كان عمل العميد اداريا" بالدرجة الاولي ولكن كان لديه حصة في الاسبوع مع الفرقة في الصف النهائ وكذلك مع الطالبات المدرسات ، وكانت الحصص اقرب الي الندوات منها الي المحاضرات ، فكان يناقش معهم المشاكل التربوية مستعينا" في ذلك بعلم النفس التربوي وكذلك يزودهم بالخبرات والمعلومات عن فن التدريس مثل ادارة الفصل واثارة انتباه التلاميذ وتوجيه الأسئلة واشراك التلاميذ جميعهم في الدرس ونحو ذلك من فنون التدريس ، والحق يقال انه كان يحب هذه الحصص ويجد فيها نفسه لأنه كان يعشق التدريس فينطلق في شرحه وتوضيحه واجدا" لذة نفسية غامرة ، واما العمل الأداري فقد استأثر بجل وقته ولكنه لم يكن يجلس علي كرسيه طيلة الوقت فقد كان دأبه منذ ان صار مسئولا أن يفرد للعمل الميداني أن صح الوصف جزءأ" واسعا" من عمله فكان يمر ويتفقد يوميا مرافق المركز فيعاين الداخليات ويذهب الي المطبخ ويفحص كمية ونوع الخضروات واللحم والأغذية الطازجة التي يوردها متعهد الذااءآت كل يوم ، ثم يقفل راجعا ليري ويتذوق الطعام بعد طهيه ويتفقد نظافة المكان والسفرة الأواني وملابس العمال ، ثم ينتقل الي مزرعة المركز والي حظيرة الأبقار ،ثم بعد ذلك يدخل فصول الدراسة ويقضي بعض الوقت مع كل مدرس وهو في كل ذلك يوجه ويصوب ويثني ويمدح اذا دعا الحال ، وهذا المنهج الذي اختطه لنفسه وفر علي كثير" من متاعب ومشاكل العمل فقد كان كل شئ يسير بنظام ودقة في طريقه المرسوم ، فكان كل عامل من اعلي الي ادني رتبة يعلم ان عمله مرصود من رئيسه في كل وقت فانه ليس هناك مجال للتواكل أو الكسل أو الأهمال والتراخي لأنه اذا احسن فانه يحسن لنفسه وأن أسآء فعليها ، فمبدأ الثواب والعقاب موضوع بدون مجاملة أو محابأة أو ظلم .. وكان ما يأخذ الكثير من وقته في المكتب هي قضايا الطلبة المدرسين مع بعضهم البعض ، وكانوا يفضلون ان يحلونها مع العميد ويرتضون حكمه علي الذهاب الي محكمة السلاطين لأن هذه عقوباتها شديدة ، ومن ناحية اخري اذا ادين فيها الشخص فهو عرضة لعقوبة أدارية اخري قد تفقده وظيفته في التدريس ومثال ذلك قضايا الأعتدآء علي الشرف .

وذات مرة دخل عليه احد العاملين وكان يدرس الخراطة علي الخشب وقال للعميد وقال للعميد انه متظلم من استيفن وهو طالب معلم في الفرقة الرابعة ، وعلي حسب قول الشاكي ( يا جنابو استيفن كسرو بيت بتاع أنا ) ، ولم يفهم العميد شيئا وقال له ان يوضح له الموضوع ، ولكنه اجاب بنرفزة ( جنابك انا قلت كسرو بيت بتاع أنا يعني كسرو بيت بتاع انا ) ، وكما يقال في المثل العربي ( فسر الماء بعد الجهد بالماء ) ، وطلب منه العميد ان يفسر له هذه العبارة ، فأجاب بحنق وخبط بيده ما بعد سرته ( جنابو هو كسرو .. بتاع مرة بتاعي ) وذكر اسم الجهاز التناسلي النسوي ..، وهنا اكرك العميد كنه الموضوع وانها جريمة اغتصاب وقال له ان هذه جريمة كبيرة وان عليه ان يذهب للبوليس او محكمة السلاطين ولكنه قال انه يفضل ويصر ان يفصل فيها العميد وانه لا يريد للواقعة ان تنتشر ، ووقع العميد في ( حيص بيص ) كما يقولون في المثل ، وطلب من الرجل ان ينتظر خارج المكتب للحظات ونادي علي الكاتب وسأله عن نوع هذه القضايا وان كانت قد حدثت في الماضي وماذا كان الحكم فيها ولاسيما انه عاصر ثلاثة عمدآء من قبل ، فاجابه انها حدثت مرارا" في الماضي وان اقصي ما يود الزوج المعتدي علي زوجته تعويضا" ماليا" لا يتعدي الثلاث جنيهات وان الشاكي له سابقتان من هذا اخذ عنهما تعويضا" ماليا" .. وطلب من الكاتب ان يحضر له استيفن ، وطافت بمخيلته امنية خلت في صباه وهي دراسة القانون ليصبح محاميا" أو قاضيا" وبالفعل قطع اول الشوط في دراسة القانون بالتحاقه بكلية الحقوق بالسنة الأولي ولكنه تركها مفصولا" لأمر يتعلق بالسياسة بل الأحري بالوطنية ، وها هو القدر يضعه رغم انفه في مكان القاضي ولا دراية له بالقانون عدا ما يمليه علي ضميره والحس السليم وتوخي العدل ، وقال في نفسه لا بأس وهل الذين يجلسون للقضآء في محكمة السلاطين أو المحاكم الأهلية درسوا القانون أو تخرجوا من كلية الحقوق؟ ، وجاء الكاتب بالمعتدي ولم يكن يبدو عليه كثير انزعاج ، ولما سأله العميد لم ينكر الواقعة وقال انه مستعد لأن يعوض عن فعلته ، وهنا حكم عليه العميد بأن يدفع ثلاثة جنيهات للزوج بعد أن لقنه درسا" في الأخلاق وخاصة فيما ان يتحلي به المدرس من سلوك قويم ، ولكن الآثم استكشر المبلغ وصار يجادل ويقول ان المرأة هل التي راودته عن نفسه ، وعندءذ زجره العميد واخبره بأنه سيحيل القضية الي محكمة السلاطين ، وعندها تراجع الرجل القهقري مائة وثمانين درجة واخذ يستعطف العميد بأن لا يرسله الي محكمة السلاطين وانه يقبل بدفع المبلغ كله وربما يتساءل البعض عن تجشم العميد ما لا يخصه من قضايا واقحام نفسه في مجال القضآء ، ولكن هناك حقيقة وهي ان الطلبة المدرسين رغم كونهم راشدين وموظفين فانهم في حكم الطلبة ويظل المعهد مسئولا عن تصرفاتهم وسلوكهم حرصا علي سمعة المعهد وسمعة المدرسين فان المسئولين عن المعهد يعملون ما في وسعهم بأن ينأوا عن أخطائهم عن التداول خارج المعهد او في اروقة المحاكم مادام هذا ميسورا ومقدور عليه داخل اسوار المعهد ، وكذلك ينبغي ان تسود روح الأسرة الواحدة بين المسئولين والمتدربين الا من شذ والشاذ لا حكم له ، وفي مرة اخري جاءه متدرب اخر وطلب منه اجازة لمدة اسبوع لأمر يخصه وسأله العميد عن هذا الأمر الذي يتطلب منحه اسبوعا" كاملا " اجازة من عمله لأن منح الأجازات للضرورة نص عليه في لائحة معاملة الموظفين وعليه لا بد من ان يبين السبب لطلب الأجازة ، فاجاب بقوله ( يا جنابو انا عاوز نطهر ) أي اريد ان اختتن ، وتبسم العميد وقال له ( هذا شئ حسن ولكن اري انك شاب _ربما كان سنه فوق ال25 سنة ـ والجرح في هذه السن يأخذ البرء اكثر من اسبوع وليس كجرح الطفل الذي يطيب في وقت أقل وعليه اري ان ترجئ الامر الي العطلة الصيفية حيث يكون لديك فسحة كافية من الوقت لتتختن ( براحتك ) وقال في نفسه ( ما انت أغلف ربع قرن يعني لو انتظرت شهر حيحصل شنو ؟ ) .. واخبره ان منتصف العام الدراسي يوشك ان ينتهي ولا سبيل لمنح اجازات لقرب موعد اختبار نصف العام واضاف ان قوانين العمل لا تعتبر الختان من اسباب منح الأجازة للضرورة وربما اتجاوز هنا عن تطبيق القانون حرفيا" مراعآة للانسانية والحالة الصحية والنفسية !!
وذات مرة أتاه الكاتب نفسه شاكيا أحد الطلبة ولنسمع شكواه كما رواها للعميد وهو في غاية الأنفعال والغضب ينتفض جسمه كله وعيونه تشع بالأحمرار ( جنابو جون دينق قال لي انت ما كسرت سنونك ) ، ولم ير العميد في القول ما يؤخذ عليه وقال له ، وماذا في ذلك ؟ ولماذا تغضب كل هذا الغضب من قول كهذا فهذا شيئ طبيعي وأنا مشلا اسناني غير مكسرة ، واجابه ( يا جنابو كلام ده عندنا بتال كلاس ) وقال العميد : وما وجه العيب في هذا الكلام؟ __يعني انا ما راجل . وكيف ذلك ؟ _يعني ولد لما يكسر سنونه يبقي خلاص راجل واذا ما كسرو ا سنونه يبقي ولد صغير وده عيب عندنا .. واستدعي العميد الطالب المسيئ ووبخه توبيخا" شديدا" وطلب منه ان يعتزر الي الكاتب وان يسترضيه وان لم يفعل فانه سيتخذ ضده اجراء" صارما" وامتثل الطالب للأمر وسويت المسألة ، وعرف العميد لاحقا" ان العرف عند قبيلة الدينكا هو قلع الأسنان السفلي في فك الفم وتشريط ( فصادة ) الجبهة عدة خطوط أفقية متوازية في احتفال خاص يعمد به الولد بعد هذه العملية رجلا" .. ولما سأل العميد الكاتب عن السبب الذي من اجله لم تقلع اسنانه السفلي اجابه بانه ولد وشب في مدينة واو ولذلك لم يتعرض لهذه العملية ، وقد لاحظ العميد بعدئذ كثيرا" من شبان الدينكا باسنان كاملة سليمة وبغير ( فصادة ) علي الجبين مما يدل علي ان هذه الممارسات القبلية المرتبطة بالعرف في طريقها الي الزوال بانتشار التعليم والوعي تماما" كاندثار الشلوخ واختفائها من وجوه النسآء والرجال في شمال السودان ، وقد مر وقت في شمال السودان كان فيه عدم ختان البنات عيبا" كبيرا" الي درجة الشتيمة والمعايرة بعبارة ( يا ود الغلفة ) والان صار الوضع مقلوبا" فالختان للبنات صار مذموما" علميا" وصحيا" ، ولكن العرف الذميم يأخذ وقتا" طويلا" حتي يزول .. واستفهم العميد عن سبب الشجار واين حدث ، فاخبره ان ذلك كان في منزله وسط جمع من الصحاب وكان الطالب سكرانا" واحتد معه في النقاش فعيره بعدم تكسير اسنانه وانه ليس برجل ليواجهه . وبعد ذلك علم العميد ان العادة جرت ان ىيجتمع الصحاب كل يوم جمعة في منزل احدهم بالتناوب ليتسوا المريسة التي تصنعها ربة الدار ويدفعون ثمن ما يشربون ولا يجدون غضاضة في ذلك ، والمريسة هي المشروب الذي يصنع من الذرة بعد تخميره ولها انواع او درجات فمنها الخفيف الذي يتعاطونه كغذاء مثل عصير الفاكهة وهم يتناولون وجبة غذائية رئيسية واحدة في اليوم عند المغرب ولا يعرفون الوجبات الثلاث من افطار وغداء وعشاء ، وقد لاحظ أو اشتم بالاحري رائحة الفصل معبأة برائحة المريسة في الحصة التي يدرسها عقب فسحة الفطور مباشرة ، وتأتي الرائحة النفاذة من انفاس الطلبة المدرسين بعد تعاطيهم وجبة دسمة من المريسة .. ويوجد نوع اخر ثقيل من المريسة وهو مسكر ويتعاطونه عند السمر او المناسبات كالرقص والأفراح والمأتم ، وبمناسبة ذكر المريسة فقد ابلغ نائب العميد عن انه وجد رئيس العمال سكرانا" اثناء ساعات العمل ولما استدعاه العميد وسأله عن ذلك لم ينف التهمة ولكنه دافع عن نفسه بأنه لم يكن سكرانا" وانه شرب مريسة فعلا" ولكنها من النوع الخفيف بمبلغ زهيد من المال وعلي حد قوله : ( انا يا جنابو ما كنت سكران انا سربت مريسة بقرسين بس وكمان مريسة بيده ( بيضه ) ... أما الكاتب لوكا دال ) تام الأسنان ) فهو شاب ذكي نشط مقتدر في عمله متقن له وكان يؤدي عمل ثلاث وظائف فهو الكاتب الذي يطبع علي الألة الكاتبة و يؤدي كل الأعمال الكتابية وهو المحاسب الذي يعد كشوفات الرواتب لكل العاملين بالمعهد من مدرسين ومتدربين وعمال وهو المترجم لأولياء الأمور من لغة الدينكا الي العربية ، وهو المسجل وسكرتير لجان قبول التلاميذ ، اضف الي ذلك خلقه المتين فهو النموذج لما ينبغي عليه موظف الخدمة المدنية ، ويقابله نظير له من هيئة التدريس شاب من ابناء الدينكا يدعي بنجامين بل بل وهو باسم الوجه مشرق الطلعة سمح الخلق ومتمكن من تدريس المادة وفصيح في التحدث بالعربية وخط يده فيها جميل جدا ولذلك اختير ليكون مدرس طريقة للمتدربين ، ومدرس الطريقة هو الذي يدرس دروس معاينة يشهدها المتدربون ليتعرفوا علي الطريقة النظرية في تجربة حية امامهم داخل الفصل مع التلاميذ ولكل فرع في المادة المعينة طريقة مختلفة في تدريسه كالنحو والأنشآء مثلا" في اللغة العربية ..والطلبة المدرسون يسكنون في داخليات بعيدة عن داخليات التلاميذ الصغاروليست للمعهد اسوار ولذلك من الصعب التحكم في دخول وخروج الطلبة الكبار خاصة عندما يجن الليل فيتسللون ويذهبون الي الحلة _ البلد _ ومن هناك تأتي المشاكل من حين الي اخر وكلها تتعلق بالسكر والمشاجرات وان كانت ليست بالقدر الكثير ولكنها تقلق وتزعج الهدوء والنظام اللذان يسودان المعهد ، ولما كان معظم الطلبة المعلمين متزوجين ولهم أولاد فمن الطبيعي ان تكون فترة الاربع سنوات التي يقضيها الواحد منهم بعيدا" عن عائلته ثقيلة الوطأ عليه من كل النواحي العاطفية والنفسية والجنسية وكذلك الناحية المالية فقد كان الواحد منهم يقتسم راتبه الصغير مع عائلته فقد كانت المرتبات في ذلك الحين لم تتساوي بعد مع مرتبات الشماليين .. وكان محظوراعليهم ان يصحبوا معهم زوجاتهم واولادهم طيلة فترة التدريب بالمعهد وان كانوا يمكثون مع عائلاتهم طيلة العطلة الدراسية السنوية ، ولذلك كان تسللهم ليلا " الي ( الحلة ) ! وفكر العميد وقدر واهتدي الي أمر اضمره في نفسه واتخذ قرارا"ليعلنه في الوقت المناسب .. ..وجاءت مناسبة احتفال المعهد بيومه السنوي ويسمي يوم المعهد أو عيد المعهد ويستمر عدة ايام تعرض فيه انشطة المعهد المختلفة من مشغولات اقمشة ولوحات فنية واعمال خشبية ومعارض للمفروشات والملابس النسائية ممباريات في الالعاب الرياضيةالمختلفة وابرزها كرة القدم ،ويدعي لهذا العيد مفتش الحكومات المحلية وهو حاكم المنطقة والسلاطين والموظفين والتجار وعامة المواطنين ، وفي الحقيقة تكون تلك الأيام أيام عيد بحق كلها بهجة ومسرة وكسرا" لرتابة الحياة في البلدة ، وفي اليوم الختامي للاحتفالات والذي يختمه العميد بكلمة مناسبة أعلن للطلبة المتدربين ما اضمره من قرار وهو السماح لكل متزوج ان يحضر عائلته للعيش معه علي شرط ان لا يلتزم المعهد أو الحكومة بتهيئة السكن له أو أى التزام آخر ، ولم يكن في تصوره ان يقابل هذا القرار بذلك الأحتفال المدهش ، فقد دوي التصفيق عليا" لمدة طويلة وقفز البعض في الهوآء من الفرحة ، وشكر صاحبنا الله في سره أن هدآه الي ذلك القرار الصائب وشكره أكثر عندما رأي مردود ذلك القرار في العام التالي فقد انتهت أو كادت أن تنتهي مشاكل التسلل الي الحلة ليلا" ...
ونواصل

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.