فوجئت بأن جهة مجهولة في لندن تروج لهذا الكتاب لبيعه بالاسترليني لفائدتها بون علم أو أذن مني ،وبالاتصال بصهري الأستاذ الصحفي الكبير محمد المهدي عبد الوهاب والمقيم هناك والذي كان يعمل بصحيفة الشرق الأوسط للاستفهام عن هذه الجهة أفادنا بأنه لا توجد شركة توزيع ونشر بهذا الأسم ، ويعد هذا الفعل في نظري نوعا" من القرصنة والسرقة ، وبما يتصل بهذا الكتاب فقد طلب مني قبل مدة الأخ الكاتب عبد الحميد البرنس مبديا" اعجابه بالكتاب أن أنشر فصولا" منه في الصحف الألكترونية لمن يود قرآءة الكتاب لأنه نفد في السوق وعليه قررت أن أنشر فصولا" منه للقرآء لأفسد قرصنة وسرقة هذه الجهة المجهولة وكذلك نوه بالكتاب القاص المبدع الدكتور بشري الفاضل ..
وابدأ بمقدمة الكتاب التي كتبها الراحل الأستاذ الصحفي الكبيرمحجوب عثمان وزير ألأعلام السوداني الأسبق ورئيس تحرير صحيفة الأيام اليومية بالسودان سابقا"
1_ مقدمة الكتاب
اهتمام أهل القلم في السودان الشمالي بالخوض في تفاصيل الحياة في الجنوب محدود وقاصر وبالتالي فأن ذخيرة المواطن الشمالي من حقائق العيش في ذلك القطر من الوطن قاحلة جدبآء ..ولعل من يتابع هذه الظاهرة علي امتداد نصف القرن الأخير يجد أن الألتفات للجنوب والأعتنآء بقضاياه ، حتي من الناحية السياسية وحدها لم يحتل مكانه ألا بعد ان فرضت الأحداث الدامية هناك ذاتها علي مجمل الواقع السوداني وكان مؤتمر المائدة المستديرة في النصف الثاني من الستينيات معلما" من معالم تحول في وعي الفرد الشمالي بما يجري في الجنوب ، بعيداعن السياسة ، لا يزيد علي بضع مقالات متناثرة لا تسمن ولا تغني من جوع ان هذه الحقيقة وحدها تضع هذا السفر الذي بين يديك في مقام ما هو هام لأنه يغطي قدرا" من النقص ، ويفتح الباب للمزيد من التجارب والذكريات المماثلة ..أن كثيرا" من الشماليين انتدبوا للعمل في الجنوب في شتي جوانب الحياة وقدموا بصورة عامة ما لا سبيل لأنكاره ولكن أغلبية من هؤلاء كانت تنظر لتلك المهمة من زاوية الكسب الخاص وحدها وما اكثر الذين خرجوا من التجربة الابحفنة من المال ثمنا" لأخشاب مسروقة أو متاجرة في سن الفيل وغيره من خيرات الجنوب ، بل وحتي في تهريب البنقو الاستوائي من الجنوب للشمال . قليلون جدا" اولئك الذين عكسوا التجربة اثرآء للتقارب وبنآء الوحدة الوطنية التي طال الشوق اليها واستطال انتظارها .
أن مؤلف هذا الكتاب معلم شمالي مرموق ، ويكفي أنه صعد ليصبح عميدا" لمعهد تدريب المعلمين في بحر الغزال ، وهو معهد أعلي درجة من المدارس الثانوية ، وهو لم يتخطي عامه الثلاثين الا بسنة واحدة . صحيح أن الكاتب يحدثنا عن منطقة واحدة من مناطق الجنوب ، وفي محيط واحد هو محيط التعليم وما يتصل به ، ولكنه يقدم عصارة تجاربه بعمق مبسط واسلوب سلس يمتع القارئ ، وينتقل به ( حسا) للعيش وسط الدينكا في افراحهم واتراحهم .. في جدهم وهزلهم .. وفي نبلهم التقليدى المتوارث .. ثم انه يبدع وهو يصف جمال الطبيعة البكر في ذلك الجزء من الوطن ..أستوقفتني عبارات كثيرة في وصفه هذا منها قوله عن المطر الذي لا يتوقف ليل نهار ، وكأن السماء أم رؤوم تطعم وليدها الأرض من ثديها بانتظام .. الخ
أن المعلمين ومؤلفنا واحد من طلائعهم ، كانوا خير رسل للشمال في الجنوب فهم الذين أدوا الواجب المقدس في القري بين الأدغال والأحراش ووسط مجتمعات ما ألفوها من قبل ، وهم الذين كانوا الترياق المضاد لما بذره المبشرون ، مخالب القوي الأستعمارية من البغضاء والكراهية ضد الشمال والشماليين .. ذلكم كان وسيظل هو الواجب الوطني الذي يجعل لمن يعلم لمن لايعلم أمرا" مقدما" علي كل واجب .. ولو تنبه القادة السياسيون منذ الأستقلال ، وحتي قبيل تحقيقه ، الي أهمية دور المعلمين الذين يوفدون للجنوب ، والأنتقآء الجيد في اختيارهم لكان ذلك لبنة من لبنات الوحدة الوطنية ،ولما وصلت الفرقة والتنافر الي ما وصلت اليه الان .
ولهذا كله فان ما يقدمه الاستاذ هلال من جهد صادق ، سيظل رغم الظروف ، اسهاما" مقدرا في سبيل التعارف والألفة والتقارب بين ابنآء الشمال وأبناء الجنوب .
محجوب عثمان القاهرة ا0\5\2001
2_ مقدمة المؤلف
في حياة كل أنسان منا لحظات وأحدآث صغيرة أو كبيرة تظل ملتصقة بجدار الذاكرة لصوق الجلد بالبدن لا تنمحي ومنها ما يطيب له الخاطر من مسرة ومتعة في تذكره ومنها ما يجلب الكدر والضيق وكأنها حدثت لتوها ومهما كان من أثر مفرح أو أثر محزن تهيجه فأنها تحدث في المرء هزة وصحوة في الوجدان يحس معها بطعم الحياة المتغير بحلوه ومره وأن الحياة قدر لا فكاك منه ولا مما كتب لك أن تلاقيه فانك ملاقيه مهما اتخذ المرء من حيطة وحذر ورتب وقدر فالأمر واقع واقع ولا يجدي بعد وقوعه ندم أو تحسر ولاتنفع كلمة لو أو أذا ، والحصيلة ذكري مؤرقة في ذات الهنيهة فرحا" أو حزنا" ثم تكتسحها رياح النسيان وتطويها في عالم الغيب وتسير الحياة كالنهر في مجراه يظل سائرا" مهما اعترضه من صخور وجنادل فيفيض بالخير للأرض والناس والحيوان وربما يعود فيضه عليهم بالخراب والدمار .. وهكذا الحياة يوم لك ويوم عليك . وجاء أمر النقل لصاحبنا الي جنوب البلاد مديرا" لأحد معاهدها التعليمية وجاءت مع النقل ترقية أو ترفيع يفيد منه ماديا" ومعنويا" واجتماعيا" ، وماجت نفس صاحبنا بمشاعر شتي متباينة وبامشاج من الأفكار تجاذبته ما بين الأقبال والصدود والرغبة والرهبة والتشوق والخشية ، فانه كان يود منذ زمن بعيد أن يعمل في جنوب البلاد وربما كان لما سمعه من والده من حكايات عنه وكان قد عمل زمانا" طويلأ" هناك أثرا"في رغبته تلك ، وربما كان لما يعتمل في صدره من نفور من الظلم وحب للبشر دون تمييز من عرق أو لون أو دين أثر آخر ، وكان لا يعرف لشمالي علي جنوبي فضلا وأن الخالق لا يميز بين الناس بالوانهم ولكن بأعمالهم وتقواهم وأن هذه الالوان نفسها باختلافها آية من أيآت الله وأنه لا يظلم أحدا ولكن البشريظلمون انفسهم وبعضهم بعضا ، وربما كان لما سمعه عن تلك الأنحآء من جمال ونمآء وخضرة حباها به الخالق أثرا" أيضا. . أذن كان صاحبنا بلا عقد عرقية ، أما خشيته فكانت مما يسمعه من احاديث عن فوران تحت السطح ضد الشماليين ربما ينفجر بركانا" لا يبقي ولا يذر كما حدث في الماضي في تمرد 1955 وأن البركان حين ينفجر لايعرف برا ولا فاجراولا صديقا ولا عدوا وتجرف حممه امامه كل شئ .. كل شئ .. وفي ذلك التمرد أزهقت أرواح بريئة كان كل جرمها أن أصحابها شماليون وهكذا كان تمرد 1955 ولم يكن صاحبنا يخاف الموت فهو مؤمن بأن بأن لكل أجل كتاب ولكن لايري داع ولا معني للموت دون سبب أو قضية أأو كما يقول اخوانناالجنوبيون ( موتوا سمبلا) أوكما يقول الشماليون ( مات فطيس ) ، وقال في نفسه مرددا الأية ( قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا ) وتوكل علي الله وحزم امتعته واستقل الطائرة الي مدينة واو حاضرة مديرية بحر الغزال ومن هناك يواصل سفره بالعربة الي مدينة التونج حيث مقر عمله الجديد وهناك سوف يبدأ فصلا" جديدا" في كتاب حياته ...
ونواصل

هلال زاهر الساداتي
6 سبتمبر2017

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.