كان العميد في مكتبه والعمل في ذروته ورن جرس التلفون ورفع السماعة واذا بالمتحدث مفتش الحكومات المحلية وبعد التحيات المتبادلة اخبر العميد بانه فكر في ان يجعل ليالي البلدة بهيجة الي حد ما وان يربط الموظفين بعلاقات اجتماعية حميمة خارج نطاق العمل ولذلك يقترح ان نسهر كل يوم خميس في منزل احدنا وعلي صاحب الدار ان يذبح ذبيحة وان يحضر كل مدعو ما يحلو له من الشراب وانه يري ان يكون الحضور أو السامر مقصورا" علي رؤسآء المصالح الحكومية في البلدة من الدرجات العليا يعني الدرجة ( دي أـس ) وتشمل هذه الدرجة عميد مركز تدريب المعلمين والمعلمات وناظر مدرسة البنين الوسطي وناظر المدرسة الصناعية الوسطي ومن غير الموظفين سر تجار البلد الشمالي والتجار الأغريق الأثنين ، وهذا التصنيف يستثني ضابط الشرطة ووكيل البريد وضابط الزراعة وملاحظ الغابات وضابط السجن لأن درجاتهم الوظيفية أدني ، ولكن اضيف للسامرين ضابط السجن الجنوبي لانه كان صديق الجميع وكان للمفتش معه مآرب اخري سوف نعرفها في قابل الأيام ، واستثني من الدعوة ضابط المجلس الريفى ونائبه الجنوبيان لأنهما انطوائيين ولا يختلطان بالشماليين واحدهما وهو نائب الضابط يكن كراهية مريرة للشماليين وصار فيما بعد من قادة التمرد وما زال الي الان ، كما استثني حكيمباشي المستشفي وهو شاب ممتاز ولكن ( لا يستلطفونه ) لأنه كان جادا"وينتمي الي احدي الجماعات الأسلامية ولأنه لا يقبل ان يأتي ليري زوجة المفتش في منزله عندما تمرض او اولادها بل يحتم علي الجميع ان يأتوه في المستشفي ، ولما كلم العميد المفتش بأن هذا التمييز فيه تفرقة وربما توغر الصدور وتدل علي التعالي أجابه بأنه يقصد بأن يكون العدد محدودا" وان يتحقق الانسجام والتفاهم ، فالغرض هو تمضية وقت مبهج لا يشوبه نكد او توتر ، وكانت درجة المفتش الوظيفية وكل المفتشين حينئذ في الدرجة ( بي ) وكان مفتش تعليم المديرية في واو في نفس الدرجة ،وهكذا استمت تلك الليالي الملاح بالتناوب بين الثمانية المختارين وكان الواحد يأتيه دوره للاعداد لليلة بعد سبع ليال اوشهرين تقريبا"..
وكان هناك نادي البلدة الذي يؤمه الجميع من جنوبيين وشماليين ،موظفين وتجار ، وبه طاولات للعب الورق وال الشطرنج وكراسى جلوس وثيرة والاستماع للراديو الضخم الفخم والذي يدار بالبطارية السائلة ، أو يجلس البعض ( للونسة ) وكان الجميع من المفتش الي اصغر موظف يذهبون الي النادي كل يوم فهو المكان الوحيد للاجتماع بالناس وللترفيه بعد عنآء العمل وان كان البعض يفضلون تمضية الوقت مع بعضهم في المنزل مجتمعين حول زجاجات الشراب أو يأتون النادي لمدة ساعة من الزمن ثم يخرجون الي مجالسهم الخاصة ، وكان النادي يقفل ابوابه أو بالأحري ينفض الناس قبل الساعة العاشرة ليلا" ، ويكاد النادي يكون مقصورا" علي الشماليين فمن النادر ان يغشاه الجنوبيون من الموظفين علي قلتهم ، وقد لحظ صاحبنا ان معظم الموظفين في جميع المدن التي عمل بها في جهات السودان الاربع لا يجمعهم الليل والا في معيتهم الشراب أو لا يجتمعون الا علي الشراب الا من رحم ربي وهم قليل! والاغرب من هذا انهم يؤدون عملهم في اليوم لتالي علي احسن وجه وربما يرجع ذلك الي انهم لايفرطون في الشراب الي السكرالمبين الذى يرون فيه السماء ارضا´والارض سمآ ء أو الي درجة انعدام الوزن ويوفرون هذا لنهاية الأسبوع ! واعجب من هذا كله ان الكثيرين منهم يؤدون فروضهم الدينية علي أكمل وجه وفلسفتهم في ذلك قولهم (ده براه وده براه ) ..
وكان المفتش رجلا" فوق الخمسين من العمر طويل القامة في امتلاء ، حلو المعشر فيه ذكاء ودهاء ويميزه تواضع ملحوظ ، واتصل الود بينه وبين العميد واصبح ما بينهما من صحبة تقترب من الصداقة ، وربما اصطفاه المفتش لأنه لم يشب الاحترام المتبادل بينهما ملق أو نفاق ولأنه كان يجابهه برأيه دون مداراة أو خشية كما اعتاد البعض عند تعاملهم مع الحكام والرؤسآء ، فقد رأي امورا" يأتيها المفتش لم ترق له ، وأول ما خبر من ذلك عندما ذهبا سويا" لتفقد مدرستين افتتحا حديثا" في اقصي حدود المركز وكان في صحبتهما ضابط السجن والذي اراد بدوره معسكرا" للمسجونين علي مبعدة من البلدة حيث يعملون في مزرعة نابعة للسجن واستغرقت الرحلة بالعربة من طراز ( الكومر ) ساعة ونصف الساعة خلال طريق ضيق تحف جانبيه الحشائش الطويلة ومن ورائها الغابات الكثيفة وكان الجو صحوا والهوآء منعشا" والمناظر خلابة تخلب اللب وتفرض علي المرء ان يسبح بحمد الخالق وجلاله ، ويمضي العميد في روايته قائلا" : وبعد ان فرغنا من المهمة قال المفتش آن الأوان الان لنتفرغ للصيد وكان يحمل معه بندقية صيد ، ، وكنت اركب الي جانبه ويركب في الخلف جنديان من الشرطة بسلاحهماويسير خلفنا في عربة أخري ضابط السجن ويرافقه عسكري ايضا" ، وكنت قبلا" قد ر أيت صورا" فوتغرافية معلقة علي جدران صالون منزل المفتش تظهره احداها وهو يضع رجله وبندقيته علي جسم فيل اصطاده ، وصورة اخري يظهر فيها وهو يضع رجله فوق جثة أسد جندله برصاصة من بندقيته .. اذن الرجل محترف صيد أو هاو محترف وفوق ذلك هو صائد ماهراو كما يقال ( نيشنجي ) لا يخطئ الأصابة ، وأمر المفتش السائق بأن ينحرف عن الطريق ويسير داخل الغابة وما هي الا دقائق سرناها حتي ابصرنا قطيعا" من غزلان تسمي الواحدة منها حمراية وكان القطيع يضم نحو خمسين منها وهذا النوع من الغزلان كبير الجشة واقرب الي عجل البقر في حجمه ولون فروته بني يميل اكثر الي الحمرة ومن هناجآءت التسمية ( حمراية ) في ظني واقتربت العربة من القطيع ولكنه لم يجفل ولم يجربل اسرع القطيع خطآه عدة امتار ثم توقف وتوقفت العربة وترجل المفتش واخذ يصوب بندقيته ويطلق النار نحو احداها ويجندلها ثم الي الأخري وهكذا دواليك حتي بلغ العدد عشر حمرايات وكانت هذه الحيوانات المسكينة كلماوقع منها واحدة جرت بضع خطوات ثم تتوقف والمفتش ماض في القتل ولا تخيب اصابته أبدا" ، ورأيته وقد اصابته ما يشبه ما سميته نشوة القتل أو حمي القتل ، ووجدت نفسي لااراديا" امسك بيده واصرخ فيه ( كفاية هذا يكفي ) لانه كان يمكن ان يبيد القطيع كله وقلت له انه اصابني صداع ودوار ولا استطيع ان اتحمل اكثر من ذلك ، وتوقف وقال لي ( انت قلبك رهيف ) وحقيقة كانت تلك اول مرة اذهب فيها واشاهد فيها صيد الحيوانات ولدي اعجاب خاص بالغزلان فهي مخلوقات جميلة رشيقة لها عيون ساحرة لطالما شبه بها الشعرآء عيون الحسناوات من البشر ، ولكني مغرم بصيد السمك واحب لحمه حيث لا دمآء تراق ولا اجسام تهوي علي الارض ! وقال المفتش ان ( كيفه ) لن يتم الا اذا اصطاد ( تيتل ) ،/ هل لاحظت كلمة ( الكيف ) هنا _ والكيف غاية الأنبساط عندما يتحول القتل الي كيف ! والتيتل نوع من الغزلان مرتفع القامة قوي الجسم متناسق الأعضاء تميل فروته الي اللون الرمادي المشوب بسواد براق ويزين رأسه قرنان مستقيمان وعيناه براقتان متحديتان وعندما لاتراه تجد فيه عظمة وشموخ ويمكن ان تطلق عليه كلمة ( ماجستك ) الانجليزية ، وهو صعب الاصطياد ولا يقدر علي صيده الا الصائد البارع في الاصابة ولأن اعداده قليلة بالنسبة لبقية الصيد فان الصائد الذي يناله يتباهي بذلك .. وجمع العساكر الحصيلة الوفيرة من الصيد وحملوها في صندوق العربة الخلفي حتي امتلأ وتكومت اجساد الحيوانات عالية فوق بعضها البعض .. وقال العميد في نفسه ( افهم ان يقتل الأنسان الحيوان ليطعم منه لحمه ولكن ماذا سيفعل المفتش بهذه الكمية الجسيمة فاين سيذهب اللحم المتبقي وهو كثير ؟ وان اهدي منها .. كان الهنودالحمر في امريكا يعتمدون في طعامهم ومعايشهم علي حيوان جاموس البايزن، ولكن البيض شنوا حرب ابادة علي جاموس البايزن ليستاشروا بفرائه ويتركوا مئلت الجسس للتعفن والبلي ممن هنا ثار الهنود الحمر ضدهم مدافعين عن مصدر قوتهم وحياتهم وارضهم بينما تصورهم لنا سينما هوليود الامريكية كمجموعات من الهمج الذين لات هم لهم سوي اصطياد الرجل الابيض وقتله بوحشية مقززة بينما الحقيقة هي ان البيض الوافدين من وراء البحار راحوا يبيدون الحيوان والانسان الهندي الاحمر معا" ميجتثون من سطح الارض اصحابها !
شم استأنفوا السير والمفتش ينظر بعينين مثل عيني الصقر عله يبصر بتيتل ، ولكنه ابصر عن بعد بحيوان من الصيد يدعي ( أبو عرف ) وهو يتميز بجثة ضخمة وينحدر جسمه من الرأس الي الذيل ويتدلي في اسفل حنكه عرف من الشعر ولذلك سمي أبو عرف ، وصوب المفتش واصابه في رجله وكسرها وبرغم ذلك اخذ الحيوان يجري علي ثلاثة قوائم وهم يطاردونه بالعربة حتي خارت قوي الحيوان من الجري ومن النزيف فبرك علي الارض وادركوه وهو ينزف ، ورأي صاحبنا منظرا" لن يبرح مخيلته أبدا" ، فقد كان الحيوان ينزف دما من منخريه والدموع تجري من عينيه علي وجهه ، أهي دموع الحرقة ودموع الغيظ ، دموع الالم أم دموع الانكسار والعجز وقلة الحيلة ؟ ولم يكن يخطر بباله ان الحيوان يبكي كالبشر رغم ما سمعه عن دموع التماسيح ولكن تلك دموع من نوع آخر ، وكان يظن التعبير من المحسنات البديعية في اللغة ، وناول المفتش البندقية الي ضابط السجن وطلب منه ان ينهي حياة الحيوان ، واطلق الاخير النار عليه ولم يصبه فى مقتل ، وهنا خطف المفتش واطلق منها طلقة اسفلعنق الحيوان اخترقت رأسه وكانت القاضية سكنت بعدها حركته ، واستانفوا المسير والمفتش يتشوق للتيتل واتوا علي منطقة مفتوحة ليست كثيفة الاشجار وتتخللها كثبان اشبه بالتلال وعل ثلة منها وعلي مسافة ثلثمئة مترا تقريبا ابصروا بتيتل يقف علي رأس التلة رافعا رأسه عاليا" في شموخ وكانه مزهو بنفسه ، ..
ونواصل


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.