Facebook.com/tharwat.gasim
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

1 -  قوى الحراك الإصلاحي؟

كان من تداعيات  انفصال جنوب السودان في يوليو 2011  ،  أن  قدمت مجموعة  إصلاحية في الحركة الإسلامية  أطلقت على نفسها ( سائحون )  ، ومعظمهم من الشباب و( المجاهدين ) ،  ما عرف بمذكرة الألف عضو . إقترحت المذكرة بعض الإصلاحات الإدارية مع إستمرار الرئيس البشير رئيساً للمؤتمر الوطني والدولة  .

بعد ( سائحون ) تشكلت  مجموعة إصلاحية أخرى من داخل المجلس التشريعي القومي ، وقدمت مذكرة  باسم الهيئة البرلمانية  ؛ طالبت  فيها بإصلاحات في الحزب والدولة .

ثم تشكلت مجموعة إصلاحية أخرى  من أساتذة الجامعات   ، وقدمت عدة  مذكرات  إصلاحية  .

تجمعت هذه المجموعات  الإصلاحية  فيما يُسمى   ( قوى الحراك الإصلاحي ) ، التي أرسلت  في يوم السبت 28 سبتمبر 2013   رسالة مفتوحة  للرئيس البشير بعنوان ( رسالة للرئيس البشير ) ، طالبت فيها بإلغاء الزيادات على أسعار المحروقات ، وأصلاحات هيكيلة في الحزب والدولة .

ظهرت الشخصيات المقدمة لهذه الرسالة المفتوحة   ( الثالثة )  للعلن  وكشفوا عن شخصياتهم ،  لأول مرة .  من الموقعين ال 46 على هذه الرسالة  المكشوفة للرئيس البشير ، يمكن ذكر  الدكتور غازي صلاح الدين ، والعميد  ود إبراهيم و10 من زملائه الضباط المتقاعدين .

إنزعج  نبلاء المؤتمر الوطني  من تطاول قوى الحراك الإصلاحي على سلطة  الحزب والدولة  ، ونشرهم  رسالتهم على الملأ بدلاً من داخل أوعية المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية  ، فكونوا  لجنة  تنظيمية لمحاسبة الموقعين ال 46 على الرسالة المفتوحة .  

في يوم الأثنين 21 أكتوبر 2013 ،  قررت لجنة  المحاسبة  تجميد عضوية الموقعين ال 46 على الرسالة المفتوحة ، إلى حين  اكتمال إجراءات محاسبتهم.

نست الحكومة وربما تناست  الآية 38 في سورة الشورى  :

( وَأَمْرُهُمْ  شُورَى بَيْنَهُمْ )

وكذلك الآية 159 في سورة آل عمران :

( وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ )

وهذه الشورى يجب ألا تقتصر على  الملأ من قوم  الحكومة   وحزبها   وحركتها  الإسلامية ، ، بل تشمل كل  المعارضة المدنية  والسياسية .

لم تقبل الحكومة وحزب المؤتمر الوطني  الشورى والمناصحة   ،  التي أمرهم بها سبحانه وتعالى في محكم تنزيله ، من أولاد المصارين البيض ، بل حاسبتهم حساباً عسيراً ، وأذلتهم  وعاقبتهم  بتجميد عضويتهم في الحزب . إذا كان الأمر كذلك مع أولاد المصارين البيض في أمر المناصحة والشورى لمصلحة   وتقوية ودعم المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية   ، فكيف نتوقع من نبلاء الحكومة والمؤتمر الوطني أن يقبلوا بمائدة مستديرة كوديسية مع  خصومهم وأعدائهم في المعارضة المدنية والحاملة السلاح  ، الذين يهدفون إلى تفكيك المؤتمر الوطني والإطاحة بالحكومة .

هذا أمر دونه   خرط  القتاد  ، أي أهون منه   نزع لحاء  شجر القتاد الممتلئ شوكاً باليد ؟
ثلاثة ملاحظات جديرة بالتدبر :

اولاً :

قفلت هذه المحاسبة باب المائدة المستديرة الكوديسية بالضبة والمفتاح ؛ ولم يبق لقوى المعارضة المدنية والحاملة السلاح من خيار لإقامة ( نظام جديد )  غير الأضرابات والمظاهرات والإعتصامات السلمية وصولاً إلى العصيان المدني والإننتفاضة الشعبية المليونية ، للإطاحة بالنظام .

ثانياً :

لم تنضم قوى الحراك الإصلاحي لحزب المؤتمر الشعبي ، ولم تكون حزباً مستقلاً عن المؤتمر الوطني ، كما لم تنضم لتحالف قوى الإجماع الوطني . ولم تشارك هذه القوى في أحتفالية حزب الأمة بثورة أكتوبر في دار حزب الأمة يوم الأثنين 21 أكتوبر 2013 .

تؤمن قوى الحراك الإصلاحي بأنها ( صاحبة بيت ) وإنها عائدة إلى بيتها  وراجحة ؟

ثالثاً :

تضرب  هذه المحاسبة  ، وفي مقتل ، مبادرة لم الشمل بين المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي ، للتصدي للتحدي المصري المتمثل في مبدأ ( المعاملة بالمثل ) ، الذي أتخذه نظام السيسي منهاجاً للتعامل مع حكومة الخرطوم ، بعد نكبة جماعة الأخوان في مصر ( راجع مقالاتنا السابقة في هذا الموضوع )  .

في سياق مبادرة لم الشمل  ،  وفي مساء  السبت  14 سبتمبر 2013 ، راى الناس الشيخ الترابي يسلم على الرئيس البشير بالأحضان ، ويدخلان في ونسة دقاقة طويلة  ( رأس  4 عيون ) ، في سرادق عزاء المرحوم  وزير مالية  ولاية جنوب كردفان في الخرطوم  . 

ظن الناس ، وبعضه أثم ،  أنها ونسة  لها  ما بعدها . وجاءت محاسبة قوى الحراك الإصلاحي  لتقفل باب هذه الونسة ، بل ربما باب مبادرة لم الشمل نفسها ؟

في يوم الأحد 15 سبتمبر 2013 ، أكد الرئيس البشير أن عام 2014 سوف يشهد نهاية الصراعات المسلحة والتسوية السياسية الشاملة مع مكونات المعارضة المدنية والحاملة السلاح ،  ربما لمواجهة فترة ما بعد  مرسي والأنذار المصري ، في جبهة وطنية عريضة ومتحدة .

ولكن جاءت موية قوى الحراك الإصلاحي لتكذب الغطاس ؟

رابعاً :

هناك عدة فروقات  جوهرية بين محاسبة بعض منسوبي قوى الحراك الإصلاحي في أكتوبر 2013 ، ومفاصلة رمضان في ديسمبر 1999 . من أهم هذه الفروق إن الشيخ الترابي وصحبه كانوا  وقتها ( 1999 ) داخل السلطة ، في حين أن دكتور غازي العتباني وصحبه خارج السلطة  الآن ( 2013 ). 

وهذا فرق قدر الضربة !

في هذه المناسبة ، نحكي  في هذه المقالة تفاصيل   قصة القشة الأسطورية التي أدت  لمفاصلة رمضان 1999 وقصمت ظهر الحركة الاسلامية ؟

2-             مفاصلة يوم الأحد 12 ديسمبر 1999 ؟

كان يوم الأحد 12 ديسمبر 1999 يوماً مشهوداً في تاريخ السودان الحديث . ففي ذلك اليوم حدثت المفاصلة الشهيرة داخل الحركة الإسلامية السودانية ...  تم إعلان حالة الطوارئ ، وحل المجلس التشريعي القومي ، وإزاحة الشيخ حسن الترابي وصحبه من حزب  المؤتمر الوطني والحكومة ، وتم فيما بعد تكوين حزب المؤتمر الشعبي بقيادة الشيخ الترابي  كحزب معارض .

سنحاول في هذه المقالة  كشف النقاب عن  القشة الأسطورية التي أدت مباشرة لهذه الأحداث ، وسنترك للتاريخ تقييم تلك المرحلة فلها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.


3 – الدولة العميقة  .

في مقالة  سابقة ، إستعرضنا الدولة العميقة  ( المتخفية ) بقيادة الشيخ حسن الترابي وحوارييه ، التي كانت متحكمة من وراء ستار في كل مفاصل الدولة  خلال العشرية الأولى من حكم الإنقاذ ...  المفاصل التشريعية والقضائية والتنفيذية ( الحكومة ) . وضربنا لكم الأمثال بحكايتين تؤكدان وجود هذه الدولة العميقة وقوتها المطلقة .

في العشرية الأولى  ، جاهد الشيخ الترابي في  جعل السلطة صنوا للإسلام، الذى لا يقبل التداول أو التغيير أو النقد  أوالمعارضة وفقا لولاية الفقيه ( الشيخ )   فى أسوأ الأحوال، أو ولاية الحركة الإسلامية  فى أحسنها.

بمرور الوقت ، أحدثت هذه الهيمنة  (  الترابية )  بعض التذمر المكبوت وسط قطاعات واسعة من  قادة وكوادر وقواعد الحركة الأسلامية التي كانت في الحكومة التنفيذية ،  ولكنها لم تكن من حواري الشيخ الترابي . وصلت أصوات أجراس هذا التذمر لأذني الرئيس البشير  من مختلف القطاعات الفاعلة في الدولة ، وخاصة في القوات المسلحة كما ذكرنا في حكاية العميد طيار فيصل مدني مختار  .

أنتظر الرئيس البشير فرصة مواتية لإحداث ثورة تصحيحية ، وإنهاء الثنائية القاتلة في قمة السلطة بينه وبين الشيخ  الترابي ، والفتك بالدولة العميقة التي يقودها الشيخ .

لبنت هذه الفرصة في يوم الأحد 12 ديسمبر 1999 ، وقدمها  الشيخ الترابي للرئيس البشير على صحن من ذهب ، فإهتبلها الرئيس البشير ،  وواجه التحدي  الكبير بقلب عازم  ثابت متوكل  ، وكانت  الواقعة التي ليس لوقعتها كاذبة .

دعنا نحكي قصة القشة الأسطورية التي قصمت ظهر الدولة العميقة وقذفت بالشيخ الترابي وحوارييه الى التوج البراني . 

4-  القشة الأسطورية ؟

نقل  صديق مقرب  من المرحوم عبدالعزيز شدو ( نائب الشيخ الترابي  في المجلس  التشريعي القومي  وقت الحدث   )   عنه  ، الوقائع التالية  بخصوص القشة الإسطورية التي قادت الى المفاصلة في يوم الأحد 12 ديسمبر 1999 ، ونختزلها أدناه للتاريخ خصوصاً ورواتها بين يدي جليل رحيم  :

قال : 

خلال العشرية الأولى للإنقاذ ، طارت سكرة السلطة المطلقة في راس  الشيخ الترابي وصار كالفرعون ( لا أريكم إلا ما أرى ) !

كانت عشرية الترابي عشرية الهوس الديني ، والجهاد ضد اخوة الوطن ؛    عشرية القرود والسحاب وعرس الشهيد ،  ومحاربة الثقافة السودانية واستبدالها باخرى سلفية  طالبانية  ؛ كانت عشرية  التجهيل العالي ، وإعادة صياغة المجتمع السوداني  بمشروع  ( حضاري ؟ ) وهمي  ما أنزل الله به من سلطان ؟

كانت تلك أيام بئيسات ؟

ولكن ذلك موضوع أخر ، فلنرجع لموضوعنا .

في نوفمبر 1999 سعي الشيخ الترابي  لتقليص سلطات الرئيس البشير أكثر ، بأن طبخ مشروع قانون لتمريره في المجلس التشريعي القومي   يدعو لأنتخاب الولاة من الشعب مباشرة ، بدلاً من تعيينهم بواسطة الرئيس البشير .

رفض الرئيس البشير أقتراح الشيخ الترابي المدابر لبنود دستور 1998  رفضاً باتاً ، لأنه يقلل من قبضته السياسية والأمنية على الولايات  ، وبالتالي على  بلاد السودان . لم ينجح الرئيس البشير في إقناع الشيخ الترابي بصرف النظر عن إقتراحه  المدمر لسلطات  وإختصاصات الرئيس البشير كرئيس للجمهورية .

تدخل الوسطاء لدى الشيخ الترابي لسحب إقتراحه  أرضاءاً  للرئيس البشير ، ولكنه رفض في أباء وشمم  ، وإستهجن تدخل الوسطاء .

في ذلك الوقت ، كان الأستاذ علي عثمان محمد طه الرجل الوحيد الذي أستطاع  الكلام مع الشيخ الترابي ،  في صراحة وبدون نفاق  ،  لتأمين ثورة الإنقاذ والحركة الإسلامية من أي تصدعات جراء الخلاف الذي صار مكشوفاً بين الشيخ والرئيس حول مشروع قانون أنتخاب الولاة .

ولكنه لم ينجح في تغيير موقف الشيخ المتعنت ؟

في يوم الخميس 9 ديسمبر 1999 ، قابل المرحوم شدو الشيخ الترابي في مكتبه في المجلس التشريعي القومي ، وكان المرحوم شدو وقتها نائب الترابي في رئاسة المجلس .

قرأ المرحوم شدو على الشيخ الترابي فقرات من دستور 1998 ، وبالأخص صفحة 19 الخاصة ب ( إختصاصات رئيس الجمهورية ) ، وصفحة 55 الخاصة ب ( سلطات رئيس الجمهورية ) .

نصح المرحوم شدو الشيخ الترابي بأن الرئيس البشير له الحق الدستوري  ، كرئيس جمهورية ، في تعيين الولاة ، بحسب دستور 1998 .  وأن على الشيخ الترابي أن يعمل اولاً على تغيير دستور 1998 ، إذا أصر على إنتخاب الولاة  بواسطة مواطني الولايات بدلاً من تعيينهم بواسطة رئيس الجمهورية كما هو مُضمن في دستور 1998 ؟
قال المرحوم شدو للشيخ الترابي صراحة بان الرئيس البشير ، له مطلق الحق كرئيس للجمهورية  ،  وحسب منطوق دستور 1998 ، بأن  يعلن حالة الطوارئ  ، ويحل المجلس التشريعي القومي ، إذا أصر الشيخ الترابي على تمرير مشروع القانون في المجلس . ببساطة لان حل المجلس سوف يكون  الحل الوحيد  أمام الرئيس البشير لوقف تمرير قانون إنتخاب الولاة في المجلس ، وقبل أن يضع الشيخ الرئيس البشير أمام الأمر الواقع . 

ختم المرحوم شدو مرافعته قائلاً :

ووقتها لن يكون أمامنا من مخرج  ( المرحوم شدو والشيخ الترابي ) غير أن نلزم بيوتنا ؟
قاطع الشيخ الترابي المرحوم شدو بحدة  ، صارخاً :

لن يستطيع !

في مساء نفس يوم الخميس 9 ديسمبر 1999 ، ذهب المرحوم شدو للشيخ الترابي في منزله في المنشية ، حاملاً دستور 1998 في يده  ، وعلى الصفحات ذات العلاقة بموضوع سلطات وإختصاصات رئيس الجمهورية علامات لسهولة الرجوع إليها وهو في معية الشيخ .

فتح المرحوم شدو الموضوع مرة أخرى ، في محاولة لأقناع الشيخ بأن مصير المجلس التشريعي في خطر ، وبحسب نصوص الدستور . ذكر المرحوم شدو الشيخ بأن الرئيس البشير له الحق الدستوري في حل المجلس التشريعي ، ليمنع تمرير  المجلس لمشروع قانون أنتخاب الولاة من الشعب بدلاً من تعيينهم بواسطة رئيس الجمهورية . ببساطة لأن الشيخ قد وضع الرئيس البشير في الناصية  ، ولن يستطيع الخروج منها إلا بحل المجلس . وإلا أصبح طرطوراً وليس رئيساً ؟

قبل أن يدخل المرحوم شدو في تفاصيل بنود الدستور المعنية  ، قاطعه الشيخ قائلاً :

أعرف ، ولكنه لن يجرؤ !

رد المرحوم شدو :

يا شيخ حسن أنت عاوز مصير المجلس التشريعي يعتمدعلى  :

هل ضابط عسكري يجرؤ أم لن يجرؤ ؟

بعد لقائه بالشيخ  مساء الخميس 9 ديسمبر 1999 وفشله في إقناع الشيخ بتغيير موقفه المتعنت ، سافر المرحوم شدو الي مدني مساء نفس يوم  الخميس ، وعاد للخرطوم  صباح  السبت 11 ديسمبر 1999 .
ولا زال الشيخ على موقفه المتعنت المتصلب يوم السبت 11 ديسمبر 1999؟

في يوم الأحد 12 ديسمبر 1999 ، وقعت الواقعة التي ليس لوقعتها كاذبة .

نزلت الدبابات في شوارع أم درمان وطوقت المجلس التشريعي وباقي الأماكن الحساسة في العاصمة المثلثة .
حل الرئيس البشير المجلس التشريعي ، ولزم الشيخ الترابي منزله وكذلك المرحوم شدو ، كما تنبأ بذلك المرحوم شدو .

برهن الرئيس البشير بالبيان بالعمل  على خطل كلمتي الشيخ الترابي للمرحوم شدو :

لن يجرؤ !

وبقية القصة معروفة للجميع !

وفي يوم الأحد 4 أغسطس 2013  ، وبعد مرور  أكثر من 14 سنة على الحدث ، يبرئ الشيخ الترابي الرئيس البشير من أي مسؤولية في أحداث يوم الأحد 12 ديسمبر 1999 التي قادت للمفاصلة الشهيرة  ،  ربما تمهيداً لمبادرة لم الشمل ، وربما فلتة لسان  ؟

أعلاه قصة شاهد على الحدث وقد صار بين يدي ربه ، وما علينا إلا إحترام مقولاته وتحري الصدق فيها ، وإلا  أصابنا أثم عظيم  ، ذلك انه لا يستطيع أن يعلق عليها .

نواصل ...