والسعادة الحقة تعني البهجة وانشراح النفس وفرحة القلب وطرح الهم والغم ، فما تري امامك الا فما باسما " ووجها" منفرجا" وسنا ضاحكا" ، وتحمل في نفسك وتهدي الأخرين التمنيات السعيدة والأماني الطيبات بعام مقبل وأيام يفارقها النكد ويبتعد عنها ما صفو الحياة كنبع ماء صاف رقيق .. هكذا كانت طفولتنا وشبابنا وايامنا الماضية ، وليت التمني يعيدها ، ولكن هيهات أن يعود الدهر ورآءه !

كان العيد بالنسبة لنا ونحن اطفال في الثامنة والتاسعة من اعمارنا في المرحلة الأبتدائية والمتوسطة من الدراسة ، ايام فرحة ومرح وحبور ، وكنا نحسب الأيام لقدوم العيد ، وفي كل بيت تجري الأستعدادات لاستقبال الضيف الكريم ، ويشتري لنا اباؤنا الملابس والاحذية الجديدة ، ونسرع الي الخياط وهو معروف لدينا لخياطة ملابسنا وتكون جاهزة قبل يوم العيد ، وتفعل اخواتنا نفس الفعل فيخترن اقمشة الفساتين الزاهية والتي تنسجم مع ( الموضة ) ويجهزن مع الوالدة مستلزمات الكعك والحلوي والتمروالفول للاطفال الذين يغشون المنازل للعيد ، وقبل العيد بيوم يكرس لعمل الخبيز من الكعك والمنين والبسكويت والغريبة والبتي فور ، وتحضر اختنا وزوجها والاولاد من الخرطوم حيث منزلهم للمساعدة في العمل ، فزوجها ينقل صواني الخبيز بعربته ونحن معه الي الفرن المعروف في سوق الموردة مع توصيات الوالدة المشددة بأن لا يحرق الفران الكعك فهناك عملية اخري في المنزل وهي تغطية وجه الكعك بالسكر المسحون الناعم ..

وهناك منظر شبيه بالسيرة وهو البنات يحملن صواني الكعك فوق رؤوسهن المغطاة ( بوقايات ) الي الفرن ، وهذا الطابور للاتي لا يمتلك اهلهن عربات وهم الغالبية العظمي من اهل امدرمان والشعب السوداني ..

ويشرق علينا صباح العيد وهو بالفعل سعيد ، فبعد ان نستحم ونرتدي ملابسنا الجديدة نعيد علي بعضنا البعض ثم نخرج مع الوالد لنصلي العيد في الفضاء امام جامع الادريسي المهيأ بالبروش ويأتي البعض ومعه سجادة الصلاة الخاصة به ، ويأتي البعض من المريدين من احياء امدرمان الأخري البعيدة ، وبعد الصلاة نحي بعضنا البعض ونبارك العيد ونتبادل التحايا والتمنيات وتسمع .. القابلة في مني ، ثم نرجع الي المنزل ويعطينا الوالد العيدية لكل واحد وواحدة منا وهي بضعة نقود ونجد الوالدة قد اعدت لنا افطارا شهيا" من العصيدة بملاح الشرموط والروب والسمك المقلي ،وبعد ذلك نخرج لنعيد علي الجيران والأهل القريبين من المنزل ويبقي احدنا في المنزل مع الوالد لاستقبال المهنئين بالعيد ، وقبل العيد نكون نحن الأصدقاء من اولاد الحلة قد وضعنا برنامج لقضاء العيد وكان يشمل الذهاب الي جنينة النزهة وهي حديقة الحيوانات بالخرطوم والأكل عند مطعم الفوال المشهور في الخرطوم والاكل في مطعم الطيران في قلب الخرطوم ثم الذهاب الي الخرطوم بحري لزيارة عمة احدنا ومن هناك نذهب لزيارة قبة الشيخ حمد و قبة الشيخ خوجلي حيث تحرص الحبوبات والأمهات علي الزيرة والتبرك والدعاء مصطحبات بناتهن الصبايا اللاتي يكن مكشوفات الوجوه وحاسرات الرؤوس ، ونراهن من قرب وهو الشيء المتاح في بيوت الاعراس فقط عندما تقوم الفتاة لترقص ، والي هنا يكون برنامجنا قد انتهي ونتأهب للرجوع الي امدرمان فنركب الترام الصغير والذي يسمي ( السمع ) الي موقع المعدية النهرية في شمبات ونعتليها الي مرساها في ابوروف بامدرمان ومن هناك نركب الترماي الي المحطة الوسطي في امدرمان ونركب الترماي الذاهب للخرطوم وننزل في محطة الموردة حيث منازلنا .. ولا أنسي ان أذكر منظر الأطفال في الشوارع بملابسهم الجميلة والرجال بملابسهم البيضاء الأنيقة ، وهكذا قضينا نهار العيد في سعادة غامرة

وأنا أقرأ عن حال الناس اليوم في العيد وقبل العيد في الجرائد الألكترونية أ كاد لا اصدق أو أعي ماأقرأ فابسط شيء وهو الماء والذي يتوقف عليه الحياة غير متوفر ، والاكل غير متيسر والتنقل من مكان لاخر في حكم المستحيل وحتي علي ظهور الحمير ان وجدت ، وهذا يذكرني بما سمعنا عنه بأنه في بداية عهد الاستعمار كان الناس يتنقلون علي ظهور الحمير وكانت مهنة الحمارة هي السائدة وكان الحماري صاحب الحمار يتعاقد معاك وانت في بحري ويقول لك بما يظنه انجليزي .. ( دونكي مي رايد يو خرتوم بلس بياستر تو ) ومعني هذا ( ستركب حماري الي القصر في الخرطوم بقرشين ) ..

واقول اننا ابتلينا بحكومة من الاخوان المسلمين لاهم من الانس ولامن الجن ودينهم وديدنهم رفاهيتهم وكل واحد منهم يقول ( نفسي نفسي) وليذهب الاخرين الي الهلاك ...

هلال زاهر الساداتي

21 يونيو2018

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////