد الظالم إلي نحره , وقد يسلط علي الطاغية الظالم أهون خلقه وهم جميعاً جند من جنوده , فقد سلط بعوضة دخلت في أنف أبرهة الذي أراد هدم الكعبة واستقرت في مخه فأهلكته بعد أن عاني من ويلات العذاب , وجعل محكمة الجزاء الدولية احدي ساحات عدالته في الدنيا والتي يساق إليها المجرمون والظلمة من الحكام ليقتص منهم جراء جرائمهم في حق رعاياهم ومواطنيهم , وما أوكامبو إلا جندي من جنود الله من سائر جند خلقه من المخلوقات وسخره ليعرض قضية دارفور علي العدالة .
ولكن أهل الإنقاذ ومن والاهم اعتصموا بالإنكار والمكابرة وركبوا قاطرة الحماقة , فتحدوا دول العالم ممثلة في مجلس الأمن والأمم المتحدة , ومواطنيهم , وجيشوا أنصارهم ورتبوا التظاهرات ووظفوا أجهزة الإعلام المختلفة التي يسيطرون عليها من إذاعة وتلفزيون وقنوات فضائية وصحف وأقلام مأجورة وجوقات المنتفعين من الوضع والانتهازيين الآكلين في كل الموائد , والجهلة المضللين الذين ينعقون خلف كل أفّاق يستثير فيهم الحمية الدينية أو العنصرية والقبلية !
لقد أطار صوابهم قرار محكمة الجزاء الدولية بإلقاء القبض علي المشير عمر البشير ليمثل أمام المحكمة الدولية ليحاسب علي الجرائم المتهم بها في حق أهل دارفور . وكان رده ورد أنصاره عنيفاً قاسياً يدخل في باب الحماقة , ويذكر المرء بالمثل الذي يقول أن لكل داء دواء يستطب به إلا الحماقة أعيت من يداويها , ونصب القوم من رجلهم – البشير – شخصاً مقدساً لا يمس ولا يطعن في حقه وجعلوه فوق المساءلة , مع إن سيدنا عمر الفاروق رضي الله عنه قال عند بيعته بالخلافة , قال ما معناه من رأي منكم فيَّ اعوجاجاً فليقومه , فقام أعرابي وقال له : والله لو رأينا اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا , ولم يغضب ولم يتشنج الفاروق عمر ولكنه قال له ما معناه أن الحمد لله أن جعل في امة محمد من يقوم عمر بسيفه ! فماذا لو حدث هذا في زماننا ؟ وشتان ما بين الرجلين , بل لو قال احدهم أن علي البشير أن يمثل أمام المحكمة الدولية لتناوله زبانية الفريق صلاح قوش وأذاقوه ألوان العذاب والسباب ثم يقدمونه للمحكمة ليتلق حكما من احد قضاتهم سنين عددا , كما حدث لأحد المواطنين الذي اتهموه بإمداد المحكمة الدولية بمستندات تدين البشير وحكومته كما توعد الفريق صلاح قوش من يقول بتأييد المحكمة الدولية بجز الرأس وتقطيع الأوصال !
وهؤلاء الناس أهل المؤتمر الوطني لديهم خاصية مدهشة لاستعداء الناس عليهم وجلب كراهيتهم بصب مزيد من الزيت علي النار المشتعلة أصلا حتى يلسع لهبها جلودهم ويحرقها , فلقد استقطب المشير البشير سخط العالم عليه بطرد ثلاثة عشر منظمة إغاثة عاملة في دارفور كانت تقوم بخمسين في المائة من الإغاثة بتوفير الغذاء والماء والعلاج والتعليم وذلك بذريعة أن هذه المنظمات تقوم بالتجسس والتنصير وهي مقدمة للاستعمار الحديث , والسؤال المشروع له ولحكومته : أين كنتم طيلة هذه السنوات الخمس وهذه المنظمات تعمل في دارفور , وكيف سمحتم لهم كل هذه المدة ليخربوا ويسيئوا إلي الوطن ؟! وكيف منذ البداية سمحتم لمائة وثلاثة عشرة منظمة للعمل في دارفور ! أو ليس هذا دليل علي عجزكم وتقاعسكم من القيام بعمل الإغاثة ؟!
لقد استمعت وشاهدت في القناة السودانية قادة العمل الاغاثي بالسودان من أعضاء المؤتمر الوطني فأجمعوا جميعاً بأنه ليس لديهم القدرات ولا الإمكانيات للقيام بالعمل الذي كان تقوم به هذه المنظمات وربما يتم ذلك بعد وقت طويل .  وبدلاً من نشكر هذه المنظمات علي عملها الإنساني النبيل الذي تقوم به كان جزاؤها إساءة وطرداً , وانطبق علي حكومة الإنقاذ القول : جو يساعدوه في دفن أبوه قام دسَّ المحافير , أو كالذي (طبز) عينه بأصبعه !
وهم بهذا العمل الأهوج الأرعن حكموا علي مليون ونصف من أهلنا في المعسكرات في دارفور بالموت جوعاً أو عطشاً أو بالأمراض , فبعد أن قتلوا الآلاف المؤلفة منهم ضرباً بالرصاص أو ذبحاً بالسكاكين , فبفعلتهم تلك يريدون أن يجهزوا علي البقية منهم . وبإبعاد منظمات الإغاثة يمدون اوكامبو مدعي محكمة الجزاء الدولية بحجة جديدة تؤيد تهمة الإبادة الجماعية التي استبعدتها المحكمة من قبل , فمنع الإغاثة يعرض الملايين في المعسكرات لخطر الموت من الجوع والعطش والمرض بعد فقدهم لها وكانت توفرها لهم المنظمات المطرودة .
وشئ آخر يثير الضحك ولكنه ضحك كالبكا , وشر البلية ما يضحك , فلإخراج المشير من ورطته وتفادي القبض عليه إذا خرج من السودان اصدر ما يسمون أنفسهم هيئة علماء السودان فتوي بعدم جواز ذهاب المشير البشير إلي الدوحة لحضور مؤتمر القمة العربي لما يكتنف ذلك من خطر عليه ولأن تعرضه للخطر يعرض السودان كله للخطر .
فهل صار المثول للعدالة خطر علي السودان ؟ علي أية حال أن البشير متهم حتي الآن وهو برئ إلي أن تثبت إدانته أو تبرئته من الجرائم المتهم بها . فان كان واثقاً من براءته فلماذا خشيته من المثول أمام المحكمة ! وأما الهيجان والتشنجات والعنتريات وطلب الغوث من المنظمات والدول الإقليمية والعالمية لن يفيد ولن يغير شيئاً وسيتعلق الاتهام به ما دام حياً .
هؤلاء الشيوخ لم يفتح الله عليهم بكلمة واحدة وليس بفتوي عن جرائم قتل الناس في دارفور واغتصاب النساء وإخراج الناس من ديارهم وحرق دورهم وتركهم هائمين علي وجوههم في الفلاة , والكثير من الفواحش التي ارتكبتها وترتكبها حكومتهم في دارفور وفي السودان من أكل السحت وأموال الناس بالباطل , ومن تعذيب للمعتقلين من المعارضين , وإفقار الشعب والبطش به .
أذكركم يا أصحاب فقه نكاح المسيار وقطع البظر وفقهاء السلطان بقوله تعالي : ( ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه واعد له عذاباً عظيماً ) النساء -93
وقوله تعالي : ( إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ) المائدة – 33 .
روي ابن كثير أن أبا زرعة دخل علي الوليد بن عبد الملك فقال له اخبرني أيحاسب الخليفة فانك قد قرأت القران وفهمت , فقال يا أمير المؤمنين ..أقول ؟ قال قل في أمان الله , قال : يا أمير المؤمنين أنت أكرم علي الله أو داؤود عليه الصلاة والسلام ؟ إن الله جمع له بين الخلافة والنبوة ثم توعده في كتابه فقال : ( يا داؤود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله ) الآية , فكانت موعظة بليغة ( صفوة التفاسير – ص 57 )
قال الإمام مالك عندما سأله أستاذه : من السَفَلة ؟ فرد قائلاً ( هم من يأكلون بدينهم ) , فسأله أستاذه ( ومن هم سفلة السفلة ؟) فقال الإمام مالك : ( الذين يبيعون دنيا غيرهم بفساد دينهم . وهم العلماء والمشائخ الذين لا يكترثون بشئ سوي برضا السلطان اعتمادا علي أن بقاءهم في المنصب معتمد علي رضا السلطان عليهم دون رضا الله .)
هل انتم مؤمنون حقاً ؟ فديننا الإسلامي هو دين الرحمة والرأفة وقد خاطب سبحانه وتعالي رسوله (صلعم) بقوله ( وما أرسلناك الا رحمة للعالمين) الأنبياء – 107 , وبقوله ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ) التوبة – 128 , وجعل الحق من أسمائه اسم الرحيم , وهو ما نتلوه في فاتحة الكتاب في الفرائض الخمس في كل يوم . فهل نُزعت الرحمة من قلوبكم وانتم تشاهدون ما يحيق بأخوتكم المسلمين حفظة القران في دارفور من تقتيل وفظائع ؟! أيقظوا ضمائركم من سباتها , ودعوا المكابرة والمغالطة والجدال الفاسد , ولا تضعوا عقولكم تحت نعالكم وارتفعوا بها إلي حيث وضعها الله في رؤوسكم .
و أليس فيكم رجل رشيد ؟!
فالبشير زائل وحكم البشير زائل , وكل امرئ زائل إن عاجلاً أو آجلاً .
هلال زاهر الساداتي
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.