Facebook.com/tharwat.gasim
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1 - مقدمة .
قال قائل منهم إنها أكبر جنازة دولية في التاريخ الإنساني قاطبة . في يوم الثلاثاء 10 ديسمبر 2013 كان هناك في الإستاد الرياضي في جوهانسبرج  الذي شهد مباريات كاس العالم في الكرة في عام 2010 ...  اوباما ، وكاسترو ، وكاميرون من بريطانيا ،  وهولاند من فرنسا ، ورئيسة البرازيل ومعظم الرؤساء الأفارقة بما في ذلك الرئيس سلفاكير ،  وغيرهم 91 من رؤساء وقادة العالم ؛  بإستثناء  قادة أسرائيل  والعرب  والرئيس البشير ، الذي لم يستطع المشاركة بسبب أمر القبض اللعين .


أفتقدنا في  جوهانسبرج  في  هذه المناسبة السيد الإمام ، الذي يُعتبر من المفكرين والساسة القلائل الذين يحيون ذكرى مانديلا ويحملون مشعله عالياً خفاقاً بمحاولة إعادة إنتاج مبادراته الخيرة وتفعيلها لإعادة إنتاج معجزة  قوس قزح جنوب افريقيا  . نعم هي معجزة  للتعايش السلمي بين الأثنيات والديانات واللغات والثقافات  المتشاكسة في وطن واحد مرجعيته الحصرية المواطنة المتساوية أمام القانون .
كانت الآلية لتحقيق هذه المعجزة هي الكوديسا ...  المؤتمر القومي الدستوري للتحول الديمقراطي في جنوب افريقيا . كانت الكوديسا الشعلة التي حملها  مانديلا لتفكيك  نظام الفصل العنصري ( الأبارتيد ) .
يحمل السيد الإمام شعلة مانديلا (  الكوديسا ) محاولاً تطبيقها في بلاد السودان ، ليعيد إنتصار كوديسة جنوب أفريقيا في بلاد السودان .
وفي هذا ، لعمري ، خير تمجيد لذكرى مانديلا العطرة  ، بدلاً من  طمر إنجازاته الباذخة   وعطائه الثر بين دفات كتب التاريخ .
في حلقة سابقة ، إستعرضنا كيف يمكن لزعماء السودان  في الحكومة والمعارضة تخليد ذكرى مانديلا بتطبيق الكوديسا في بلاد السودان ؛ وكيف يمكن للرئيس البشير تدبر أفعال مانديلا ، خصوصاً تنحي  مانديلا  عن رئاسة الجمهورية بعد فترة رئاسية واحدة ( 1994 – 1999 )   ،  وهو في قمة شعبيته  ،   ليضرب الأمثال للناس لعلهم يتفكرون .
نواصل إستعراضنا لدروس مانديلا التي يحسن  ساسة السودان صنعاً بتدبرها والعمل على هديها  ، كما يفعل السيد الإمام .
2 - مانيلا والسيد محمد عثمان الميرغني والحزب الإتحادي الديمقراطي ؟
+ المؤسسية  ؟ 
قال مانديلا في مذكراته  إن  الدكتور برنارد قد زاره  في  زنزانته  عام 1985 مبعوثا  من الرئيس العنصري بيك بوثا الملقب بالتمساح ، ليساومه  على التخلي عن الكفاح المسلح مقابل خروجه  من السجن ، وانطلاق المفاوضات بين حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وحزب الأقلية البيضاء الحزب الوطني  .

طلب مانديلا فرصة لكي يشاور زملائه الثوار المساجين معه حول عرض الرئيس بوثا  .

كان من رأي مانديلا القبول بعرض الرئيس بوثا والتفاوض مع النظام العنصري حول تسوية سياسية  بعد وقف الكفاح المسلح .  ولكن رفض زملاء مانديلا  العرض العنصري؛  فأمتثل مانديلا لرأي الأغلبية لأنه رجل مؤسسات وديمقراطي حتى النخاع  ، خصوصاً مع زملاء الكفاح .

عندما رجع الدكتور برنارد ،  أخطره مانديلا برفضه لعرض الرئيس بوثا  وقف الكفاح المسلح كشرط لبدء المفاوضات .
قال مانديلا للدكتور برنارد  إن  حريته  الشخصية  ليست موضوع مساومة . لن يقبل  مانديلا الحرية الشخصية  ، والحزب كله محظور ، والشعب لا يتمتع بكامل حريته  .

قال مانديلا نصاً :  ( صفحة 537 من المذكرات)  . 

(  إن الدولة هي المسؤولة عن العنف، بل المسؤول دائما هو المضطهـِد وليس المضطهَـد، إنه هو الذي يفرض أشكال الكفاح المناسبة. فإذا كان الظالم يستخدم العنف فلا يجد المظلوم مناصا من الرد عليه إلا بعنف مماثل. من جانبنا فالعنف هو الرد المناسب للدفاع عن أنفسنا .

لا يوجد احتلال جيد واحتلال سيئ. كل احتلال سيئ ويجب تفكيكه نهائيا وإلى الأبد، بحيث لا يبقى له أثر. إن محاولة تجميل الاحتلال أو تحمل أعباء الاحتلال مقابل نصوص غامضة لا تحدد بصراحة الحقوق ولا تبين التواريخ ولا توزع المسؤوليات ولا ترسم صورة واضحة للمستقبل، ستؤدي في النهاية إلى تنازلات من طرف واحد ومساومة على نصف الحقوق أو ثلثيها مقابل وعد أو أمل بالحصول على ما تبقى من حقوق، وهذا لن يؤدي في النهاية إلا إلى ضياع الحقوق كلها. . .) . 

نتمني أن يتدبر السيد محمد عثمان الميرغني كلمات مانديلا الملخصة أعلاه ، ويحترم المؤسسية داخل حزبه العتيد .  ولكنه وللأسف على النقيض من مانديلا  . ولا نكتب من فراغ ، ولا نلقي القول على عواهنه .

نسجل  3 أمثلة  قريبة العهد  من بين عشرات :

+  قرر المكتب القيادي في الحزب الإتحادي الديمقراطي فض الشراكة مع المؤتمر الوطني والهجرة إلى المعارضة . رفض السيد محمد عثمان توصية المكتب القيادي وقرر الإستمرار في الشراكة متجاهلاً المؤسسية في حزبه العريق . ولم يقل المكتب القيادي ( بغم ) .

+ وبعدها عين السيد محمدعثمان وزراء الحزب في الحكومة الجديدة دون الرجوع للمكتب القيادي ، الذي صمت صمت القبور .
+  بعكس مانديلا  ، لا يعرف السيد الميرغني إنه   لا يوجد احتلال إنقاذي  جيد واحتلال  إنقاذي سيئ.   كل احتلال  إنقاذي سيئ  ، ويجب تفكيكه نهائيا وإلى الأبد .   بحيث لا يبقى له أثر. إن محاولة تجميل  ومكيجة الاحتلال  الإنقاذي  بالمشاركة  فيه  ، سيؤدي في النهاية  إلى ضياع حقوق  الشعب السوداني في  التحول الديمقراطي  والحرية والكرامة  ودولة المواطنة  !

صار الحزب الإتحادي الديمقراطي حزب  مولانا  ، كما حزب المؤتمر الوطني حزب الحاكم ... زيرو مؤوسسات . بعكس منهج مانديلا تماماً .
في هذا السياق يقول الكاتب العبقري صديق محيسي  الذي يؤرخ للسيد الميرغني  :
(  ...   السيد  الميرغني لا يرتاح  أبدا  لمثقفي الحزب الذين يريدون جعله حزب  مؤسسات  تشاع  في داخله  الديمقراطية  والرأي  والرأي الأخر ،   ويبتعد  بقدر الإمكان عن هذا النوع من الأعضاء لا يصالحهم  ولا يعاديهم  ،  ويفضل إن تنطبق عليهم الآية الكريمة ( لا يموت  فيها ولا يحي ) !  وجرى إبعاد عدد  كبير منهم وبعضهم غيبه الموت  متكفلا بمهمة كان سيقوم بها هو) . 
السيد الميرغني والمؤسسية كما الشحمة والنار .
+  القراءة ؟
الكاتبة الروائية  نادين قورديمر ( جنوب أفريقيا ) الحائزة على جائزة نوبل للآداب تعجبت غاية  العجب  كيف أن روايتها الأشهر  ( بنت بيرجر ) ، والتي كانت محظورة في جنوب أفريقيا ، قد وصلت إلى مانديلا في سجن جزيرة روبن في عام 1979. كتب مانديلا للكاتبة نادين معلقاً على الرواية تعليقات عميقة وذكية أفادت منها نادين وكثيراً  ، أو كما قالت .
تعلم مانديلا وأجاد لغة الأفريكانر( لغة البيض ) أثناء فترة سجنه ، وحث زملائه على تعلمها .
كان مانديلا يقرأ وكثيرا أثناء  سنوات سجنه ال 27 . ولكنه لم يوفق في كسر الرقم  القياسي الذي ضربه السيد الإمام بقراءة  3 الف كتاب خلال فترات سجنه المتعددة  إبان الحقبة المايوية  ( 1969 – 1985 )  .
في هذا السياق يقول صديق محيسي  عن السيد  الميرغني  وعزوفه  بل مقته الشديد   للكتب والقراءة  ، نصاً :
(  ...   الميرغني  قليل الكلام  بل شحيحه , لا  لفكر عميق  يضن به  على الآخرين , ولكن  لخصام متصل مع المعرفة والتحصيل ... من منكم سمع  يوما  إن الميرغني  قد  إلف كتابا , او قدم  محاضرة , أو شارك  في ندوة , أو كتب دراسة عن الحزب  , او عن شيء ؟ ) ؟ 
السيد الميرغني والقراءة  في  عداء مستعر  .
يحسن السيد الميرغني صنعاً بإقتفاء أثر مانديلا بإعتماد المؤسسية والديمقراطية وإحترام زملائه  ؛   وكذلك إعتماد  القراءة والتحصيل كمرجعيات سياسية وإخلاقية له !

3-   مانديلا والدكتور الترابي وحزب المؤتمر الشعبي   ؟
أهتز العالم لموت مانديلا ، رغم أنه لم يكن يحتل أي مركز تنفيذي  أو سياسي في بلده ، بل كان مواطناً عادياً  .
يشن مانديلا  ( عملاق التاريخ كما وصفه اوباما )  السلم كما يشن غيره الحرب ، ولهذا هرع العالم لوداعه .
ثمن العالم وعالياً مصداقية وصدق مانديلا مع شعبه الأسود والأبيض على السواء . كان مانديلا رائداً رشيداً ، لم يكذب أهله  ، ولم يغش حتى على جلاديه البيض .
كأن مانديلا يجسد الآية 50 في سورة  مريم  :
وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا  .
هل تذكر  كذبة ( إلى القصر رئيساً ، وإلى السجن حبيساً )   التي قامت عليها  حركة الإنقاذ الإنقلابية . المرجعيات الأخلاقية للدكتور الترابي ، تحتاج لوقفة مع النفس ومراجعة ، فهو كشكول من الأكاذيب الأشرة ، والتزوير في إنتخابات حزبه الوطني ولاحقاً الشعبي ، كما أرخ لذلك المفكر المحبوب عبد السلام .
دكتور الترابي   مستعد  للتضحية   بمصالح السودان  الحيوية الكبرى في سبيل  وهم آيديولوجي ،  وهو نشر الإسلام في العالم ، تأسيساً على مبدأ ( طظ في السودان )  وأهلاً بالعالمية الإسلامية !

يقود   دكتور الترابي   حزباً  فاشستياً  مرجعيته  إستئصال الآخر المختلف ، والتقية والتمسكن حتى التمكن ، مع جرعات مترعة من الأفك  والتدليس ( يقولون على الله كذباً وهم يعلمون )  ،  والتعامل مع شاكلة أبن آوى وبن لادن !  
. يحسن دكتور الترابي صنعاً بإقتفاء أثر مانديلا في توخي الصدق في أقواله وأفعاله .
نواصل مع بقية زعماء السودان ...