هل سوف يلقي الرئيس البشير خطاب السودان في الجمعية العامة للأمم المتحدة الخميس القادم؟


الحلقة الأولى ( 1 – 2 )

ثروت قاسم
Facebook.com/tharwat.gasim
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مقدمة .
في يوم الخميس 12  سبتمبر 2013 ، طلب الرئيس البشير من القنصلية الأمريكية في الخرطوم  فيزا دخول لأمريكا للمشاركة في إفتتاح  إجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لهذه الدورة ،  وفي القمة الأفريقية التي سوف   تُعقد على هامش  الإجتماعات ، ولكي يلقي  خطاب السودان أمام الجمعية يوم الخميس القادم ، حسب النشرة الرسمية الصادرة من سكرتارية الأمم المتحدة في نيويورك .

لماذا قرر الرئيس البشير  القاء خطاب السودان بنفسه  هذه السنة  بخلاف السنوات السابقة  التالية لصدور أمر قبض محكمة الجنايات الدولية يوم الأربعاء 4 مارس 2009 ؟ وهل مجرد إلقاء هذا الخطاب  الشكلي يسوغ المجازفة وتحدي مخاطر ما أنزل الله بها من سلطان ؟  وهل في الأمر صفقة يؤمن فيها الأمريكان مشاركة الرئيس البشير في الجمعية العامة مقابل موافقته على إستفتاء أبيي في أكتوبر القادم  ؛  ذلك إن الرئيس البشير يعتبر محكمة الجنايات الدولية  وأمر قبضها تحدياً شخصياً له ، يمكن أن يحوله  إلى فرصة  للإنتصار  الشخصي أمام أعدائه الوهميين  من  ( العملاء ) السودانيين ؟ خصوصاً وإن الأمريكان في موضوع الرئيس البشير ليسوا على قلب رجل واحد  ، فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على أثنين ومنهم من يمشي على أربعة ؟ أم إن الأمر كله  مجرد نزوة تحدي ( جعلية ؟ )  عابرة  لن يتبعها الرئيس البشير بالسفر إلى نيويورك  حين تعود الفكرة  ، حتي لو أستلم الفيزا الأمريكية على جوازه ؟ فالرئيس البشير يعرف قبل غيره إن المتغطي أمريكاني عريان ؟

أسئلة معلقة في الهواء ، نحاول الأجابة عليها في هذه المقالة من حلقتين .

ولكن ماذا كان من أمر  ردة الفعل الأمريكية الأولية على طلب الرئيس البشير الفيزا الأمريكية ؟

دعنا نري !

في يوم الأثنين 16 سبتمبر 2013 ، أستهجنت  الدكتورة سمانتا باور سفيرة أدارة اوباما لدى الأمم المتحدة  ( بدرجة وزير فيدرالي ومقربة من اوباما  )  طلب الرئيس البشير، ودعته للتوجه إلى لاهاى وتقديم نفسه لمحكمة الجنايات الدولية  ، بدلاً من محاولة الحضور إلى نيويورك . ولكنها ، وهذا هو الأهم ، لم تؤكد رفض إدارة اوباما  منح الرئيس البشير الفيزا المطلوبة . فقط تمنت أن يتكرم الرئيس البشير بسحب طلبه للفيزا الأمريكية ؟ مما يؤشر إلى إنهم ربما  يمنحون الرئيس البشير الفيزا ، إذا أصر على طلبه .

ولكن ما بعد منح الفيزا  ( إذا تم منحها ) أمر مختلف جداً كما سوف نرى لاحقاً في هذه المقالة !

حدثت ورجغة  دبلوماسية  بين  الخرطوم ولاهاى  ونيويورك بخصوص طلب الرئيس البشير فيزا دخول لأمريكا ، ووجدت إدارة أوباما نفسها في مأزق لا تُحسد عليه .

نحاول  إستعراض ملابسات وخلفيات  وتداعيات طلب الرئيس البشير للفيزا الأمريكية في مقالة من حلقتين  وفي عدة نقاط أدناه :

اولاً :

اليوم السبت   21 سبتمبر  2013 ، مرت 1663يوما على اصدار أول أمر قبض من محكمة الجنايات الدولية ضد الرئيس البشير في يوم الأربعاء 4 مارس 2009 بخصوص سبع تهم تتعلق بجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في دارفور .

في يوم الأثنين 12 يوليو 2010 صدر أمر قبض ثان بخصوص ثلاثة تهم تتعلق ب الإبادات الجماعية التي  ربما  ارتكبها الرئيس البشير بالتطهير العرقي لقبائل الفور والمساليت والزغاوة في دارفور .
نكرر ...   هذه مجرد تهم في هذه المرحلة ، ولا تُمثل إدانة  قانونية للرئيس البشير ؟

أستشهد أكثر من 300 ألف دارفوري ، وتشرد أكثر من 3 مليون نازح ولاجئ نتيجة مباشرة لمحنة دارفور ، ولا يزالون يعانون أكثر من  الأمرين في معسكرات الذل والهوان    .

طلبت محكمة الجنايات الدولية من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ( وليس فقط في المحكمة )   المساعدة في تفعيل أمر القبض الصادر من المحكمة ضد الرئيس البشير ، ولكن لم تستجب أي دولة لطلبها ، حتى الدول الأعضاء في المحكمة والتي زارها الرئيس البشير ( نيجريا ، تشاد ، كينيا )  .

دعا الإتحاد الأفريقي الدول الأفريقية عدم الإلتزام بطلب المحكمة وعدم القبض على الرئيس البشير ، وأدان تركيز المحكمة على  الدول الأفريقية ومواطنيها دون بقية دول العالم حيث تحدث جرائم حرب وجرائم ضد الأنسانية ، ولا تحرك المحكمة ساكناً .

من المقرر عقد قمة إستثنائية للإتحاد الأفريقي ( أديس أبابا – أكتوبر 2013 ) لمناقشة موقف الأتحاد من المحكمة  ، وموقفها  من التهم الموجة للرئيس البشير وللرئيس كينياتا .

ثانياً :

تلزم  إتفاقية المقر بين الأمم المتحدة والإدارة الأمريكية  ( 1947 )  ، أن تسمح الإدارة الأمريكية لأي رئيس  من رؤساء الدول الأعضاء في الأمم المتحدة  وممثليهم دخول نيويورك للمشاركة في أعمال  وإجتماعات الأمم المتحدة .

دعا الأمين العام للأمم المتحدة الرئيس البشير للمشاركة في أعمال الجمعية العامة  التي تبدأ يوم الأثنين 23 سبتمبر 2013 ، وتستمر حتى نهاية  شهر سبتمبر . وظهر أسم الرئيس البشير في قائمة  المتحدثين  أمام الجمعية يوم الخميس 26 سبتمبر 2013  ، وإن كان ذلك إجراء  بيروقراطي روتيني  ، لا معنى له غير روتينيته  البيروقراطية .

إذن الأدارة الأمريكية ملزمة ، حسب إتفاقها مع الأمم المتحدة  ( 1947 )  ،  بمنح الرئيس البشير الفيزا الأمريكية  ، مما يفسر عدم  توكيد الدكتورة سمانتا باور رفض إدارة أوباما منح الرئيس البشير الفيزا المطلوبة  .

في يوم الأربعاء 18 سبتمبر 2013 ، طلبت محكمة الجنايات  الدولية  من النائب العام الأمريكي  ( المستقل  من  إدارة اوباما )  ، وكذلك من إدارة اوباما  القبض على الرئيس البشير ،  إذا وصل الى نيويورك  لحضور افتتاح الجمعية العامة للامم المتحدة  ، وتسليمه للمحكمة في لاهاى  !

لم تطلب  المحكمة من إدارة أوباما عدم أصدار فيزا أمريكية للرئيس البشير . ببساطة لأنها تعرف إن إدارة اوباما ملزمة ، قانوناً ، بمنح الفيزا للرئيس البشير  ، إذا طلبها .

تطلب المحكمة ما يمكن الوفاء به قانوناً ، ولا تطلب ما لم يمكن تحقيقه قانوناً .

ثالثاً :

حسب إتفاقية المقر الملزمة ، منحت الإدارة الأمريكية  فيزا دخول لنيويورك للمشاركة في أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة   لألد أعداء الولايات المتحدة ، ولرؤساء دول كانوا في حالة حرب  ( دافئة )   معها مثل فيدل كاسترو ( كوبا ) ،  روبرت موغابي ( زيمبابوي ) ، محمود أحمدي نجاد ( إيران ) وهجو شافيز ( فنزويلا ) .

ولكن حالة الرئيس البشير حالة  إستثنائية ولا سابقة لها  في التاريخ الأمريكي ، كونه  يحمل أمر قبض من محكمة الجنايات الدولية .

ومن ثم الحيرة الأمريكية  ، كما حيرة صديقنا العائد إلى سنار .

رابعاً :

الولايات المتحدة ليست عضواً في محكمة الجنايات الدولية ، وبالتالي ليست ملزمة بالقبض على الرئيس البشير لتفعيل أمر قبض المحكمة ضده . ولكن ذلك لا يمنع الولايات المتحدة من القبض على الرئيس البشير ، بمجرد وصوله إلى نيويورك ،  كونها عضو في الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن الذي حول ملف دارفورإلى المحكمة ( 31 مارس 2005 )  ، ولم تصوت الولايات المتحدة  وقتها ضد قرار  المجلس تحويل الملف إلى المحكمة .

إذن يمكن لإدارة اوباما أن تمنح الرئيس البشير فيزا أمريكية  حسب إتفاقية المقر مع الأمم المتحدة .  وفي نفس الوقت يمكن للسلطات القضائية الأمريكية القبض على الرئيس البشير  ، وتسليمه إلى المحكمة ( حسب طلبها ) حال وصوله إلى نيويورك .

تعمل  الولايات المتحدة ، حسب دستورها ، بمبدأ الفصل الكامل بين السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية .

يمكن للنائب العام الأمريكي القبض على الرئيس  البشير حال وصوله إلى نيويورك ( حسب طلب محكمة الجنايات الدولية ) ، رغم أنف  إدارة اوباما . وبالفعل  وكما ذكرنا أعلاه  ، فقد  تقدمت  المحكمة بطلب للنائب العام الأمريكي  بالقبض على الرئيس البشير وتسليمه للمحكمة في لاهاى بمجرد وصوله إلى نيويورك .

ولكن وفي سياق آخر مواز  يمكن لإدارة أوباما أن تقبض على الرئيس البشير كونها عضو في مجلس الأمن الذي حول ملف دارفور للمحكمة في 31 مارس 2005  ، وكونها أكدت أكثر من مرة  ، وعلى رؤوس الأشهاد ، دعمها للمحكمة في القبض على المتهمين في جرائم الأبادات الجماعية وجرائم الحرب ، والجرائم ضد الإنسانية  .

كما يمكن لأدارة اوباما أن توعز لأي دولة صديقة عضو في المحكمة وتضطر  طائرة الرئيس البشير المرور عبر مجالها الجوي في طريقها إلى نيويورك القبض على الرئيس البشير وتسليمه للمحكمة في لاهاى  قبل وصوله إلى نيويورك  ، لتفادي احراج إدارة أوباما مع الأمم المتحدة وإتفاقية المقر بينهما ، التي تحرص إدارة اوباما الإيفاء ببنودها .

سوف تحتاج  طائرة الرئيس البشير التزود بالوقود في طريقها إلى نيويورك ، مما يجعل الرئيس البشير صيداً سهلاً يمكن القبض عليه في  بلاد محطات التزود بالوقود وهو في طريقه إلى  نيويورك ؟

لن تجرؤ شركة طيران  تجارية تأجير طائرة ضخمة تحمل الرئيس البشير من الخرطوم مباشرة إلى نيويورك دون التوقف للتزود بالوقود للمخاطر المتعلقة برحلة الرئيس البشير ، كما حدث في رحلة أيران عبر السعودية .
في هذه الحالة يكون  من الجنون أن يفكر الرئيس البشير ، مجرد  تفكير ، في السفر إلى نيويورك ؛ لأنه يحاكي في هذه الحالة من يمشي طائعاً ومع سبق الإصرار إلى حتفه برجليه   .

ولكن يبقى سؤال المليون دولار  المشروع بدون إجابة  قطعية :

لماذا تقدم الرئيس البشير بطلب الفيزا الأمريكية ، وهو يعرف ويقدر المخاطر التي تحيط به   قبل  وبمجرد وصوله إلى نيويورك ، ليس فقط  من الحكومة الأمريكية ، ولكن من القضاء الأمريكي الذي لا راد لقضائه إلا الله ، وكذلك من حكومات الدول التي تمر طائرة الرئيس البشير عبر مجالها الجوي في طريقها إلى نيويورك  .

هل يلعب الرئيس البشير بالنار  ، أم هو لعب قعونج مع اوباما  وفاتو بن سودة ؟  إذ لن يجرؤ الرئيس البشير على السفر إلى نيويورك   حتى إذا تحصل على الفيزا الأمريكية  ، وإلا وقع في قبضة النائب العام الأمريكي ( المنفصل من إدارة أوباما في قراراته العدلية ) ، وفي قبضة  حكومات الدول التي تمر طائرة الرئيس البشير عبر مجالها الجوي في طريقها إلى نيويورك  .

في هذا السياق ، تعلل عنقالية سوق جرجيرة في ريف دارفور الجواني أصرار الرئيس البشير إحراج إدارة اوباما بطلبه الفيزا الأمريكية لانه (الرئيس البشير ) يعرف تمام المعرفة ويقدر إن إدارة اوباما لن تفكه عكس الهواء ، ولن تقلب له ظهر المجن ببساطة لأنه رهينة في أياديها بسبب أمر القبض الذي تبتزه به لتمرير أجندتها في السودان ؟

ألم يكن أمر القبض جواز المرور لإنفصال جنوب السودان ؟

ألم يكن أمر القبض جواز المرور لتوقيع الرئيس البشير على  إتفاقية سبتمبر 2012  وعلى مصفوفة مارس  2013 ؟

ألم يكن أمر القبض جواز المرور لتمريغ  أنف السودان في التراب ، ومعاملة السودان  معاملة  الأيتام على موائد اللئام  ؟

هل يعقل أن تترك إدارة أوباما الرئيس البشير يفلت من بين أياديها ليحل محله رجل حر كالسيد الإمام الذي يملك رفاهية أن يقول ( لا ) كبيرة  ومدوية في وجه إدارة اوباما ، كما قالها ذات يوم في وجه الطاغية صدام ، وأمريكا تحمل له المباخر وقتها  ؟

في هذا السياق ، تذكرك عنقالية جرجيرة بمقولة الرئيس السابق رونالد ريجان عن سئ السمعة السيد  نوريجا رئيس  بنما السابق  :

He is a son of a bitch, but he is our son of a bitch
.
وترجمتها بعربي جرجيرة :

هو أبن سيدة فاضلة ، ولكنه أبننا في كل الأحوال .

أذن وحسب تقديرات عنقالة جرجيرة ، سوف يراهن الرئيس البشير على حاجة ادارة اوباما لإستمراره  رهينة أمريكية   ورئيساً للسودان حتى أبريل 2020 ؟  

نواصل في الحلقة الثانية .