ما أكثر الوقت هنا! وما اكثر ساعات البطالة وركود الحياة وتتابع رتابتها ، فلا شيئ جديد ولا شئ مثير ولكنها حياة سهلة وادعة مطمئنة ، وخيل لصاحبنا العميد ان هذا ما جبل عليه الانسان فان اتيحت له اسباب السعادة والهنآء اصابه السأم والملل ، وأن أصابته ضرآء جأر بالشكوي والتبرم واخبرنا عن هذا الله في قوله سبحانه وتعالي ( أن الأنسان خلق هلوعا أذا مسه الشر جزوعا وأذا مسه الخير منوعا ) وهكذا تسير الحياة في اقاليم السودان وفي مدنه الصغيرة فان مظاهر الحياة تنتهي مع غروب الشمس فيقفل السوق وينفض الجمع وتسكن الحركة ويذهب الجميع الي دورهم ويتغشي الظلام البلدة فليست هناك انوار الكهربآء ، ويذهب معظم الناس الي النادي الوحيد المجاور للسوق حيث ينفقون سويعات في لعب الورق وقليل من الرواد يتجاذبون اطراف الدديث او يلعبون الشطرنج واخرون يجلسون علي الكراسي الوثيرة يتجاذبون اطراف الحديث أو يستمعون الي الراديو ، وكان صاحبنا مولع بلعب الشطرنج وكان ضابط البوليس يصر علي ملاعبته رغم خروجه مهزوما" في كل مرة ويحلو له ( الونسة) في شتي الأمور مع المفتش واخرين وهم جالسون علي الكراسي الوثيرة وكانت الجرائد المحلية لا تصلهم الا عدة مرىت في الشهر او عندما يذهب احدهم الي مدينة واو ويحضر معه بعضا منها يتداولونها بينهم باحتفاء وحرص ، ويبقي الراديو هو وسيلة اتصالهم الوحيدة بالعالم ولم تكن راديوهات الترانزستر متاحة في ذلك الوقت بل كان الراديو في النادي ضخما من الخشب المصقول وينتصب فوق منضدة عالية ويجري تشغيله ببطارية سايلة مثل بطارية العربة ، وكانت محطة اذاعة امدرمان ضعيفة الارسال ولا يسمعونها الا بمشقة ويخلط الصوت (شخشخة ) لا يستبين الواحد منها الكلام ، ولذلك ربما يحصل حدث في الخرطوم أو في انحآء السودان ولا يسمعون به الا بعد ايام .. وقد سمع من البعض فيما بعد في مدينة زالنجي وهي في دارفور ان القوم في اواخر شهر اكتوبر من عام 1946 كانوا يعدون للاحتفال بثورة 17 نوفمبر وهو التاريخ الذي حدث فيه انقلاب الفريق ابراهيم عبود العسكري ، واشتعلت الثورة في العاصمة ومعظم مدن السودان لاجتثاث ذلك الحكم الدكتاتوري ، ولم يعلموا بها الا بعد ثلاشة ايام بينما كانوا منهمكين في الاعداد لعيد ثورة 17 نوفمبر او كما سموها الشورة المباركة أو الثورة البيضآء ! وكان هناك البعض الذين يفضلون لزوم منازلهم واخرون يجتمعون علي الشراب .. أما في العصريات فكان بضعة من المدرسين والعميد والنظار يلعبون التنس ، وقد ترك السلف من الانجليز ملعباممتازا" لهذه اللعبة التي كانوا مولعين بها ، وكان المفتش من النظارة ولم يكن يلعب لألم ينتابه في ذراعه عندما يضرب الكرة بالمضرب ، وكان صاحبنا يذهب للعب التنس في عصر كل يوم ولكنه قد يتكاسل عن الذهاب الي النادي فيجلس في المنزل وينفق الوقت في القرآءة . 

من الأشيآء الضرورية اللازمة هنا هي اقتنآء معطف للمطر ومصباح يدوي يعمل بالبطارية والذي نطلق عليه اسم ( بطارية ) لأن ظلام الليل دامس تزيد من دكنته السماء المغطاة بالسحب الدكنآء وظلال الاشجار والحشائش الطويلة ولما في الارض من حيوانات وهوام تجوس ليلا واخطرها الثعابين ، واما المطر فانه ينهمر دون انذار ويتخلله هدير الرعود واحيانا" قصف الصواقع ، وكما ذكر صاحبنا في مكان آخر من هذا الكتاب انه كان يخاف الثعابين لتجربة عاشها في طفولته في مدينة القضارف في شرق السودان فهناك المطر ينهمر كالطوفان وتصحبه فرقعات الصواقع وقصف الرعود في اصوات تنخلع لها القلوب ، وقد وقعت صاعقة ليس بعيدا عنه ، واضيف الي الخوف من الثعابين الخشية من الصواقع وقد رأي في حديقة داره في التونج شجرة ضخمة عالية من شجر العرديب استحالت الي كتلة سودآء وقيل له ان صاعقة ضربتها .
وفي ليلة قمرآء برز بدرها ناصع البياض مسفر الاشراق متهللا" كأنه جزل استخفته الفرحة وقبلت اشعته الحانية الاشجار وأديم الارض فزانتها وزخرفتها بالضيآء المصفي الرائق فتخالها مختالة من الحسن الذي اسبغ عليها وفي هذا الجو الشاعري الذي غشى الكائنات بسحره حملت الرياح الوانية رجع غنآء وصوت ( نقارة ) آت من قبل الغابة مما أغري صاحبنا ان يذهب ليشاهد ويستمتع حسيا وروحيا بعرس السمآء وعرس الارض .
قمر بهيج واناس مبتهجون .. وركب السيارة منطلقا متتبعا اثر الصوت حتي وصل الي فسحة عريضة في الغابة ورأي الراقصون رجالا ونساء يشكلون دائرة ويرقصون وهم نصف عراة ويضربون الارض باقدامهم وقد لبسوا عليها خلاخيل تصدر اصواتا كالأجراس ويرفعون ايديهم عاليا" فوق رؤوسهم راسمة شكل قرون ثيران الراقصين والفتيات كل منهن ترقص امام فتاها مبرزة صدرها الناهد للامام ملقية يديها عالية للورآء ضاربات الارض بارجلهن المغطاة بللخلاخيل ويغنون بحماس فتسمع الرقة والنعومة في اصوات الفتيات وتسمع القوة والجمال في اصوات الرجال والاصوات متناغمة ومنسجمة مع بعضها البعض علي ايقاع ( النقارة ) ، واهتز صاحبنا واستخفه الطرب فخلع قميصه وصار بالردآء ( شورت ) ودخل الحلبة ورقص وقفز في الهوآء مثلهم وحيته الفتيات بزغاريد مجلجلة واستمر الرقص والغنآء مدة طويلة ، وكانت ليلة من امتع الليالي التي عاشها في عمره وعرف ان الرقص والغنآء هنا يكون عادة في الليلي المقمرة ..
أمر اخر في هذه المدينة الصغيرة يسترعي الانتباه وهو انه لا توجد وسسيلة نقل فالاهالي يسيرون علي اقدامهم مهما كانت المسافات بعيدة وهناك بعض الموظفين والحرفيين كالنجارين مثلا يمتطون الدراجات ، واما المصالح الحكومية فلكل منها عربة ولكن يستولي عليها رئيس المصلحة ويحتفظ بها في منزله ويستعملها استعمالا خاصا" وتسمع أي واحد منهم يتحدث عن عربة الحكومة يقول ( عربيتي) وقد عمدت الحكومة للحد من هذه الظاهرة باصدار المنشورات التي تمنع استعمال العربات الحكومية خارج نطاق العمل ولكن دون جدوي ورأينا لاحقا" المسئول الكبيركالوزير والمحافظ مثلا" تخصص له ثلاث عربات بدلا" من واحدة اثنان منهما فاخرة فارهة ثمن الواحدة منهما يفوق ثمن عشرين عربة من العربات القديمة المتينة من طراز ( الكومر ) التي كانت مخصصة لكبار الموظفين أو بالأحري للمصالح الحكومية في الأقاليم ! والحياة تسير هنا هادئة مستقرة علي وتيرة واحدة ولكن في العيدين والاحتفال ( بثورة ) 17 نوفمبر العسكرية يحدث تبديل وتغيير فسلطات المجلس الريفي تزين الشارع الرئيسي بالاعلام والاشرطة الملونة وكذلك الميدان الرئيسي الواسع المجاورللسوق والذي تقام فيه الاحتفالات والمناسبات وتصنع المريسة وتوضع في براميل كبيرة يشرب منها من يشرب ، ويمتلئ الميدان بحلقات الراقصين وهم في ابهي زينة ولا نقول أبهي حلل لان الواحد لا يرتدي سوي سروال قصير لاغير بينما يزين جسمه بخطوط وبقع من الجير الملون بشتي الالوان يغلب عليها الاحمر والابيض والاصفر ويلبس حول عنقه قلائد من من الخرز الملون ( السكسك ) وربما يتدلي البعض منها الي صدره ويلبس حول كل من ذراعيه اسورة من العاج ويصبغ شعر رأسه بصبغة صفرآء ، واما الفتاة فانها تلبس حول عنقها عقودا من السكسك وتلبس غويشات من اسلاك النحاس حول يديها وتهن بدنها بالزيت وتلبس خلاخيل في رجليها وتحلق شعر رأسها كله وتطليه بالزيت ، ويلحظ الواحد ان الرجل يفوق المرأة في التزين ويبدو اجمل منها ، وقد نلحظ في الطبيعة ان ذكور الحيوانات أجمل من نسائها فالاسد اجمل من اللبوة والديك اجمل من الدجاجة والطائر الصغير ( ود ابرق ) اجمل من ( بت ابرق ) انثاه ، والخروف والنعجة جمال في الشكل والتركيب ولكن جرت العادة ان تكون زينة المرأة أبلغ من زينة الرجل ، او هي الاحق بالتزين من الرجل ، ولكن تساوي الأمر الان في الغرب وحتي في الشرق فصارت زينة الرجل كزينة المرأة واخترعوا له كريمات ودهانات ومساحيق واصبح هناك عارضو ازياء من الرجال، واختلطت الامور ، من الأنثي ومن الرجل ؟! وفى المناسبات في التونج تجد كل حلبة رقص خاصة بافراد قبيلة معينة تماما" مثل حلقات الذكرللطرق الصوفية في المولد النبوي في الشمال وقد رأي صاحبنا احدهم يرقص ويغني بمفرده خارج الحلبة وكان مهتاجا" وكان منهمكا" في رقصته المثيرة ويضرب الارض بقدميه في قوة وكأنه سيخرقها ويفجر منها الماء ويشبه في ذلك الدراويش الذين نراهم في الذكر يدور الواحد منهم حول نفسه كالمروحة الكهربائية ويتلفظ بكلمات غير مفهومة ويقال عنه انه ( يترجم ) ، وقد استرعي ذلك الراقص المدهش انتباه جمع من الناس فوقفوا ينظرون اليه معجبين برقصه المتفرد . .
واسترعي الانتباه ايضا ان المجذومين يضربونهم بقسوة حتي يضطرونهم للفرار ويطاردونهم الي داخل الغابة حتي لا يقتربوا من مكان الاحتفال .. واستنكر صاحبنا هذا الأمروتساءل عن السبب فاخبروه بان المجذومين يدخلون ايديهم مبتورة الاطراف من الجذام في اواني المريسة فيعافها الناس ويتركونها لهم فيستاثرون بها وتساءل في نفسه ( ماذا لو هيأت سلطات المجلس براميل من المريسة خاصة بهؤلاء البؤساء بعيدا" عن الآخرين حتي يحسوا بالفرحة في العيد مثل باقي البشر ؟ .. مر بنا آنفا ان الجرائم هنا لا تتعدي الشجار الذي يتسبب في الايذاء لاستعمال المتشاجرين الهراوات الضخمة وهي عصا قصيرة في مقدمتها ما يشبه الكرة من الخشب المصمت وينتهي مقبضها بطرف حاد يمكن ان يستعمل في الطعن وفي المشاجرات الكبيرة بين الاعداد الكبيرة ربما تستعمل الاسلحة البيضآءولكن هذا نادرا ما يحدث ولذلك تجد الاغلبية العظمي من نزلاء السجن من المحكومين في قضليا الشجار ، وهم في داخل السجن وخارجه يعملون في اعمال مفيدة منتجة كالنجارة والزراعة وتباع منتوجات السجن في السوق وتوجد في سجون المدن الكبيرة ورش كاملة لمختلف الحرف كالنجارة والحدادة والخراطة والاحذية ونسيج السجاد ، وفيها يتعلم السجين حرفة تعصمه ون الرجوع الي الاجرام وتفتح له ابواب الكسب الشريف ، وفي الحقيقة نظام السجون في السودان متقدم جدا وحق عليه القول تهذيب واصلاح وليس تعذيب واذلال .. وهناك نوع من المساجين يسمونهم ( المضامين ) والمضمون يسمي هنا ( دور براه) وهو سجين لمدة طويلة نوعا ما ولكنه اثبت في المدة التي قضاها في السجن حسن السير والسلوك ، وهذا النوع من السجنآء يؤجرونهم لكبار الموظفين للخدمة في بيوتهم في النظافة وغيرها .. وربما الغي هذا النظام الان .. والسجين الذي يحظي بهذه المعاملة يكون سعيدا لانه لايكلف باعمال لا تشق عليه طيلة اليوم ولانه يأكل من طعام اهل المنزل ، ولأنه لا يبيت في السجن بل يذهب للسجن في اول المساء ( للتمام ) أي اثبات وجوده ثم يعود للمنزل ليبيت فيه ، وكان مع العميد احدهم ( دور براه ) سجن في مشاجرة وهو رجل فارع الطول كنخلة لطيف بشوش يسمي ( انوي ) وتعني بلغة الدينكا ( المرفعين ) أي الثعلب أو الذئب، وكان العميد يدفع للسجن نظير ذلك عشرين قرشا شهريا" ! وكان ( انوي ) اذا فرغ من عمله يغني ويرقص او يجلس مع الطباخ في المطبخ يساعده في عمله ويناوله الأشياء وكان الطباخ وهو من قبيلة اخري يتقن لغة الدينكا ويتولي الترجمة بين العميد وأنوي ، وفي الليل كان يحرس المنزل حتي يرجع العميد وزوجته من الخارج ، ولاول مرة فتح لهم انوي الباب وقد خلع ملابس السجن المكونة من قميص وسروال وكان عاريا" كما ولدته امه .. وفي الصباح طلب العميد من الطباخ ان يقول له ان يلبس علي الاقل سرواله عبدما يفتح الباب له واذا اراد بعد ذلك ان ( يتحلل ) من السروال فله مطلق الحرية في ذلك عند ذهابه للنوم وكان يحضر من السجن نصيبه من ( الجراية ) كل يوم وهذه قطعة جامدة من عجين الذرة علي شكل مخروطي وكان يفتتها ويضعها فوق برش حتي تجف في الشمس ثم يجمعهاعندما تصير كمية ياخذها ليبيعها للنساء اللاتي يصنعن المريسة .
وكان هناك سجين اخر احضر من قرية اخري للسجن ، وتبعته امرأته وابنته وابتنيا لهما قطية( كوخ ) من القش قريبا من بيت العميد حتي تكونا قريبتان من الأب وكانت البنت تذهب كل يوم لتزور اباها مارة في طريقها عبر حديقة منزل العميد لتقصر المسافة ، وكان ينبئ عن مجيئها صوت خلاخيلها في رجليها ولها ايقاع موسيقي راقص وكانت الفتاة صاحبة الخلاخيل رائعة تقاطيع الجسم صبيحة الوجه حليقة الرأس بالموسي وبشرتها ملساءلامعة كزيتونة سوداء يزين صدرها نهدان كصاروخين مشروعين للانطلاق تذكران المرء ببيت شعر الشاعر : كل شيئ موقع فيك حتي لفتة الجيد واهتزاز النهود ويطوق جيدها عقدان من السكسك ( الخرز ) ، وكان كل ما ترتديه قطعة من القماش حول خصرها الهضيم يغطي منها موطن العفة.. وذات مرة رأي السائق يقتفي اثرها ويناديها فوقفت له وامطرته بكلام شديد انطلق من فيها كطلقات المدفع الرشاش وكادت ان تضربه وهو يتراجع للورآء ، وقدر العميد ان الفتاة في جواره وحق عليه حمايتها فتحدث مع السائق بعد ذلك وطلب منه ان يتركها وشأنها وحتي بالقول .. ومرة علي سبيل الدعابة سألها ان كانت تتزوجه فأومأت برأسها موافقة وقال لها انه سيعطيها مهرا مالا كثيرا" ، فهزت رأسها رافضة بكل تأكيد واشارت الي حظيرة ابقار المعهد علي مبعدة من دار العميد ونطقت بقول ( فقر فقر ) أي بقر بقر لانهم ينطقون حرف البأء فاء، وقال لها انه لا يملك بقرا ولكن سيعطيها نقودا بدلا من البقر ، ولكنها رفضت بكل ابآء وشمم .. والعرف هنا ان يدفع طالب الزواج المهر اعدادا من البقر لوالد الفتاة ، ولذلك البنت هنا جللبة للثروة لأبيها عند زواجها بما يدفع لها من ابقار تضاف الي بقره وتكثره فيزداد وجاهة وثراء فمقياس الشروة والمكانة الاجتماعية الرفيعة هي مقدار ما يمتلكه الفرد من ابقار ويتبين ذلك عندما تري رجلا يلبس حول عضديه اساور عريضة من العاج فهذا دليل علي كثرة ما يمتلك من ابقار وهذا يماثل من تراه في المدينة يستقل سيارة لاند كروزر أو مرسيدس أو يسكن قصرامنيفا .. أما الامر الذي لم يفهمه صاحبنا فهو انه عند طلاق الرجل لزوجته فانه يسترد الابقار التي دفعها كمهر وان حدث ذلك بعد سنوات من العشرة الزوجية .. ولست ادري ان كانت هذه الممارسة قائمة حتي الان .. فقد تقلصت أو كادت تنقرض كعادة خلع الاسنان وتشليخ الجبهة ..
وبعد شهرين خرج والد حسناء التوج من السجن فافتقدها الجميع وانقطع ذلك الصوت الرنان المعجب لوقع اقدامها ذات الخلاخيل منبئة عن ظهورها الجميل وهي غادية رائحة في طريقها لرؤية
ابيها عبر حديقة بيت العميد ...
والي فصل جديد
هلال زاهر الساداتي


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.