الناس هنا يعيشون عيشة البدآئة ويحيون علي الفطرة ومجموعة القبآئل التي تعيش هنا أكبرها قبيلة الدينكا وهي اكبر القبائل عددا ليس في الجنوب فحسب وانما في السودان قاطبة وهم يتمركزون في مديرية ( ولاية ) بحر الغزال ويوجدون بأعداد أقل في ولايتي اعالي النيل والأستوائية ونذكر منهم دينكا عالياب وأتويت وأقار وبور علي سبيل المثال ، وهم قوم طوال القامة رشيقوا القوام يندر أو يكاد واحدا" منهم بدينا" أو له كرش ، ولون بشرتهم اسود يكاد يبرق سواده ويتميزون ( بشلوخ ) خمسة متوازية بطول الجبهة وبقلع الأسنان السفلي من فك الفم ، وهم رعويون يرعون الأبقار ويحبونها الي درجة تقترب من التقديس ، وهم يلتقون في ذلك مع الهندوس في الهند ، ولكن هنا تقاس مكانة المرء في المجتمع بما يملكه من ابقار وهي ثروة شمينة يتباهي بها الفرد وهي الوسيلة لدفع المهر عند الزواج بدلا" من النقود ، وحدثت العميد اخته ان زميلة لها من الدينكا تخرجت في الجامعة وتزوجها دينكاوي مثلها وهو دبلوماسي وكانا في بلاد الغربة في اوربا ، وسألتها ان كان قد دفع لها مهرا" نقودا" ، فنفت الزوجة ذلك وقالت انه ارسل لأهله ان يدفعوا مهرها ابقارا" لأهلها وهم الان يحتفظون لها بهذه الابقار .. وفيما بعد سأل العميد بعض الطلبة المتدربين عن المهر بالابقار فقيل له أنه يتفاوت من عشرين بقرة الي مائتين .. وسأل ثانية الا يمكن للشاب ان يتزوج بأقل من عشرين بقرة ، وأجابه احدهم ( ممكن ولكن يعرس مرة شينة ) ، امرأة قبيحة ، وهنا قفز الي ذهن العميد بيت شعر يقول : ومن يخطب الحسنآء لم يغلها المهر .. 

والدينكا قبيلة يتميزون بالشجاعة والعزة ويتميزون بروح مرحة ومزاج طروب وميل للغناء والرقص ويخيل للواحد ان كل فرد في هذه القبيلة شاعر وراقص ومغن عليها وهو سائر في فنجد الواحد منهم يرتجل قصيدته ارتجالا" ويلحنها ثم يرقص عليها وهو سائر في طريقه ويتوقف قليلا" ليرقص رافعا" يديه مادا" صدره الي الأمام وضاربا" الأرض بقدميه في قوة الواحدة تلو الأخري وكأنه سيخرقها ، وشكل اليدين المرفوعة الي أعلي يحاكي شكل قرون ثوره ، وموضوع كل الأغاني هنا تقريبا" عن الثيران ووصفها والغزل فيها واطرائها ، والعجيب ان الفتاة اذا ارادت اتن تطري فانها تبدي اعجابها بثوره وتنشئ اغنية في جمال وقوة الثور كما اخبرت .. وحصل ان ذهب العميد الي رمبيك في مهمة ولما عاد وجد ان السجين المضمون ويدعونه ( دور برآه ) وهؤلاء السجناء من هذا النوع غالبا" ما تكون جريمتهم هي الشجار ويبعثون بهم للعمل في بيوت كبار الموظفين نظير أجر زهيد شهريا" ، استقبله ( دور برآه ) بالغناء والرقص وطلب العميد من الطاهي ان يترجم له الأغنية من لغة الدينكا الي العربية وكان السجين يصف في اغنيته رحلة العميد الي رمبيك منذ ان وضع قدمه علي العربة عند الدار والي عودته سالما"
وشيئ آخر يتوقف عنده المرء كثيرا" وهو ان هؤلاء القوم يمتاذون باستقامة خلقية نادرة فالأمانة والصدق عندهم سجية ، والسرقة هنا منعدمة لأن لا أحد يسرق ، وليس هناك شذوذ جنسي والناس هنا سواسية لا فضل لاحد علي الآخر ، وأمر آخر توقف عنده كثيرا" وصدمه وهو مرأي الناس عرايا كما ولدتهم امهاتهم عدا النساء المتزوجات اللاتي يغطين موضع العفة منهن ( بفروة ) من جلد الضأن يلبسنها حول خصورهن ، وهذا المنظر القبيح هو ميراث الحكم الأستعماري الأنجليزي بعد حكمه خمسين سنة للبلاد ! وتحضر العميد هنا مقابلة مع مفتش المركز الأنجليزي لمركز رشاد في جبال النوبة بمكتبه ، وكانوا في رحلة دراسية قبل تخرجهم من كلية المعلمين الوسطي ببخت الرضا ، فقد سأل المفتش لماذا لا يحاربون العري في بعض مناطق جبال النوبة ؟ وحدجه المفتش بنظرة فيها الاستهجان والغضب من السؤال واجابه بأن اهل البلد يفضلون العري .. وحادثة واقعية اخري حدثت في الجنوب ابان الحكم الاستعماري فقد رأي المفتش لانجليزي رجلا جنوبيا"يرتدي جللابيةواستدعاه وامره ان يشتري علبة ثقاب ثم امره بخلع الجلابية ويشعل فيها النار وقال له ( هل هذا اللباس لباس ابوك أو جدك أو أهلك ؟ انه لباس الجلابة (الشماليين ) اياك ان تفعل هذا مرة أخري ) وهذا الذي حدث يتمشي مع السياسة الأستعمارية لفصل الجنوب عن الشمال ومنع أي تأثير حضاري علي الجنوب وابقائهم علي بدائيتهم وتخلفهم حتي تسهل السيطرة عليهم وكان من ذلك ان اصدر الانجليز قانون المناطق المقفولة وهذا القانون يمنع السفر أو الذهاب الي الجنوب وبعض اماكن دارفور الا بتصريح خاص ولمدة معينة وكان يتولي التجارة في الجنوب التجار الأغريق ، وكانت البعثات التبشيرية المسيحية تتولي امر التعليم ويقوم بالتدريس القسس الأجانب اغو السودانيين القبط في جبال النوبة بالذات ..
ومما لفت نظر صاحبنا هو ان الرجل يتزين بالخرز والسكسك عقودا" في عنقه وبالأساور في ويصبغه بالوان معصميه ورجليه ويطلي جسمه أو بعضه بالوان مختلفة كما انه يطيل شعره ويصبغه بلون اصفر او احمر ويتفنن في تصفيفه بينما المرأة تحلق شعر رأسها كله ( قرعة ) ولا تتزين مثل الرجل .. وتذكر صاحبنا ما قرأه ذات مرة عن كاتب ولعله الجاحظ يصف فيه الذكر بأنه اكثر اتساقا" في البدن من الأنثي وضرب مثلا لذلك بالحيوانات فانك تجد الديك اجمل من الدجاجة والأسد اجمل من اللبوة ونجد طائر ( ود ابرق ) اكبر حجما " واجمل من ( بت ابرق ) وكذلك ذكر البلبل اجمل من انثاه ، ولكنه يتحفظ عندما يأتي الأمر الي الانسان فان انثاه تتميز بالحسن عن الذكر ويتفوق عليها في قوة الجسد ..
والقبيلة الثانية التي تسكن التونج هي قبيلة الجور وهذه القبيلة حباها الله بذوق فني ومهارة يدوية في تشكيل التماثيل من الخشب وفي اعمال النجارة بشكل عام ، وهم ينحتون من الخشب تماثيل صغيرة للحيوانات المختلفة من خشب الأبنوس خاصة تكاد تنطق بالحياة ويقتني الشماليون والأجانب هذه الأناتيك ويزينون بها حجرات الأستقبال .. ومن عجب ان رجال هذه القبيلة ( يمشطون )شعورهم ) اي يرسلونها جدائل كما تفعل النساء في بعض انحاء السودان ، واما النساء فيحلقن رؤوسهن بالموسي ويمسحونها بالزيت ومثلهن في ذلك مثل نساء الدينكا ، ولكن النساء والرجال من الجوريسترون عوراتهم بقطع من القماش مع ابقاء بقية الجسم عاريا" ، وصدف ان كان هناك بائع سمك يمر كل يوم من امام منزل نائب العميد حاملا عصا يتدلي منها كمية من السمك الطازج في طريقه الي السوق ، وكانت زوجة نائب العميد التي وفدت حديثا من الشمالية في السودان تستدعيه لتشتري منه السمك وتتبسط معه شأن النساء فقد خدعها شعره الممشط وحسبته امرأة ، وعلمت بعدئذ انه رجل وان الرجال يتمشطون .. وكان يعمل مع العميد طاه حضري من الجور وتوفي والده واقام له ( كرامة ) في الاسبوع من وفاته ونحن في الشال نذبح خروفا" عندما يتم اسبوع علي الوفاة وتسمي ( كرامة ) ، ودعا الطاهي العميد لحضور السبوع ، ولبي الدعوة ووجد الحضور من اقارب ومعارف المتوفي وانهم أعدوا المريسة بكميات كبيرة وذبحوا ثورا" والجميع في انشراح وحبور وهم يعبون من الشراب عبا ، ثم بدأ الرقص صاخبا" حارا" وكان الطاهي ابن المتوفي اكثرهم نشاطا" في الرقص ، وجاء عجب صاحبنا من ان المأتم انقلب الي عرس وان الحزن حل محله الفرح وكان يتوقع ان يري وجوها" كابية وعيونا" دامعة وقلوبا" مفطورة حزنا" والناس يعزون في الميت بوقار وحزن اصيل أو مصطنع ، أما ما شاهده فلا يدري له تفسيرا" ولا يفهم له معني .. وفي اليوم التالي سأل الطاهي مبديا" تعجبه من ابتهاجهم واحتفالهم بوفاة والدهم ، فاجابه بان هذا شيئ طبيعى لديهم وانهم يقصدون من ذلك تسلية المصاب عن مصيبته وابعاد الحزن والأسي عن نفسه والتنفيس عن كل ذلك بالرقص والغناء فهم لا يريدون ان يزيدوا همه وبلوته بالبكاء والعويل ، ووجد صاحبنا كثيرا" من الوجاهة في هذا المنطق ، وتذكر حديثا" للنبي ( صلعم ) في هذا الصدد ما معناه انه لا يحق وشبيه لمؤمن الحداد فوق ثلاث ليال .. وشبيه من هذا تصرف يعود الي اختلاف العادات والتقاليد المنبثقة من اختلاف الثقافات انهذات ليلة وعند منتصف الليل والسكون مخيم علي البلدة سمع العميد اصوات غناء وضحكات صاخبة نسائية آتية من الجهة التي يقع فيها سكن المدرسات المتددربات وكن حينئذ عشر فتيات لهن سكنهن الخاص وقريبا" من بيت نائب العميد وبيوت المدرسات الشماليات اللاتي يعملن بالمدرسة الاولية .. وكانت الليلة آخر الأسبوع أي في يوم الخميس ، فمنذ ان جآءت الحكومة العسكرية بقيادة الفريق ابراهيم عبود غيرت العطلة الاسبوعية من يوم الأحد الي يوم الجمعة مع السماح للموظفين والطلبة المسيحيين بالخروج من اماكن العمل بعد الساعة العاشرة صباحا" من يوم الأحد ليذهبوا للصلاة في الكنيسة .. استمر الصخب والغناء والضحكات الي ما يقرب الفجر ، وعند استئناف الدراسة في يوم السبت استدعي العميد كل المتدربات الي مكتبه واخذ في توبيخهن وتقريعهن علي مسلكهن الشائن فانه لا يجوز للنساء ان ترتفع اصواتهن بالغناء والضحكات الصاخبة دون مناسبة تستدعي ذلك فضلا" عن الأزعاج الذي يسببه للنيام واقلاق راحتهم ، وقال لهن انه سيسامحهن هذه المرة ولكنه سيتخذ بشأنهن اجراءآت صارمة ان عدن لهذا السلوك ، والغريب انهن لم ينسن ببنت شفة حتي صرفهن من مكتبه ، وعلم فيما بعد ان ما قامت به اولئك الفتيات لا يعتبر عملا" معييبا" في عرفهن ..
وكان العميد يصدر في حكمه عن خلفية الشمالي وعرفه المتعارف عن سلوك النساء ، واعادت هذه الحادثة الي ذاكرة العميد حادثة أخري كان مسرحها داخلية مدرسة بورسودان الحكومية الوسطي وشاهد احد التلاميذ وهو يبصق ( سفة السعوط ) في حوض غسيل الوجه ، وناداه غاضبا" وصفعه علي وجهه قائلا" له باستنكار شديد ( انت بتسف يا ولد ) ، واجابه الولد بلهجة الهدندوة المميزة ( ايوة نسف يا استاذ ) ، وزاد غضبه وصفعه مرة أخري قائلا" ( كمان تتحداني وتقول بنسف ؟ ) وقال الولد ( يا استاذ ابوي بنفسه يسف ، أمي بنفسها تسف ، اخوي بنفسه يسف ، اختي بنفسها تسف ) ، وهنا هدأت ثائرة الاستاذ وراجع نفسه وقال له ( لو كان الأمر كذلك فسف ) ..وقد كان في امدرمان يعمل مدرسا" باحد مدارسها المتوسطة ، وكان تعاطي التنباك ( سف السعوط ) او تدخين السجاير من الكبائر اذا اتاها الصغار ولا يقترف هذا الذنب الا المتشردين من ابنآء الشوارع ، وكانت عقوبة التلميذ اذا قبض متلبسا" بهذا الجرم هو العقوبة الشديدة التي تصل الي حد الفصل من المدرسة ..
والسودان قطر قارة بمعني كبر مساحته واتساعه وتنوع ثقافاته وكثرة قبائله وتنوع ثقافاته واعرافه ومعتقداته وقد تلتقي احيانا" وتتنافر احيانا أخري وقد تتماثل وتأتلف وقد تختلف وتتباعد ، ولعله من المفيد والأحسن ان تجري الوحدات الحكومية تنويرا" وتعريفا" للموظف المنقول للعمل من الشمال للجنوب مثلا" ، وقد كانت وزارة المستعمراتالانجليزية تخضع الموظفين الذين ترسلهم للعمل في الأقطار المستعمرة لتلقي دروس ومعلومات وافية ومعلومات وافرة عن الأقطار التي سيعملون بها ، واظن ان هذا التقليد متبع حتي الان في وزارة الخارجية ، ويقابل هذا ما يحدث عندنا ، فان صاحبنا ىيذكر انه لما ترقى الي ناظر مدرسة وسطي ارسلته وزارة اتربية والتعليم ليفتح مدرسة المناقل الوسطي ولم يكن يعرف شيئا" عن المناقل واين تقع في خريطة السودان ، وذهب الي الوزارة وهناك زودوه بكمية من المنشورات الأدارية والمالية ،واستفهم منهم عن المناقل وكيفية الوصول اليها فاجابه المسئول انه لا يعلم شيئا" عنها وعليه ان يذهب الي مكتب التعليم في مدينة مدني وهناك سيدلونه علي المناقل ! ...
ونواصل
هلال زاهر الساداتي

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.