وقال العميد ان مصداقية سرد الاحداث تقتضيه ان يذكرها بخيرها وشرها وسالبها وموجبها ، ومنها انه كان بالتونج قبل الهجوم باسبوع مسؤول من مكتب التعليم بواو جاء في جولة تفتيش علي المدارس الاولية وهما مدرستان كان بالامكان ان يفرغ منهما في يوم واحد ولكن طاب له المقام فانفق اسبوعا كاملا كان فيه مكان الاحتفاء والولائم والشراب واستمرأ القعاد وكان ينزل ضيفا علي نائب العميد الاعزب وبعد ان امضي اسبوعا ذهب الي رمبيك ليواصل عملية التفتيش ، وهو هناك حدث الهجوم علي التونج فمكث في رمبيك زمانا حتي اطمأأن تماما ان الاحوال قد هدأت فاستقل السيارة راجعا الي واو وجاز التونج دون ان يتوقف فيها لحظة للسؤال عن المدرسين والمدرسات ليواسيهم أو يتفقدهم ! ولا اود ان اعلق علي هذا التصرف لغصة احس بها في حلقي وحبسة اليمة في نفسي ! 

أما الموقف الثاني فكان بطله مفتش تعليم المديرية وهو السؤول الاول عن التعليم والمعلمين وممثل الوزارة فقد جاء الي التونج بعد يومين من الهجوم عليها وزار المعلمات شم قفل راجعا الي واو دون ان يزور المدرسين في مدارسهم او يتفقدهم وعلمنا من مجيئه من المعلمات ، شم جاء بعد يومين واجتمع معي ونائبي في مكتبي وذلك بعد اجتماع جميع مدرسى التونج وتقديمهم للمطالب للحاكم العسكري بصورة لمفتش التعليم ورئيس المجلس التنفيذي والتي ذكرتها في الصفحات السابقة مما يفسر ان مجيئه لم يكن من تلقاء نفسه وانما بتكليف او امر من الحاكم العسكري ليبلغنا ما قر عليه ازاء مطالبنا ، ويواصل العميد حيثه قائلا : بعد ان فرغ المفتش من كلامه قلت له ان المدرسين كلفوني ان انقل له رسالة وهي انهم في غاية الاستياء ( هكذا ) لانه جاء الي التونج وقابل المعلمات ولم يكلف نفسه الالتقاء بنا او تفقد حالناوهو الرجل السئول عنا دعك عن اي اعتبار اخر ، ورد علي بقوله : انا عارف واجبي كويس وما عاوز زول يوريني ليه ، وانا عشان كده جيت مرة تانية عشان اشوفكم وخاطبني قائلا " انا عارفك من عايلة مقاتلة من اجدادك ووالدك مقاتل بطل ، وقال العميد : لا تعليق لدي فالغصة ما تزال في الحلق واحبسة الأليمة في النفس .. أما الموقف الآخر فبطله تاجر شمالي جلابي كما يقولون عنهم هنا وهذا التاجر كان يتعامل معه معظم المعلمين الشماليين ويشترون منه حوائجهم ( للميز ) او الشخصية ، وعندما جاء الخبر بقفل المدارس وسفر المدرسين والمدرسات كان ذلك في منتصف الشهر تقريبا كانوا في حاجة الي نقود لمقابلة متطلبات السفر والانفاق عندما يذهبون للشمال ، فكتبوا توكيلات بمرتباتهم عن الشهر لذلك التاجر ويصرف التوكيلات عند نهاية الشهر ولكنه اعتذر بشدة وحلف لهم ان ليس لديه سيولة نقدية .. وحاروا ماذا يفعلون ، وهم في حيرتهم تلك طلب منهم احدهم ان يذهبوا للتاجر الأغريقي نكولامتعهد الغذاءات للمدارس وبعد تردد منهم ذهبوا اليه واعطاهم كلهم رواتبهم واخذ التوكيلات منهم مع انهم لم يكونوا يشترون منه شئ ! لا تعليق
وهناك امر لا يليق ان افوت عليه مر الكرام وان كان سرا" فان الوثائق السرية للدول يعلن عن سريتها بعد انقضاء ثلاثين سنة والان مضت ست وثلاثون سنة علي تلك الواقعة ، فانه حدث عقب زيارة مفتش التعليم لي بمكتبي في التونج ان بعث الي ببرقية معنونة ( سري ) يطلب فيها ان استجوب كتابة المدرسين الذين تغيبوا عن العمل وذهبوا الي واو بدون اذن ، وكان المدرسون وعائلاتهم قد غادروا التونج يوم \30 |8أ964 1 ولحق بهم الاخرون بعد ذلك و ذكرت ذلك فيما سبق من صفحات ، ويضيف العميد في روايته :؛ واني حين اكشف اللثام عن هذه المكاتبات فلابين الحالة النفسية والأجواء المقبضة المخيفة التي كان يعيشها المدرسون وعائلاتهم وان اعطي صورة لما كان عليه الحال ، فامتثلت للامر رغم عدم اقتناعي به وبعثت استجوابا" سريا" لكل مدرس ليوضح كتابة اسباب تغيبه عن العمل بدون اذن وذهابه الي واو في يوم 30اغسطس 1964 ويجدرهنا ان اذكر انني ما زلت احتفظ بردود المدرسين ولم ارسلها للمفتش لأنه قبل ارسالها جاءنا القرار بقفل المدارس والسفر الي الشمال وانا هنا اورد مقتطفات منها كما خطتها ايديهم .. فقد كتب احدهم ما يلي : كتبنا للمسئولين بواو نناشدهم بكفالة حراستنا ليلا ونهارا بصورة لمكتب التعليم وبالرغم من تلك الحوادث الدامية لمعاودة نشاطنا فوعدونا استجابة رغباتنا وشرعوا في تنفيذ الحراسة وبعد مضي بضعة ايام سحبوا الحراسة وفي تصريح لمسئول انهم لا يعيرون الحواحث الفردية اعتبارا وحدثت حادثة كواجينا البربرية التي استشهد اثنين من زملائي واثبتت الاحداث ان هؤلاء الخوارج ليست بغيتهم السلاح وحده بل سفك دماء الابرياء وليس ذهابي لواو الا لعلمي ان الامن مستتب بها وعند وصولي لواو قدمت نفسي لمفتش التعليم .. ومن الخطل والرعونة ان ابقي بمكان دارت فيه حوادث دامية زهاء السبع ساعات حسوما وانا اعزل دون حراسة قوية وليس يعقل ان اجابه الخوارج وهم مدججين بالاسلحة كالبرين والاستيرلنج وانا احمل عكازا علاوة علي تهاون المسئولين المزري وتمنعهم عن حراسة زملائي عندما علموا بتمرد التونج شاهد علي ذلك واكفلوا لنا حراسةوأمنا وطلبونى بالبقاء بمقر عملي وتلغرافنا الاخير للحاكم العسكري بتاريخ 12سبتمبر بصورة لمكتب التعليم شاهد علي ما اقول .
وكتب مدرس آخر في بعض رده ما يلي : ( منذ بداية الحوادث حتي قتل وحرق زملائي بكواجينا لم تستقر نفسي بل كنت في قلق وخوف لكي لا اموت مقتولا أو محروقا وانااعزل ولذلك ذهبت وزملائي الي واو لاطالب بتسليحي لأدافع عن نفسي ولاطالب بحماية مستديمة من الجيش لحماية البلد قبل وقوع الحادث أي يوم 9 يوليو1964 ، وحتي الان لم تستقر نفسي ذلك الاستقرار الذي كنت فيه عند حضوري للجنوب لاول مرة واقولها صراحة اذا ما زاد عدم استقراري وقلقي وعلمت حينذاك اني لا اصلح لعملي ساطلب بواسطتكم استقالتي واذهب للشمال ، هذا ما لزم وشكرا ) .. وقال مدرس آخر ( تهاونوا في ذلك _ يقصد المسئولين _ حتي حصلت كارشة 19 |\8\ 1964 والتي راح ضحيتها اخوة بررة في سبيل ادآء واجبهم المقدس فقد كانت ليلة رهيبة اقشعرت لها ابدانناوكادت ضربات القلوب تخترق الصدور من تلك الطلقات النارية الشديدة التي دامت سبع ساعات دون ان تجد من يردها وكيف لا يكون ذلك ونحن عزل من أي سلاح ندافع به عن هذا الجزء من الوطن الحبيب وعن اطفالنا وزوجاتنا ، ولولا عناية الله ولطفه لكانت مجزرة بشرية بشعة ، كان سلاحي الايمان والتضرع الي الله ، مرت الليلة المشئومة وفي صباح يوم 20 اغسطس لم يتفقد جندي ولا احد المسؤولين الجزء الذي نسكن فيه وحتي في ليلةالعشرين من اغسطس لم توضع أي حراسة علينا ، وفي اليوم الرابع تجمع المدرسون وعائلاتهم في منازل التدريب ووضعت عليهم حراسة من الجيش لمدة يومين ثم سحبت هذه الفرقة الصغيرة المكونة من سبعة افراد واستبدلت برجلين من البوليس ببندقيتين لحراسة سبعة منازل افرادها اكثر من ثلاثين ، وما زاد ذلك الارعب واضطراب باق في قلوبنا ونفوسنا وصارت حالة زوجتي التي هي أم لخمسة اطفال صغار سيئة للغاية وحدا بي الامر لمغادرة التونج حفاظا " علي اطفالي الصغار وشفقة بزوجتي التي كانت تعاني قبل سنة تقريبا مرضا عقليا حادا واضطرابا نفسيا شديدا استدعي علاجها بمستشفي الامراض العقلية بالخرطوم بحري زهاء الشهرين والسيد مفتش تعليم بحر الغزال يعلم ذلك بموجب خطاب الطبيب المحرر له بتاريخ 26مايوا964 1 ، هذا ما لزم وشكرا )
أما المدرس الرابع فقد ابتدر رده بما يلي ( ان السبب الذي دعاني الي الذهاب الي واو هو الاستهتار الفظيع لا أ احب ان اعتذر عن هذا مطلقا ـ الذي نلقاه من المسئولين استهتارا بارواحنا ) وبعد ذلك وبعد ذلك عدد الاسباب من سحب الحراسةوانقطاع مرور الدورية واختتم بقوله ( سيدي .. هل لي ان آمل من وقف نظركم ولو قليلا حتي اجد لي عذرا ولست بجازع بل علي استعدلد تام ان اتقبل كل شئ فقط ارجوكم تعفوني من صفة التقصير في الواجب فانا لم اترك عملي هكذا كما يتبادر الي الذهن وما تركته الا حين صعب علي العمل واتي قراركم بقفل المدارس ونفذنا ذلك بالفعل لكن ا اعترف باني ذهبت الي واو من غير اذنكم حين تشبثت بالحياة وعز علي ان افارقها _ ماذا بقي بعد هذا ؟ اما الموت فانه ملاقيني بلا شك ولست اخشاه وان كانت خشية الموت ليست جبنا وليست عيبا ايضا ، انما اخشي بعد ان اموت يقال لي مغفل يري الخطر ولا يتقي شره ومثل هذا كمثل شهيدي كواجينا سمعت هذا النعت يضرب علي قفاهماعشية استشهادهما ، وشكرا )
لا ريب ان المقتطفات من ردود المدرسين تعطي امثلة لما كان عليه حالهم من اضطراب وقلق وعدم طمأنينة ولاتكتمل الصورةالا بايراد كتاب العميد المصاحب لاستجوابات المدرسين وقد جاء فيه مايلي: ( لقد جاء ترك هؤلاء المدرسين لاعمالهم وذهابهم الي واو عقب حادث التونج المرعب عندما رأي الناس الموت باعينهم تحت قصف المدافع وازيز طلقات الرصاص طيلة سبع ساعات كاملة ، وكانت الفترة التي تلت ذلك فترة ذعر وتوجس وتوتر عصبي حاد ، وزاد من حدة ذلك كله التصرفات غير مسئولة من جانب المفتش وضابط بوليس التونج فبدلا من ان يبشوا الطمأنينة في القلوب الوجلة المرتاعة عمدوا الي زيادة جزعها وذلك بسحبهما الجنديين الذين كانا يقومان بالحراسة ليلا في المنطقة التي تجمع فيها المدرسون للمبيت وتقدر ان تتخيل مقدار الخوف الذي الذي اصاب المدرسين وعائلاتهم اذا عرفت ان المنطقة التي يسكنونها كانت محروسة بتسعة من جنود الجيش في بادئ الامر وهناك عامل آخر هام زاد في الهياج العصبي وهو قتل ناظر كواجينا ومساعده وحرقهما بعد خمسة ايام من الهجوم علي التونج وجاء هذا الحادث المفجع بعد قرار تجميع مدارس القري ، زد علي ذلك تضارب القرارات في فتح وقفل المدارس مما خلق بلبلة واضطرابا في صفوف المعلمين )
وخلاصة القول هو ان المدرسين قد فقدوا الثقة في المسئولين في التونج بناء علي تصرفاتهم قبل وبعد الحادث وشعروا بأن حياتهم يكتنفها الخطر في التونج وفي سبيل نداء الحياة والخلاص من الخطر اقدموا علي ما اقدمواعليه ، واذا طبقنا عليهم مقاييس القانون لما اعفيناهم من ترك اعمالهم وذهابهم الي واو بدون اذن ، ولكن نحن الذين عشنا ظروفهم العصيبة وقاسمناهم القلق المرعب وتوقع الموت في كل حين قد نجد لهم العذر والعدل يأبي الاان تكون الرحمة فوقه والسلام )
ويستطرد العميد في سرده للاحداث : لقد صارت الحياة كابوسا جاثما علي مساعدالرقاب ، وطلب منا المسئولون ان يتجمع كل المدرسين العزابة في بيتين والمتزوجون في بيوت متقاربة لتسهل حراستهم ليلا ، وتنازل لي ناظر مدرسة فتحت حديثا مؤقتا بالمعهد عن منزله وسكن هو وزوجته مع قريبه مساعد العمييد ، وجاء للمبيت في منزلي ليلا"مدرس جنوبي كان منزله متاخما للغابة، وكان الجميع يهرعون الي المنازل في الساعة السادسة مساء ويقفلون الابواب والشبابيك باحكام ولا يخرجون منها الا في صبيحة اليوم التالي فقد كلنت حالة منع التجول معلنة من السادسة مساء وحتي وحتي السادسة من صبيحة اليوم التالي واعطاني احد المدرسين بندقية خرطوش وعدة رصاصات اتسلح بها ، وتغير نمط الحياة العادي فقد ذكر المتزوجون ان العلاقات الزوجية الحميمة صارت تتم بالنهار ، ومن دعته الحاجة للتبول ليلا فانه يفعل ذلك من خلال ماسورة البالوعة في الحمام ، اما مواعيد الاكل فقد تغيرت ايضا وصار العشاء مبكرا ، وظل الحال علي هذا المنوال وان خفت درجة التوتر بحكم التعود ولكن لم تنكسر حدة الترقب وحرارة التوقع ، وجاء الفرج في الحادي عشر من سبتمبر 1964 عندما تسلمت برقية من مفتش التعليم تخبرني بقرار الوزارة بقفل المدارس وسفر المدرسين والمدرسات الي الشمال في اجازة طويلة الي حين انجلاء الموقف واستتباب الامن ، ووقع هذا القرار من نفوسنا وقع الماء في حلق الظامئ ، وحزمنا ما استطعنا حمله من ملابسنا وتركنا منازلنا بما فيها من متاع واثاث وشرعنا في الذهاب الي واو ليستقل المدرسات من هناك الطائرة الي الخرطوم ويستقل المعلمون وعائلاتهم القطار اليها .. الم يكن من الاجدر ان يسافر زوجات واطفال المعلمين بالطائرة ويسافر المدرسون بالقطار ان لم يسافروا جميعا بالطائرة ؟ وعلي كل حال لم تسع الفرحة الجميع بالابتعاد عن الخطر وانقضاء الكابوس المرعب وانجلاء الليل الطويل بصبح مشرق يحمل في طياته نسمات الخلاص وبشريات النجاة ، وذات صباح جميل اصطفت العربات في قافلة يحرسها قوة مسلحة من الجيش من وراء وقدام بقيادة ضابط ميممة واو تحمل المدرسين وعائلاتهم وهكذا اقفرت التونج من مشاعل النور ورسل التنوير من المعلمين واطبقت عليها قوي الشر والظلام .. ونحن في مسيرتنا كان يساوورنا الهاجس باحتمال تعرضنا للهجوم من المتمردين في اية لحظة فما ندري ماذا تخبئ لنا الاحراش الكثيفة والغابات الممتدة علي جانبي الطريق ، وسارت القافلة بسلام الي ان وصلنا بلدة كواجينا التى شهدت مصرع وحرق ناظر المدرسة الاولية ومساعده ، وترجلنا من العربات وسرنا الي المدرسة ومنازل المدرسين التي تقع بمقربة من الطريق ، ودخلنا الي منزل الناظر وشاهدنا الحجرة التي قتل وحرق فيها مع مساعده ووجدنا اثار الدماء وسواد الحريق ما زالت عالقة بالجدران .وفي غير ارادة منا فاضت اعيننا بالدمع وكما قال المتنبي أـ شرقت بالدمع حتي كاد الدمع يشرق بي ،وشعرت بان جبلا" من الحزن قد حط علي قلبي .. وخرجنا مسرعين ...
اما التونج الجميلة فما قليتها ولن انساها فرغم مرارة ختام البقاء فيها والذكري الموجعة للاحداث الاليمة التي عشناها بآخرة فقد كان لنا فيها ايام عبقت بالصفاء وضمخت بالود وتوشحت بالبهجة وتجللت بالمسرة ... فهل من لقاء جديد في احضان الحب والسلام ؟ أود ذلك فما يزال الأمل حيا" في الخاطر ..

هلال زاهر الساداتي
5 فبراير 2001
مدينة نصرـ القاهرة

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.