Facebook.com/tharwat.gasim
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة :

لا تزال فصول زيارة وفد الجبهة الثورية لفرنسا تتوالى.  ربما لم يحن الوقت بعد لسبر أغوارها ومعرفة تداعياتها ، وتجاوز العابر فيها إلى المقيم ، والتركيز على الجوهري وتجاوز المظهري ، في محاولة لتقييمها ، وحصر الفوائد التي تصب في نهر الجبهة الهادر .  

ولكن خشيت هذه السطور  من أن تتسرب الأحداث  المتدفقة دون إنقطاع  من بين أصابعها ، وتتشظى  البيانات والتصريحات وتتدابر ،  بما يجعل  جمعها فيما بعد رصدا وتقييما ، عملاً سيزيفي غاية فى الصعوبة . ومن ثم هذه المحاولة لقراءة سريعة لمآلات  هذه الرحلة الميمونة في محطتها الأولى في  فرنسا ، المشابهة بل المطابقة لبقية المحطات  الأروبية، في عدة نقاط أدناه :

أولاً   :

وأنت تقرأ هذه السطور ،  كل واحد من أكثر من 3 مليون نازح ولاجئ في معسكرات النزوح واللجوء في دارفور وولايتي النيل الأزرق وجنوب كردفان يمضي يومه ( لا يعيش فيها ولا يحيا  بل يمضي يومه )  متمنيا أمنية واحدة لا ثان لها ... البقاء حياً ليوم آخر .

يجاهد كل واحد من هذه الملايين المعذبة ، جهاد الوحوش ليبقى على قيد الحياة ليرى شمس  الغد . لم يعد البقاء على قيد  الحياة حقاً من حقوق الإنسان الأساسية كما الهواء لهذه الجموع التعيسة ، التي تجسد معاناتها كيف يظلم الإنسان أخيه  الأنسان .  

يفترش هؤلاء وأولئك الكراكير التي تفور بالعقارب والأفاعي وبعوض الملاريا . ويشربون ماء البرك الآسنة مع أنعامهم وأغنامهم . ويقهرون الجوع الظالم بأوراق الشجر وخشاش الأرض .

ينقرض جيل كامل من الأطفال الذين يموتون كل يوم بالمئات  نتيجة أمراض الفقر  ، ولأنعدام الأمصال والأدوية ، وشرب المياه الملوثة .

ولا نتكلم عن الفاقد التربوي ، فلم يعد الحق في التعليم حق من حقوق الإنسان في معسكرات الذل والهوان ، بل ترف لا يفكر فيه القوم .

مأساة إنسانية نجح التعتيم الإعلامي في إخفائها والتستر عليها .

ولكن أيحسب الإنسان أن يُترك سدى ؟

ثانياً :

مصير هؤلاء المعذبين في أيادي قادة الجبهة الثورية ، بل في أيادي كل مواطن سوداني . ولا يحق لأي مواطن  أن يلزم الصمت ، فالساكت عن الحق شيطان أخرس .بل محرم على كل مواطن ، أن يقف على الحياد ، وإلا كان مصيره  قاع جهنم لهم ، كما أنذرهم دانتي في الكوميديا الإلهية .

قضية كل نازح ولاجيء هي قضية كل مواطن سوداني ، وسوف يسأله سبحانه وتعالى عنهم يوم التغابن . إنتهى زمن اللامبالاة والقعاد على الكنبة .  ولا يغير الله ما بقوم حتى يغيروا ما  بأنفسهم ( ما بأخوانهم  النازحين )  ؟

ثالثاً:

لم  ينجُ  مكون من مكونات المجتمع السوداني  من حالة التمويت السياسى المنظم، في إطار عملية مدبرة من قبل النظام . نجح النظام في  إخراج  عدة قوى اجتماعية مدنية  من متن الفاعلية إلى هامش عريض من الصمت والفراغ ، لتزداد وطأة الركود السياسى، بمختلف أشكاله، من :

+  السلبية  المدمرة  ،

+  غياب المشاركة  الفاعلة  ،

+   الإستسلام للأمر الواقع ،

+   اللامبالاة المرضية ،

+  الميل إلى الحلول الفردية  ،

+ والرضا بما تجود به السلطة المستبدة، مهما كان قليلا، وحتى لو كانت طريقة منحه مهينة للكرامة الإنسانية ولحقوق المواطنة.

واجب قادة المعارضة المدنية والمسلحة إعادة الروح لمكونات المجتمع السوداني ، عن طريق التوعية والحشد والتعبئة  المستدامة .

رابعاً :

لقاءات وفد الجبهة الثورية في باريس مع ( موظفي ) وزارة الخارجية وبعض أعضاء حزب الخضر ، الذين طلب منهم الوفد تنوير البرلمان والحكومة بمواقف الجبهة للإطاحة بنظام البشير ، يذكرنا بإنتخابات الرئاسة الفرنسية في أبريل 2007 ، قبل حوالي 7 سنوات و7 شهور .

في أبريل 2007 ، شاركت السيدة سيجولين رويال ، المرشحة الرئاسية للحزب الإشتراكي ، في مظاهرات ضخمة  في باريس تدعم قضية دارفور . وكان إيجاد حل لمشكلة دارفور ضمن برنامجها الإنتخابي ، وكذلك ضمن البرنامج  الإنتخابي لمنافسها الديجولي ساركوزي ؟

فرنسا بلد ديمقراطي بإمتياز ، ويهتم الساسة فيه بالرأي العام الذي يضمن إنتخابهم . وقد كان  الرأي العام في فرنسا حينذاك مهووس بقضية دارفور والإبادات الجماعية وإنتهاكات حقوق الإنسان والجرائم المرتكبة فيها . ولذلك كان إهتمام مرشحي الرئاسة بقضية دارفور . كان وزير الخارجية برنارد كوشنر ملازماً للأستاذ عبدالواحد النور في باريس ويدعمه من ماله الخاص .

كان الجو وقتها  ... ( جو دارفور ) !

أما في نوفمبر 2013 ، فقد خرجت دارفور ومنطقتي النيل الأزرق وجنوب كردفان من رادار الرأي العام الفرنسي ، (  بل الأروبي )   ، وبالتالي من رادار البرلمان والحكومة في فرنسا . وبالتالي لم يستطع وفد الجبهة الثورية مقابلة متخذي القرار في الحكومة والبرلمان ،   وقنع من الغنيمة بناس الخضر وموظفي وزارة الخارجية  ، الذين لا حول لهم ولا قوة .

ثم ن موظفي وزارة الخارجية في باريس يصدقون تقارير سفيرهم وقنصلهم  ( رجل الأمن ) في الخرطوم أكثر من كلامات قادة الجبهة الثورية ؟

هل لاحظت أن الرئيس هولاند يقابل شخصياً وفود المعارضة السورية ، ببساطة لأن الرأي العام مهتم بالقضية السورية .

في المحصلة ، لم يسجل وفد الجبهة في باريس أي أهداف في مرمى نظام الخرطوم ؟

خامسا :

في يوم الأثنين 11 نوفمبر 2013 ،  وافقت المعارضة السورية مدنية ومسلحة ، تحت الضغط الأمريكي والأروبي ، على المشاركة في المؤتمر القومي الدستوري الشامل ( جنيف 2 ) ، الذي سيشارك فيه نظام الأسد ، بهدف الوصول إلى حل ( سياسي ) للأزمة السورية  ، على غرار الكوديسا في جنوب أفريقيا .

إذا كانت امريكا واروبا تضغطان  للوصول إلى تسوية سياسية عبر مؤتمر قومي  دستوري كحل لأزمة سوريا ، فهل ستدعما حلاً  ( عسكرياً ) ، أو إنتفاضة محمية (  بالسلاح )  في السودان ، وهو بعد خارج الرادار !؟
وفد الجبهة الثورية يحلم أحلام زلوطية  إذا فكر في إقناع  فرنسا  أو الدول الأروبية بالخيار (  العسكري ) ، أو الإنتفاضة المحمية  ( بالسلاح )  ، للإطاحة بنظام الإنقاذ ؟  

سادساً :

في يوم  الخميس 11 يوليو 2013 ، أعلن سفير بعثة الإتحاد الأوروبي بالسودان توماس أوليشني، عن نية الإتحاد لعقد مؤتمر قومي للوصول إلى حل شامل لكل المشاكل في السودان ، وبمشاركة كل أطراف النزاع دون إقصاء لطرف ( إتفاق غير جزئي وغير  ثنائي ) . ونفس الفكرة رددها  معه  معهد السلام الأمريكي  في ورقة  نشرها   في أكتوبر 2013  السفير برنستون  ليمان ، المبعوث  الرئاسي الأمريكي السابق للسودان.
وهذه وتلك من شربوت السيد الإمام في كنتوش أروبي ، وآخر أمريكي .

يدعو السيد الإمام إلى معالجة المسألة السودانية في خطوتين متوازيتين ، تُكمل أحداهما الأخرى  :

الخطوة الأولى عقد مؤتمر قومي  دستوري كوديسي بمشاركة جميع الأطراف ولمعالجة جميع القضايا العالقة لضمان إقامة نظام جديد بهياكل وسياسات ووجوه جديدة ، وعلى أنقاض نظام الإنقاذ ، ليقود للسلام الشامل  والعادل والتحول الديمقراطي الكامل . وقد ناقش السيد الإمام إقتراحه مع سفير الإتحاد الأروبي في الخرطوم ، وقدمه في أوراق مكتوبة لمبعوث الإتحاد الأروبي للقرن الأفريقي ودولتي السودان ( الأحد 10 نوفمبر 2013 ) ، حسب النشرة الإخبارية لبعثة الإتحاد الأوربي بالخرطوم .

وتم إقتراح هايدلبرج في المانيا كمكان لعقد هذا المؤتمر القومي .

إذا فرنبت حكومة الخرطوم وإستكبرت وحاولت أن تلعب لعبة الملوص والثلاث ورقات لكسب الوقت ، فالخطوة التالية والموازية سوف  تكون الإضرابات الإعتصامية ، والعصيان المدني الذي يقود إلى الإنتفاضة الشعبية السلمية وغير المستنصرة بالأجنبي . وأكد السيد الإمام إنهم  في حزب الأمة بصدد التخطيط   لتوفير المعينات والروافع اللازمة لنجاح وإستدامة وضمان  سلامة (  مليونية )  المظاهرات الإعتصامية  . أكد السيد الإمام على أهمية توفير هذه المعينات حتى لا تتكرر مجازر سبتمبر 2013 ، حيث مات  ، سنبلة ،  أكثر من 250 شهيد ، وجُرح أكثر من الف متظاهر ، وتم إعتقال أكثر من 2000 مواطن بواسطة قوات ومليشيات الأمن .

سابعاً :

في يوم  الأحد  10 نوفمبر 2013 ، نفت الجبهة الثورية ،  بشكل قاطع  ، مناقشة المسؤولين الفرنسيين معها مبادرة   من الأتحاد الأروبي  لعقد  مؤتمر قومي دستوري حول السودان .

ولكن نفي الجبهة  لا ينفي وجود هكذا مبادرة  كما تقول أدبيات الإتحاد الأروبي في نشراته الإخبارية وتصريح مبعوثه الخاص للقرن الأفريقي ودولتي السودان .  ربما تمت مناقشة هذه المبادرة مع وفد  الجبهة في بروكسل ، مقر رئاسة الإتحاد الأروبي .

في هذا السياق ، صرح  وفد الجبهة  أن  الهدف من زياراته لعدد من دول الاتحاد الأوروبي هو (  تهيئة مناخ أفضل من أجل التغيير وإسقاط النظام  )  ؟

تصريح هلامي حمال أوجه وغير محدد .

هل طلب الوفد دعماً ( عسكرياً  ) من فرنسا ومن دول الإتحاد الأروبي لإسقاط النظام ؟

يعد دعم الخيار ( العسكري ) من  فرنسا ومن  باقي الدول الأروبية من رابع المستحيلات  بعد الغول والعنقاء والخل الوفي ؟

إذن ماهي وسائل الجبهة الثورية لإسقاط النظام ، إذا رفضت المؤتمر القومي الدستوري الذي دعا له السيد الإمام وباركه الإتحاد الأروبي وإدارة اوباما ؟

هل تعلم الجبهة الثورية أنه إذا كان الصراع ( العسكري )  يقود فى النهاية إلى مائدة التفاوض  ، فإن الصراع  ( السياسي )  من باب أولى سيقود إليها أيضاً ؟

ثامناً :

تحسن الجبهة  الثورية صُنعاً  بدراسة وتدبر الموقف الإقليمي والدولي . دعنا نقرأ بعض البعض من هذين الموقفين ؟

+ تضغط  إدارة اوباما والإتحاد الأروبي  على الرئيس سلفاكير ليفك الإرتباط مع الجبهة الثورية ، وهددتا بأنهما لن تدعما   جوبا مالياً ،   وبترولها غير مُستغل ؟ طرد الرئيس سلفاكير وقصّ أجنحة القيادات المدنية والعسكرية  في حكومته الداعية لدعم الجبهة الثورية ، خصوصاً الحركة الشعبية الشمالية  ، من أمثال باقان أموم ودينق ألور ورياك مشار .

صار ظهر الجبهة الثورية في دولة جنوب السودان مكشوفاً .

+ هدد الإتحاد  الأفريقي حركات دارفور الحاملة السلاح بتوقيع عقوبات عليها ، والطلب من مجلس الأمن توقيع عقوبات إضافية عليها ، إذا لم تنضم لإتفاق البشير – السيسي ( الدوحة  يوليو 2011 ) .

+ يواصل الرئيس إدريس دبي دعمه لنظام الخرطوم ضد حركات دارفور المسلحة ، وآخر تجليات ذلك الدعم  :

•    لقاء أم جرس  ( شرق تشاد ) لزغاوة دارفور في محاولة لدق إسفين بين زغاوة دارفور وحركتي جبريل ابراهيم ومني أركو مناوي .

•    ومرافقة وزير خارجية تشاد للمنشق دبجو ( قائد قوات حركة العدل والمساواة المنشق )  ، الذي وقع  إتفاقية سلام مع حكومة الخرطوم  ،  في زيارته للخرطوم ( الأربعاء 13  نوفمبر 2013 ) .

+ تخلى حكومة يوغندا من دعم ربيبتها حركة

M23

المتمردة في شرق الكونغو ، وتجريدها من سلاحها ، وإرغامها على توقيع إتفاقية سلام مع حكومة الكونغو .
هل آن الأوان للجبهة الثورية أن تبل رأسها في كمبالا ، آخر معقل لقادتها ؟

+ تدعم إدارة أوباما والإتحاد الأروبي تسوية سياسية  شاملة للمسألة السودانية ، مع إستبعاد الخيار العسكري والإنتفاضة الشعبية المحمية بالسلاح ، كما في الحالة السورية .

+ توجد جفوة عميقة بين قطر والجبهة الثورية ، مع العلم  إن قطر هي الدولة العربية الوحيدة الداعمة لمجهودات السلام في السودان .

+ الموقف العام الإقليمي والدولي غير داعم بل معارض للجبهة الثورية كما أختزلناه أعلاه . في هذه الحالة تُحسن الجبهة صنعاً بالتنسيق مع تحالف قوي الإجماع الوطني ، وخصوصاً مع السيد الإمام الذي سعى إلى لقاء قادتها في كمبالا ، وطلب منه الفريق مالك عقار أن يقدم طلباً ممهوراً بتوقيعه قبل السماح له بالمقابلة ؟
التقط السفير برنستون ليمان هذا التصرف غير اللائق ودعا لشيطنة الجبهة الثورية .

لم يدر بخلد الفريق مالك عقار أن تصرفه العدواني ضد السيد الإمام سوف تكون له تداعيات سلبية دولية ترتد إلى نحره  ، وإلى نحر قضيته النبيلة ؟

قبل إنفصال دولة جنوب السودان ، كان الفريق مالك عقار نائب رئيس الحركة الشعبية  الموحدة ، وكان إبن واشنطون المدلل . أما بعد الإنفصال ، وتكوين الحركة الشعبية الشمالية فقد فقد الفريق مالك عقار موقعه المميز . بل على العكس تعمل واشنطن على شيطنته  وشيطنة الحركة الشعبية  الشمالية ، والضغط على الرئيس سلفاكير لكي يفك إرتباطه معها ؟

يمكن الإشارة لمثال من بين عشرات :

هل تذكر الهجوم المقذع  الذي شنته   السيدة آن  رتشارد مساعدة وزير الخارجية الأمريكي للسكان واللاجئين والهجرة  ( جوبا – نوفمبر 2012 ) على الحركة الشعبية الشمالية لتجنيدها الأطفال في قوات الحركة الشعبية الشمالية ؟

قلتم أنى هذا ، قل هو من عند أنفسكم ؟