تقع مدينة التونج الصغيرة علي ضفة نهر الجور وهو احد النهيرات الرافدة للنيل والبلدة نفسها عبارة عن هضبة يقع النهر علي حافتها ويحدها من جانب مستنقعات واحراش من الحشائش الطويلة تدعي ( التوج ) ويحفها من جوانبها الاخري غابة كثيفة من الاشجار والحشائش الطويلة ويطلقون عليها اسم ( العقبة ) وتربة الارض لا هي بالطينية ولا ارملية ولكنها مكونة من ذرات كبيرة كالحصبآء مختلطة بما يشبه الرمل والتراب وتسمي هذه التربة ( عزازة ) ولذلك عندما تصب الامطار لا يكون هناك طين أو وحل يعيق السير ويلطخ الأحذية ، ونسبة لعلو الارض كالهضبة فأن ميآه الامطار هنا لا تكون بحيرات صغيرة وانما تجري وتصب في التوج ، والامطار هنا تهطل اشهرا " عديدة وبكميات عظيمة ولكنها لا تحول دون نشاط الناس في سعيهم للعيش وضربهم في الارض من اجل الرزق . ويكاد المطر ينزل في مواعيد معلومة ، ففي الصباح يهطل رزاز" ثم يتوقف كأن السمآء تطعم وليدها الأرض من ثديها في فترات لتشبعه ، واما في الليل فان المطر يظل منهمرا" في اسراف حتي توشك الارض ان تقول كفي فقد بشمت وما تفني الميآه ! ورحم الارض طيب معطآء ينبت من كل زوج بهيج من الزرع ويخيل الي المرء انه اذا زرع احدهم عودا جافا اليوم لاصبح في الغداة اخضر مورقا" .. أن فضآء الارض هنا كقطعة الفسيفسآء بالوانها الزاهية ون الأزاهر والورود البرية النضرة ذات الألوان الطيفية والاشجار باوراقها الزاهية الخضرة تكاد تعانق عنان السمآء وهناك فوق الشجر الطيور الصداحة من كل شكل ولون فهناك الببغاوات الملونة والعصافير الصغيرة ذات الألوان الزاهية وكلها مغردة فتسمع الحانا" عذبة من شقشقة تؤلف فيما بينها سمفونية لحنية خلابة للب تحرك الابداع في النفس الشاعرة وتملأ القلب بحب الحياة .. أما نهر الجور الصغير ففيه الرحمة وفيه العذاب ولكن لا بيده الاذي ..فهو يحتوي في باطنه ازواجا" من كل سمك شهي كالعجل والبياض والبلطي وتراه منسابا" مختالا" في جريانه ولكن كدر شاطئيه نوع مؤذ من الذباب ينقل جرثومة لئيمة تسبب العمي للانسان وسمي بعمي الجور لأنه اول ما اكتشفت علي ضفاف هذا النهر فسمي مرض العمي باسم هذا النهر الهادئ البريئ وتري المصابين بهذا المرض اعينهم مفتوحة كالأصحآء ولكنها عميآء ، والان هناك حملة دولية تشرف عليها منظمة الصحة العالمية لأستئصال هذا المرض اللعين وسموه عمي الأنهار واظنه منتشر في اقطار اخري غير السودان . والماء في الجنوب هبة الله العظيمة من السمآء للارض فالارض مبتلة من فوقها ومن تحتها والمطر لا يعطل نشاط الانسان وهناك أول شئ يقتنيه المرءالوافد من الشمال هو معطف واق من المطر وبطارية لينير بها الواحد طريقه في الليل أو داخل المنزل اذا اضطر للقيام لبعض شأنه ليلا والمعطف الواقي من المطر والبطارية من الأساسيات التي لا غني عنها فالبلدة ليست بها كهرباء والظلام المكثف بالاشجار يكسو كل شئ ولكي يتفادي الواحد ما يلاقيه من هوام الليل ومنها الزواحف كالثعابين وهذه منتشرة بكثرة هناك ومنها القاتل ذو السم الزعاف الذي ينقل الملدوغ الي القبر فورا" ، ولصاحبنا تجربة مخيفة مع الثعابين في طفولته تجعله يخاف منها الي الان وذلك عندما كان مع والديه في مدينة القضارف بشرق السودان حيث كان مقر عمل والده حينذاك ولذلك في ذات يوم عندما رأي ثعبانا" اخضر أرقط متعلقا" بباب النملية المؤدي الي الملحق والمطبخ نادي بأعلي صوته علي الطباخ ( يا سبت جيب عصاية وتعال بسرعة في دبيب هنا ) وحضر الطباخ جاريا" ومعه عصا غليظة واشار له علي الثعبان ليقتله ، وضحك سبت وقال ) يا جنابو ده بتاع خدار ساكت ما يعمل حاجة ) فأمره بقتله قائلا" ( بتاع خدار بتاع سجم اقتله بس ! أما الخطر الاخر فهو الناموس المسبب للملاريا القاتلة ولذلك نجد كل البيوت هنا محاطة بنملية من السلك وكذلك الأبواب والشبابيك وتجد بابين مغطيان بالسلك في مدخل كل بيت ، يدخل الواحد من الباب الاول ويقفله ويسير في مدخل مغطي بالسلك من الجانبين الي الباب الثاني ويدخل منه ويقفله ومن ثم يدخل المنزل وذلك احترازا"من دخول الناموس الي المنزل ، وهناك من يتخذون ناموسيات فوق الأسرة زيادة في الوقاية ، والملاريا هنا متوطنة وهناك جهود بقيادة منظمة الصحة العالمية للقضآء عليها، وقد عقد مؤتمر دولي من رؤسآء الدول المبتلاة بهذا الدآء ، لمكافحته وكان الموظفون الشماليون عندما ينقلون للعمل في الجنوب في الخمسينات والستينات من القرن الماضي يتعللون بشتي المعاذير لالقآء النقل وذلك بسبب تخوفهم من الاصابة بالملاريا وكان الواحد منهم يقول ( عاوزني امشي الجنوب عشان اموت هناك بالملاريا ) ولكن جاء زمن ونحن في اواخر القرن العشرين وحتي الان في القرن الحادي والعشرين صارت فيه الملاريا متوطنة في الشمال ، ليس ذلك فحسب بل صارت العاصمة القومية مبآـءة للملاريا وصار ضحاياها الذين لاقوا حتفهم بالالاف! ولكن الله سلم فلم يصب صاحبنا ولا زوجته بالملاريا طيلة اقامتهما هناك لأنهما كانا يتعاطيان في كل يوم حبتين للوقاية من الملاريا ..

ونواصل ..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.