قال العميد : تركنا المفتش وقد ابصرنا في منطقة ليست كثيفة الاشجار وتتخلها كثبان اشبه بالتلال وعلي ثلة منها وعلى مسافة ثلثمائة مترا تقريبا ابصرنا بغزال تيتل يفف علي رأس التلة رافعا" رأسه عاليا" في شموخ وكأنه مزهو بنفسه ، واوقف المفتش العربة ونزل منها وجلس علي الأرض مستندا" علي ركبته ورافعا" رجله الأخري وصوبها نحو الحيوان بتمهل وهدوء وثبات ، وحبس الجميع انفاسهم وخيم الهدوء والسكون والترقب ، واطلق المفتش النار وشاهدوا التيتل يقع من حالق الي اسفل التلة صريعا" ، واصابت المفتش فرحة بليغة امتدت منه الي الباقين وهنأوه علي هذه الأصابة البارعة الموفقة ، وبعد ذلك استأنفوا المسير وكلن المفتش في قمة ( الكيف ) .. والتيتل الصريع دعا الي ذاكرة العميد قصة تيتل آخر انقذ بلدا" من حاكم ظالم متجبر ، فقد أمر ذلك الطاغية رعيته بأن يزحزحوا جبلا يقف حائلا بين قصره وبين المنظر ورآء الجبل، وكان وكان الجميع يعملون علي تكسير الجبل من الصباح حتي مغيب الشمس وجلاوزة السلطان يلهبون ظهورهم بالسياط لحثهم علي العمل ، وكان من ينهار من التعب يقتل في الحال ، وبلغ الكرب بالناس مبلغا عظيما " وفكروا في حيلة تنجيهم من هذا العذاب ومن هذا الطاغية ، فذهبوا الي عجوز حكيمة داهية لتخلصهم من ذلك الطاغية ومنوها بذهب ومال طائل ان فعلت ذلك ، وكانت العجوز تتمتع بمرتبة خاصة عند السلطان وعند القبيلة ، فجاءت السلطان واخذت تطري فيه وتمجده ثم قالت ( انت يا سيدي ركبت كل شيئ من الحصان الي الجمل الي الحمار والبغل ولكن هناك حيوان واحد لم تركبه حتي تتم عظمتك وتفوقك علي السلاطين ) ، وسألها عن هذا الحيوان فاجابت بأنه التيتل .. وهنا أمر السلطان بأن يأتوه بتيتل ليركبه ، وبعد مشقة ومدة ليست بالقصيرة جاءوه بالتيتل مقيدا" بالحبال محمولا" ، وأمرت العجوز ان يربطوا السلطان ربطا" محكما" الي ظهر التيتل حتي لا يقع ، وفكوا وثاق التيتل وانطلق كالأعصار جاريا"داخل الغابة ، وبعد حين قصوا أثر التيتل فكانوا يجدون علي الشوك مزعة من لحم السلطان هنا وقطعة هناك وتمزق جسد السلطان اربا اربا بين الأشواك واالادغال ، واستراح الناس من الطاغية .. ووقف المفتش وصحبه عند معسكر للسجن علي مبعدة ستة اميال من البلدة وهناك انزل المساجين حصيلة الصيد من العربيتين بهمة وابتهاج بالغ لما يتوقعونه من نيلهم من هذا اللحم ، ورأي العميد حبالا" منشورة في صفوف كحبال نشر الغسيل وعلم بعد ذلك ان المساجين يقطعون لحم الصيد الي شرائح ويعلقونها علي الحبال لتجف وتصير ( شرموط ) ، ثم يعبأ في صفائح ويدبغون فرآء وجلود الحيوانات ويبيع المفتش كل ذلك الي تجار معينين وهم يرسلونه للبيع في الشمال حيث يعتبرقديد لحم الصيد ( الشرموط) مستطاب في الأكل ويعمل منه الوه ( ملاح الشرموط أو التقلية ) المعروف في الشمال .. وهنا ادرك صاحبنا صاحبنا سر الاسراف في قتل الغزلان ..وهناك أمر آخر عابه علي المفتش وهو تكليفه المساجين بواسطة صديقه ضابط السجن بقطع انواع معينة من الاشجارالقيمة الفاخرة من الغابات وهي محظور قطعها مثل انواع معينة من الصيد ويسمح بذلك بتصريح خاص يحدد الكمية والعدد وذلك حفاظا علي هذه الأنواع من الأنقراض ، وكانوا ينقلون كتل هذه الأشجار بعربات الحكومة الي المنشار الحكومي الذي يتبع مصلحة الغابات وهنك تنشر الي الواح وتسوي ، وبعد حين ينقلونها الي ورشة النجارة بالسحن حيث تصنع منها اثاثات فاخرة يرسلها المفتش للبيع في الشمال ، وفي داخل السجن يوجد نجارون مهرة دخلوا السجن في مشاجرات في مجالس الشراب ولما يعرضون علي القاضي الذي هو المفتش كان يحكم عليهم باقصي عقوبة للسجن بحيث يمكثون في السجن اطول فترة ليصنعوا له الأثاثات التي يتجر فيها ، فانت تري انه لايتكلف شيئا في تجارته في اللحم والجلود والخشب سوي طلقات الرصاص وكل شيئ ماعدا ذلك يحصل عليه مجانا باستغلال وظيفته الحكومية ‍ !! وذات مرة وفي لحظة تجلي قال للعميد : ( الواحد هنا ما لاقي حاجة غير شوية الصيد والخشب ديل ) ، ويا لها من شوية حاجات ! 

والشخصية الثانية المثيرة هي شخصية الخواجة نكولا الأغريقي صاحب المتجر والفرن ومحل الجزارة ومتعهد الغذاءآت للمدارس والمستشفي ، فذلك الرجل كتلة من النشاط والجلد علي العمل ، فمن الصباح الباكر يضع في عربته ( البكس) والتي يسوقها بنفسه الغذاءآت ويحملها الي المدارس والمستشفي ، ويقوم قبل ذلك بالاشراف علي العمال في الفرن ومحل الجزارة ثم بعد ذلك كله يفتح متجره ويقوم بالبيع فيه حتي الساعة الواحدة بعد الظهر فيذهب الي منزله الملاصق لمتجره عبر باب في الدكان ويتناول غذاءه ويرتاح قليلا ثم يرجع ثانية الي الدكان ويتولي البيع فيه حتي الغروب حيث يقفل المتجر ويذهب الي منزله ويغير ملابسه ويذهب الي النادي حيث يلعب الورق ولعبة (الكنكان )التي يحبها وغالبا" ما يكون زميله في اللعب هو المفتش مقابل اثنين أخرين ، وذات مرة كان يجلس بجانب المفتش مهندس الأشغال واشار علي المفتش ليرمي كرت معين ولسوء حظه خابت المشورة وكسب الفريق الاخر ، وثا ر نكولا قائلا للمفتش ( جنابك تسمأ تسمع كلام محمود ) ، محمود يضيأك ( يضيعك ) ومحمود هو مهندس الأشغال ، ونكولا يتميز بصراحة مستفزة و هو ( دغري ) ولايعرف تزويق الكلام أو المداراة ، وحدث ان شح دقيق القمح فاضطر الي خبز الخبز بدقيق البفرة فكانت رغيفة الخبز لينة رخوة واذا تركت لمدة طويلة تسيل منها خيوط لزجة مشل الويكة . وذهب ضابط البوليس غاضبا" الي نكولا وقال له ( ده رغيف تاكلنا ليه يا نكولا عايزنا ناكل الخمج ده ؟ ) فاجابه نكولا بكل ثبات ( أيوه تاكله ده دقيق بتاآء ( بتاع ) حكومة وهو اداني دقيق ده ) .. وعلي كثرة المتعهدين للغذْآءآات الذين تعامل معهم العميد في المدارس الداخلية كان نكولا واخر سوداني أمنأء في تعاملهم لا ينقصون الميزان ويوردون احسن الاصناف من الخضر واللحم والمواد الغذائية الاخري ..
أما الشخصية االأخري فكانت سر تجار البلدة الشماليين وهو رجل حسن الهيئة حباه الله مالا" كثيرا" وعلما" قليلا" وكان يظن نفسه عالما"بكل شئ وهو ( اجهل من سمكة ) كما يقول المثل ، ولماذا ألصق الجهل بالسمكة ، هل لأن السمك لا يعيش علي اليابسة حيث التعليم والتعليم والتعلم ؟ وكان من جهله انه يجادل ويغالط باستاذية ان القران نزل مكتوبا" علي اوراق الشجر والحجارة والعظام ! والغي روح القدس جبريل رسول الوحي !! وكان العميد يتجنبه ويفر من مجلسه فرار الجبان من القتال خاصة في ليالي السمر الاسبوعية التي يجلس فيها كل اربعة الي مائدة واحدة .. اما السلطان فكان فوق الستين من العمر اشيب الشعر تبدو عليه مخايل الحكمة والرزانة التي انجضتها خبرات السنين وكان يرتدي بدلة من الكاكي ( وبرنيطة )، فوق رأسه ، وكان الرجل ( ليبراليا ) في افكاره ومن هذا انه لا يكره ابناءه علي اعتناق دين معين وكان هو نفسه لا يدين بدين سماوي وكان له من الولد أربعة كل واحد منهم علي دين مغاير ، ففيهم المسلم والمسيحي علي مذهب الكاثوليك والمسيحي علي مذهب البروتستانت ، والا ديني .. كان هذا السلطان موكول له تحصيل الغرامات المالية التي تحكم بها محكمة السلاطين وان يوردها الي خزينة الحكومة ، ولكنه خان الامانة وبدلا من ان يورد مبالغ الغرامات الي خزينة الحكومة وردها الي جيبه ، وانكشف امره ومثل امام المفتش والذي هو رئيس القضاة والذي يقوم بتعيينهم واقالتهم ، وعندما استجوبه المفتش قال دفاعا" عن نفسه : ( جنابك مال بتاع غرامات ده زي صحن مزة فوقه فول مدمس قدامك ..انت تشرب وتقزقز منه ) وكان جزآء ( قزقزته ) ان اعفاه من سلطاته كلها واكتفي المفتش بذلك ولم يرسله للسجن ، وربما لأن المفتش نفسه كان ( يقزقز ) من اشيآء أخري علي نطاق واسع ! وكما جاء سلفا فان المفتش لديه سلطات قاض من الدرجة الاولي وهذه تخوله حتي الحكم بالاعدام واخبر العميد بانه عرضت عليه قضية قتل امرأة لضرتها وسينظرها بعد يومين ودعاه لحضور المحاكمة وحرص صاحبنا علي الحضور باكرا" الي المركز حيث يوجد مكتب المفتش ، والمكتب واسع الأرجآء تقع في نهايته مسطبة مرتفعة عن الأرض وضع فوقها منضدة كبيرة للمكتب فى مقدمتها قوالب من الخشب لوضع الملفلت وبجانبها منضدة صغيرة مرتفعة عليها اشنان من التلفونات ويجلس المفتش علي كرسي كبير ، وتحت المسطبة مباشرة يصطف علي الجانبين كراسى للجلوس ومناضد صغيرة امامها وهناك عدة دواليب خشبية ومعدنية لحفظ الأوراق والملفات وارضية المكتب مفروشة بسجادة كبيرة ، ولكن ما استرعي انتباهه حقيقة وهو في طريقه الي دخول المكتب سجين جالس علي مقعد بمقربة من شباك المكتب المقابل لمكان جلوس المفتش ويشد السجين حبلا موصولا" ببكرة الي قطعة كبيرة من القماش مما نطلق عليه ( هبابه ) وهذه الهبابة تتحرك جيئة وذهابا محركة الهوآء فوق رأس المفتش ، أي انها تقوم بعمل المروحة الكهربائية وهذا السجين هو الطاقة المحركة أو الكهربآء ولا يتوقف الرجل عن هذا التحريك المتصل طيلة النهار وطيلة مكوث المفتش بالمكتب وهذه ( الهبابة ) المهولة من ابتداع الانجليز واحسب ان هذا السجين فخور بهذه المهمة وهذا العمل فهو محرك هبابة المفتش وهذا شرف لا يدانيه شرف لأن المساجين الأخرين يعملون اعمالا" شاقة تحت هجير الشمس وغلظة السجانين ! ويقف علي باب مكتب المفتش حاجب وعسكري للحراسة ، ولما دخل العميد رحب به المفتش ودعاه للجلوس وطلب له قدحا من القهوة ( نسكافيه ) ، وكان يجلس علي جانبيه اثنان من السلاطين كعضوي محكمة ، وضغط علي جرس امامه وخف الحاجب ملبيا" ، فامره بأن يأتي بالمرأة القاتلة ، وجئ بها ممسكا"بها من ذراعها جندي وتحمل في صفحتها طفلة صغيرة واوقفها امام المسطبة وكان يقف الي جانب المكتب مترجم لينقل حديثها من لغة الدينكا الي العربية وكان منظر المرأة لا يشي بانها قاتلة فقد كان يبدو عليها الوداعة والطيبة والمسكنة ، وسألها المفتش عن اسمها وسنها وطلب منها ان تقسم علي ان تقول الحق ، وهنا امسك الحاجب بحربة وقربها من من فم المرأة فلحست بلسانها حديدة الحربة ورددت بعض العبارات وسألها المفتش ان كانت مذنبة أم لا فاجابت بالأيجاب ، وطلب منها المفتش ان تحكي الذي حدث ، وفي نبرات هادئة راحت تحكي قائلة ان زوجها تزوج عليها فتاة صغيرة وهجرها واستاثرت به الزوجة الاخري الصغيرة كلية وشق عليها ذلك فوضعت خطة للخلاص منها فاظهرت لها المودة والحب حتي اطمأنت لها وكذلك زوجها وفي اليوم الذي انتوت فيه تنفيذ خطتها دعت ضرتها للغداء معها وتمضية اليوم سويا والمبيت معها وانتهزت غياب الزوج في ذلك اليوم في قرية اخرى لبعض شأنه ، واستطردت تقول وفي الليل عندما اخلدا للنوم وتأكدت من استغراق ضرتها في النوم جاءت بعصا غليظة واهوت بها علي راسها حتي هشمته ، وبعد الأستماع الي هذا الاعتراف الصريح تداول المفتش مع عضوي المحكمة ولم ياخذ الامر منهم طويلا واصدر القاضي المفتش حكمه باعدامها شنقا ، وهنا تناول العسكري الطفلة منها وامسك بها من يدها واخرجها من المكتب وخرجت معه في هدوء واستسلام مثلما دخلت في هدوء ولم تجزع ولم تضطرب ولكن برقت عيناها لحظة ثم خفضتهما ...
والي فصل آخر

هلال زاهر الساداتي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.