Facebook.com/tharwat.gasim
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.



1 -     الذكرى ال 49 لأكتوبر الخضراء  .

تحل يوم الأثنين 21 أكتوبر 2013  الذكرى التاسعة والأربعون لثورة أكتوبر الخضراء التي تفجرت يوم الأربعاء 21 أكتوبر 1964 . في هذه المناسبة ، وبعد تفجر هبة سبتمبر الشعبية وذهابها في إستراحة محارب  لأكثر من أسبوعين  ومنذ الثاني من اكتوبر  ... رغم استمرار وجود  بل تفاقم الأسباب الموضوعية ( سياسية ، وإقتصادية  ، وإجتماعية ) التي أدت  لإندلاعها .

بعد هذه الإستراحة  ، يحق لنا أن نسأل سؤال المليون دولار :

ما هي إحتمالات تفجير أكتوبر ثانية قبل حلول عيدها الخمسين في 2014 ؟

ماهي المتشابهات وأوجه الخلاف بين ظروف وملابسات اكتوبر 1964 واكتوبر 2013 ؟

ماهي معوقات اندلاع أكتوبر ثانية  قبل حلول عيدها الخمسين ؟ وماهي الروافع ، إن كانت هنالك روافع لضمان تفجيرها ونجاحها ؟

ثم ( نحن ماشين وين ؟ ) ، وهل نقترب  من أكتوبر ثانية  ،  أم نبتعد  عنها بمرور الأيام والإفراط في القمع والعنف الأهوج  ، والتعود على  ومعايشة الحال المايل ؟

أسئلة مشروعة وجاء وقت طرحها في هذه الذكرى . وسوف نحاول الإجابة عليها في عدة نقاط ،  لفرز الكيمان وإجلاء الصورة ، وتلمس الشجر عن قرب ، مع النظر إلى الغابة  عن بعد  .

نستعرض الموضوع في 6  نقاط  كما يلي :

+ أمر القبض الدولي ؛

+ خصي الطبقة الوسطى وحالة اللامبالاة الشعبية ؛

+ المظاهرات الجماهيرية المليونية  بدلاً عن المظاهرات المئوية التي يمكن لقوات الأمن تفريقها ؛

+ التعبئة وتنظيم المقاومة الشعبية ( مقال الناشط الأمريكي اليكس ديوول  والبرفيسور اريك  ريفز ) ؛

+ أدلجة و( تدليع ) القوات النظامية والمليشيات المسلحة غير النظامية ؛

+   دعم منتفعي الحركة الاسلامية للنظام  ونقنقة مصلحيها !

ونبدأ  هذه الحلقة الأولى من سلسلة  المقالات  بأمر القبض الذي أصدرته محكمة الجنايات الدولية ضد الرئيس البشير .

2- أمر القبض ؟

في يوم الاربعاء 4 مارس 2009  ،  أصدرت المحكمة أمر قبض ضد الرئيس البشير في خمسة تهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية ، وتهمتين بخصوص جرائم حرب في دارفور .

في يوم الأثنين الموافق 12 يوليو 2010 ،  أعلنت المحكمة تضمين ثلاث تهم تخص الإبادة الجماعية في ملف أمر القبض ؛ لأول مرة في القرن الحادي والعشرين  يتم إتهام  شخص بهذه التهمة  الخطيرة !

صار أمر القبض يحتوي على 10 تهم ؟

يمرور الزمن  صار  أمر القبض  يحاكي  القصة  الأسطورية  التي تحكي عن الفيل في الحجرة الذي يتظاهر الجميع بعدم رؤيته مع أنه  موجود وشاخص يطرد النوم من العيون .

يتظاهر الرئيس البشير  والملأ من قومه ،  بتجاهل وتسفيه أمر القبض ، ولكنه محفور في وجدانهم  ، وفي كوابيسهم النهارية  .

في يوم  الأربعاء، 30 مايو 2012 ، حكمت محكمة الجنايات الدولية على الرئيس السابق لجمهورية ليبريا  ( شارلس تيلور )  بالسجن لمدة 50 عاماً لجرائم حرب إرتكبتها قواته في دولة سيراليون المجاورة ( 1991-  2002 )  ، أفظعها جريمة الإغتصاب  الجماعي لنساء سيراليون .

في المقابل فإن التهم العشرة  التي سجلتها المحكمة ضد الرئيس البشير في صحيفة أمر القبض تحتوي على تهم تشيب لها الولدان ، وأفظع  من تهم  ( شارلس تيلور )  آلاف المرات  ،  وربما قذفت بالرئيس البشير ، في حالة ثبوتها  ضده  بعد المحاكمة ،  مئات السنوات في سجون لاهاي !

3- ملاحظات عن تداعيات أمر القبض ؟

يمكن إختزال  بعض تداعيات أمر القبض في النقاط التالية :

أولاً :

موقف الرئيس عبود الشخصي في أكتوبر 1964 مختلف جداً من موقف الرئيس البشير في أكتوبر 2013 .

كان الرئيس عبود حراً ، لا تمنعه   من ترك السلطة  غير سلفية أخذها من البنك لبناء داره في حي العمارات ، كما أسرّ للسيد الإمام وهو يفاوضه ( مع آخرين ) على ترك السلطة .

أما الرئيس البشير فهو مكبل بجنازير أمر قبض دولي  .

ثانياً :

يعرف الرئيس البشير وبالتجربة منذ  صدور أمر القبض ، بأن استمراره في السلطة هو الضمان الحصري لعدم تفعيل أمر القبض ضده ، واقتياده مخفوراً كما الرئيس شارلس تيلور إلى لاهاي .

استقال الرئيس  شارلس تيلور من منصبه كرئيس منتخب لجمهورية ليبريا في إطار صفقة ضمنت عدم ملاحقته قضائياً ، ثم تدخلت محكمة الجنايات الدولية ، وقبضت عليه وحاكمته رغم الصفقة التي أبرمها مع مجموعة دول الإكواس في غرب أفريقيا  .

سوف تظل مآلات الرئيس شارلس تيلور محفورة في ذاكرة الرئيس البشير ، وتؤثر في قراراته بعدم المثول أمام المحكمة في لاهاي  ، تحت كل الظروف  والملابسات .

ثالثاً :

أمر القبض يشرح المفاوضات العبثية التي يجريها الرئيس البشير مع قادة المعارضة ، فقط لكسب الوقت وذر الرماد في العيون . وسوف تستمر حجوة أم ضبيبينة التفاوضية  حتى آخر نملة ، فالرئيس البشير مستعد للتفاوض مع المعارضة السياسية حتى يوم القيامة العصر ، كما قال شامير بخصوص التفاوض العبثي مع الفلسطينين  عشية مؤتمر مدريد للسلام  ( نوفمبر 1991 )  .

في المحصلة ، سوف يرغم أمر القبض الرئيس البشير للتفاوض مع المعارضة  من أجل التفاوض وحتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً  ؛  وتسليم  طيبي  المعارضة حبالاً لن يجدوا  أي أبقار في نهاياتها  .

رابعاً :

أمر القبض يفرض على الرئيس البشير عدم التنحي والإستقالة ، وعدم تفكيك نظام الإنقاذ  ، وإبداله بنظام جديد ، وإلا كان مصيره كما مصير شارلس تيلور .

خامساً :

أمر القبض يرغم الرئيس البشير ، ورغم أنفه ، على القمع المفرط والعنف غير المبرر ضد المتظاهرين من الشباب ، وقتل الأطفال وهم في لباس مدارس مرحلة الأساس  .

يعرف الرئيس البشير أن  نجاح المظاهرات الشعبية كما في أكتوبر 1964 سوف يقود إلى زوال حكمه كما حدث مع الرئيس عبود .  ونسبة  للفرق الكبير  بينه وبين الرئيس عبود ، كما ذكرنا آنفاً ،   فسوف يستميت الرئيس البشير في قمع المظاهرات الشبابية  والوقفات الإحتجاجية ويدمغ المشاركين فيها بشذاذ الآفاق والمخربين والمجرمين .

يعرف الرئيس البشير أنه أمام خيارين :

إما قاتل أو مقتول ؟

ولن يقبل الرئيس البشير بأن يكون المقتول بأمر القبض الدولي .

سادساً :

أمر القبض يرغم الرئيس البشير ليكون متشدداً مع الإصلاحيين في الحركة الإسلامية  والمؤتمر الوطني ، ويرفض  مذكراتهم  التصحيحية ، بل يعقد اللجان التنظيمية لمحاسبتهم وعقابهم على تجرؤهم تقديم النصح  والمشورة له ، وهو مكبل بأمر القبض . نقنقة وتململ  وحراك الكوادر الإصلاحية في الحركة الإسلامية وحزب المؤتمر الوطني سيصب الزيت على نار السخط الشعبي  العام ضده ، وربما قاد  في المحصلة إلى إسقاطه ونظامه ، وبعدها إلى لاهاي وبروشها الباردة .

لا  ...   لن يسمح الرئيس البشير لجماعة ( سائحون )  وغيرها من الجماعات الإصلاحية أن تقذف به إلى أتون لاهاي الملتهبة .

ومن ثم المحاسبة  المذلة والعقاب  الرادع  لكل من تسول له  نفسه تقديم المناصحة لتقويم المسار .

سابعاً :

أمر القبض أرغم الرئيس البشير ليرفض إتفاق عقار- نافع الإطاري ( أديس أبابا –   الثلاثاء 28 يونيو 2011 ) ، لأن المؤسسة العسكرية وقفت ضد الإتفاق  ، كما  جاء في كلمة رئيس تحرير صحيفة القوات المسلحة  ( السبت 2 يوليو 2011 )  التي دعا فيها لرجم المؤتمر الوطني بالحجارة  لموافقته على الإتفاق . ويعرف الرئيس البشير أن المؤسسة العسكرية هي ضمانه الصلب ضد تفعيل أمر القبض ،  وفي مواجهة معارضيه ،  وبالتالي تثبيت عرشه !   ولا يجرؤ ، لذلك ، على إتخاذ أي قرار يخالف رغبتها وثوابتها ، التي تدعو للقضاء على حركات التمرد بالقوة الخشنة فقط .

يخشى الرئيس البشير من غضب المؤسسة العسكرية التي ربما  عملت على تفعيل أمر القبض بتسلميه وزملائه الآخرين  للمحكمة في لاهاي ، بغتة وهو لا يشعرون  .

ثامناً :

أمر القبض وراء الصرف السياسي والأمني والإداري المبالغ فيه ؛  ولكنه  صرف مطلوب لتمويل استمرار  الرئيس البشير على السلطة ؛ لتفادي تفعيل أمر القبض ، في حالة تململ ونقنقة  المؤسسات العسكرية والامنية  النظامية وغير النظامية ، إذا نضبت الموارد المالية   . لا يستطيع  الرئيس البشير  القيام بخفض المصروفات السياسية والأمنية والإدارية  المطلوبة  لإستمراره على السلطة ، ما يدفعه لتحميل الشعب أعباء تمويل هذه المصروفات  عن طريق زيادة أسعار المحروقات ، والدولار الجمركي  ، وإجراءات إقتصادية أخرى في الطريق .

زيادة أسعار  المحروقات لم تكن الأولى  ولن تكون الأخيرة ، بل هي حلقة في سلسلة سوف تطول ، ما ظل فيل أمر القبض في الحجرة  . كذلك الإحتجاجات التي واجهها النظام بعنف غير مسبوق ضد المتظاهرين المدنيين العزل لم تكن الأولى ولن تكون الأخيرة ، وسوف يزداد العنف مستقبلاً ، خصوصاً إذا تمت محاكمة  وسجن  الرئيس كينياتا في لاهاي .

تاسعاً :

أمر القبض سيمنع الرئيس البشير من قبول اقتراح السيد الإمام بعقد كوديسا سودانية مستديرة ، لا تقصي أحداً من المعارضة المدنية والمسلحة ،  وتقود إلى إقامة ( نظام جديد ) يهدف للسلام العادل الشامل والتحول الديمقراطي الكامل ؛ وتكون هذه الكوديسا  بمثابة إجراء إستباقي يتجاوز الإضراب العام والعصيان المدني  ضد نظام الإنقاذ . 

يشعر الرئيس البشير بأن الكوديسا فخ للإيقاع به في شراك أمر القبض ، كما حدث للرئيس السابق شارلس تيلور ، ولذلك فلا محل لها من الإعراب في قاموسه  .

عاشراً : 

يبتسم الرئيس البشير مستخفاً بتوكيد السيد الإمام بأنه سيعمل على إقناع مجلس الأمن بمعالجة أمر القبض بما يضمن إحقاق العدالة ، وتأمين الأمن والإستقرار . ويشير الرئيس البشير إلى  أوهورو كينياتا ، رئيس كينيا ، وربيب أمريكا  والدول الأروبية ، والتي لم تستطع هذه الدول بكل جبروتها  إيقاف محاكمة  إبنها البار في لاهاي .

في يوم الجمعة 18 اكتوبر 2013 ،  رفضت المحكمة  طلب الرئيس كينياتا  محاكمته  عبر السكايبي ( فيديوكونفرنس ) ، بأن تستجوبه  المحكمة وهي جالسة في لاهاي  ، وهو في نيروبي ،  عبر الفيديوكونفرنس . كما قررت المحكمة مثول الرئيس كينياتا بشخصه أمامها في أول جلسة  محاكمة  يوم الثلاثاء 12 نوفمبر 2013 ، وفي معظم الجلسات اللاحقة .

إذا قرر الرئيس كينياتا المثول لقرارات المحكمة ، فسوف يقفل مثوله أمام المحكمة  ملف أمر قبض الرئيس البشير نهائياً ، ويجعل أحتمال شطبه أو تجميده  رابع المستحيلات الأسطورية  بعد الغول والعنقاء والخل الوفي .

أحد عشر :

يستبعد الرئيس البشير محاكم الهجين التي إقترحها السيد الإمام ، لأنها ربما قادت إلى إدانته عندما يترك السلطة ويقف في قفص الإتهام  مواطناً عادياً . كما لا تسمح له كرامته الوقوف متهماُ في محكمة سودانية ،  وهو رئيس دولة . ثم ربما لا تقبل محكمة الجنايات الدولية بفكرة محاكم الهجين ؟

أثناء  عشر :

في المحصلة  ، أمر القبض يعني ويجسد  دولة الخضوع  والقمع  ،  دولة الخوف والتخويف  ، دولة العناد والإنفراد ،     وإستمرار الرئيس البشير رئيساً حتى يلج الجمل في سم الخياط  !

سوف تمنع  هذه الدولة الإستبدادية إستقالة الرئيس البشير ،  وتمنع  إحداث تغيير  في النظام عبر التظاهر السلمي  والعصيان المدني ؛ وتقف ( تود )   ضد تفعيل أمر القبض .

أمر القبض ترياق ضد صمود الملايين الثائرة في الشارع  ، وضد حرق ورقة الرئيس البشير !
أمر القبض قميص عثمان   ، يتم رفعه عندما
تدلهم الخطوب ، ويفور التنور ، ويصبح عاليها سافلها . 

ثلاثة  عشر :

هذا ما كان من أمر أمر قبض الرئيس البشير .

ولا ننسي أمر قبض الفريق عبدالرحيم محمد حسين والوالي أحمد هارون ، وأوامر القبض القادمة حسب القائمة الخمسينية ( 52 متهم ) التي سلمها مجلس الأمن للمحكمة في يوم الأثنين 14 مارس 2005 .

أربعة  عشر :

ثم هناك أوامر قبض  (  مخفية )  تطول نبلاء  الإنقاذ ، إذا سقط نظام الإنقاذ وتم فتح ملفات الفساد والقتل والتعذيب . سوف يقاتل هؤلاء واولئك  بالسنون والأظافر ليبقى الرئيس البشير على كرسي السلطة  ، وبعيداً من لاهاي ، ليضمنوا بقائهم بعيداً من سجون  كوبر والهدى وسوبا .

خمسة  عشر :

أمر القبض في تشكيلاته المتنوعة ، ظاهرة ومخفية ، رئاسية وما دون ذلك ، سوف يكون حجر عثرة أمام أكتوبر ثانية قبل حلول عيدها الخمسين في عام 2014 ؟
هل يملك عقلاء السودان من الحكومة والمعارضة الرغبة والقدرة والإرادة السياسية والعزيمة الوطنية لإزالة حجر عثرة  أمر القبض أمام أكتوبر ثانية قبل حلول عيدها الخمسين في عام 2014 ؟

هذا هو سؤال المليون دولار كما يقول أولاد العم سام !

خاتمة :
قال الرئيس البشير ، وهو يتدبر مآلات أمر القبض :

السياسة  ، كما لعبة الشطرنج ، تتطلب أن تفكر بعقلك وعقل منافسيك ، وإلا ستظل دائماً مندهشاً ومفاجأً مما يفعله الآخرون ؟
لا جدال  إن هناك مستقبلا  واعداً  ينتظر  بلاد السودان  رغم أمر القبض ؛ ولا يمكن لعقلاء بلاد السودان  من الحكومة والمعارضة  ، وخصوصاً  من القوات النظامية  ، السماح لأمر القبض أختطاف  مستقبل بلاد السودان وجعله رهينة في أياديه ؛   بل يجب  سحب هذا المستقبل  بعيدا عن  أمر القبض الشيطاني  ، بعيداً عن العناد المدمر والمكابرة الكرتونية   وشخصنة الموضوع الضيقة  ؛  وبدلاً من ذلك  النظر إلى  فيل  أمر القبض  داخل الحجرة والتعامل الإيجابي معه  ، كما يدعو لذلك  ليل نهار ومن سنين السيد الإمام ، ببصر زرقاء اليمامة  وبصيرته  النافذة .

فإن كنت في شك مما قلنا إليك  ،  فهذا رجل عنده علم من الكتاب . وقد أمرنا سبحانه وتعالى في الآية 94 في سورة يونس :
( ...  فسل الذين يقرأون الكتاب من قبلك ...  ) .

نواصل ...