بسم اله الرحمن الرحيم
مركز الجزيرة للدراسات
مقدمة
لخصت الدكتورة أماني الطويل، المختصة بالشأن السوداني ومديرة الوحدة الإفريقية في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، مسيرة العلاقات المصرية السودانية بقولها: "(إن) العلاقات المصرية السودانية لم تخرج من نفق الوضع المأزوم طوال تاريخها، لتقدم نموذجاً فريداً من المد والجزر في حركة دائرية تأبى أن تتقدم إلى الأمام،". (1) وأحسبها صادقة في تقديرها. ولكن السؤال ماهو السبب وراء ذلك الوضع المأزوم المتذبذب؟ يفسر الدكتور أمين حسن عمر القيادي البارز في حكومة الإنقاذ منذ قيامها أزمة العلاقات بقوله: "إن عقدة العلاقات السودانية المصرية هو التعالي والاستكبار المصري على السودان المستند على أن السودان لا يعدو كونه من الأملاك المصرية".(2) وأظن أن معظم قطاعات النخبة السودانية السياسية والمتعلمة تشاركه ذلك الرأي.
عرف السودان مصر في العصر الحديث من خلال الغزو المسلح الذي أرسله محمد علي باشا للبلاد في عام 1821م من أجل استيراد عبيد أقوياء عُرفوا بالبأس وتحمل المصاعب والإنقياد لسادتهم مما يجعلهم مثلاً أعلى للجندية التي يريدها لتوسيع امبراطوريته؛ ومن أجل الحصول على الذهب الذي سمع بأنه موجود بكثرة في جنوب السودان ويحتاجه لدعم نشاطه العسكري والصناعي والزراعي.(3) تولى قيادة غزو السودان ابنه اسماعيل الذي دحر بسهولة مملكة الشايقية والجعليين في الشمال؛ واستسلم له سلطان سنار بادي السادس دون قتال. وفي طريق عودته لمصر ارتكب إسماعيل حماقة دفع حياته ثمناً لها، فقد فرض ضريبة باهظة على ملك الجعليين تقدر بنحو عشرين ألف جنيه وهو مبلغ تقصر عنه موارد القبيلة مجتمعة، اعترض نمر على ذلك بقوة فما كان من الباشا الشاب (27 سنة) إلا أن صفعه بغليونه على وجهه أمام حاشيته. وتلك مذمة في السودان لا يغسلها إلا الدم! سكت المك نمر على مضض وأظهر الخضوع إلا أنه دبر مكيدة أحرق بها الباشا وحاشيته ليلاً وهم نيام. ولما سمع الدفتردار (صهر الخديوي)، الذي كان يقود جيشا إلى كردفان التي ارتكب فيها مجازر شنيعة، بما حدث قاد حملة إنتقامية خرّب فيها منطقة الجعليين وقتل وأسر الآلاف منهم. تركت تلك الحوادث المتعاقبة أثراً سيئاً في نفوس أهل السودان نحو الأتراك حتى اقترن إسمهم بكل ما هو جائر وظالم.(4)
أرسل الخديوي إسماعيل (1863-79) الرحالة الإنجليزي صمويل بيكر ليخضع له حوض ومنابع النيل مقابل مرتب سنوي كبير، ففعل بيكر ذلك بعد معارك ضارية ومعاملة وحشية للمواطنين. وخلف الضابط تشارلز غردون بيكر على حكم الاستوائية، وأصبح فيما بعد حكمداراً على السودان في 1877. وكان السودان بمثابة منفى للموظفين المصريين غير المرغوب فيهم، وانطبق ذلك حتى على رائد التحديث في مصر رفاعة رافع الطهطاوي الذي أرسل إلى السودان عام 1850 ناظرا لمدرسة ابتدائية، فبقي فيه على مضض وكتب قصيدة يهجو فيها السودان وأهله جاء فيها:
وما السودان قط مقام مثلي ولا سلماي فيه ولا سعادي
ريح السموم يشمُ منه زفيرُ لظى فلا يطفيه وادي
ونصف القوم أكثره وحوشاً وبعض القوم أشبه بالجمادي
انحاز السودانيون للدعوة المهدية كراهية في حكم التركية السابقة وإيماناً بورع الامام المهدي وصدق دعواه، وخاض المهدي عدة معارك ضد جيوش التركية فانتصر عليها حتى استولى على الخرطوم وقتل غردون باشا في يناير 1885.(5) سيطرت السلطة المهدية على البلاد حتى عام 1898 حين جاء الغزو المصري مرة ثانية بمشاركة وقيادة انجليزية، وهُزم جيش المهدية المستبسل بقوة الأسلحة النارية، واستشهد من الأنصار أعداد غفيرة تقدر بأكثر من عشرة آلاف. وصف المراسل الحربي البريطاني جي دبليو استيفنس مشهد المعركة بقوله: لقد كان هذا اليوم آخر أيام المهدية ولكنه بحق أعظمها على الإطلاق، لم يتراجع العدو قط، ولم تكن كرري معركة بل كانت واقعة إعدام بأسلحة فتاكة! ولا عجب أن ظلت طائفة الأنصار وحزب الأمة، يُحمّلون الحكومة المصرية وزر جلب بريطانيا إلى السودان في 1898، والقضاء على دولة المهدية الوطنية المستقلة. ووقف حزب الأمة فيما بعد معارضاً بشدة فكرة وحدة وادي النيل المستندة على حق الفتح أو الوحدة السيادية التي سعت إليها حكومات مصر في العهد الملكي.(6)

الحكم الثنائي
عقدت كل من الحكومة البريطانية والحكومة المصرية اتفاقية الحكم الثنائي في يناير 1899، والتي نصّت على رفع العلمين البريطاني والمصري في السودان، وأن تكون السلطة العليا العسكرية والمدنية بيد الحاكم العام الذي يعينه الخديوي بناءً على ترشيح من الحكومة البريطانية. وكان الحاكم العام والمديرون والمفتشون في إدارة السودان من العسكريين البريطانيين ومساعديهم من المصريين. وعندما أغتيل سير لي استاك حاكم عام السودان في سنة 1924 بالقاهرة، أبعدت بريطانيا الوحدات العسكرية المصرية من السودان.(7) انفردت الإدارة البريطانية بحكم السودان لتغير قوانينه وكيفية إدارته ونظم تعليمه ولغته الرسمية، وأطلقت يد المبشرين المسيحيين في الجنوب ليسيطروا على خدمات التعليم والصحة، وأصدرت قانون المناطق المقفولة التي شملت الجنوب وجبال النوبة والنيل الأزرق. وعانى السودان كثيرا من جراء ذلك الفصل العرقي والثقافي مما أدى مؤخراً لفصل الجنوب.
وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية التي فتحت الباب لاستقلال المستعمرات نشأت الأحزاب السودانية وطالبت بالاستقلال وتقرير المصير. تبلور المشهد السياسي في مصر في معظمه على الإيمان بسيادة مصر على السودان إلى الحد الذي أسقط حكومة إسماعيل صدقي في عام 1946، وجعل محمود فهمي النقراشي يتعهد أمام البرلمان بالعمل على وحدة وادي النيل تحت التاج المصري.(8) ولكن حكومة الثورة المصرية في يوليو 1952 قبلت بالفصل بين مسألتي السودان والجلاء عن مصر، وقبلت بحق السودان في تقرير مصيره إلا أنها عملت لقيام اتحاد مع السودان.(9) أرسلت حكومة الثورة المصرية الصاغ صلاح سالم لاستكشاف أوضاع السودان وتوحيد الأحزاب الاتحادية ومقابلة كل القوى السياسية لتتخذ موقفاً موحداً من اتفاقية الحكم الذاتي القادم. وقد نجح صلاح سالم في توحيد كل الأحزاب السياسية خلف مطالب الحكومة المصرية التي رفعتها لبريطانيا، فيما يتعلق بجنوب السودان وسلطة لجنة الحاكم العام وموضوع السودنة والانتخابات وجلاء الجيوش الأجنبية عن السودان. وعليه تمت موافقة الحكومة المصرية والحكومة البريطانية على قانون الحكم الذاتي للسودان وفقاً لرغبة السودانيين.(10)


أهم قضايا الاختلاف والاشتباك بعد الاستقلال
أهم القضايا التي كانت مثار اختلاف واشتباك بين الحكومات السودانية والحكومة المصرية بعد نيل السودان استقلاله في يناير 1956 نجملها فيما يلي.

1- موقف مصر من استقلال السودان: تم الاتفاق بين بريطانيا ومصر على إستقلال السودان بناءً على موافقة حكومة الثورة المصرية على مبدأ تقرير المصير، وهذا أمر يُحمد لها إلا أن غصة كانت في حلق الكثيرين من ذلك الموقف.(11) فقد اتهم عبد الناصر صلاح سالم بتضليله في شأن السودان مما دفع مجلس الثورة أن يصدر قراراً بقبول إستقالة صلاح سالم من مهامه وزيراً لشؤون السودان. ولعل تقديرات عبد الناصر المبنية على معلومات صلاح سالم هي التي جعلته يعترض على حضور الوفد السوداني برئاسة إسماعيل الأزهري في مؤتمر باندونق عام 1955، وطلب منه الجلوس خلف الوفد المصري باعتبارهم جزءً من مصر. فرفض الأزهري بحزم وقال نحن على أبواب الاستقلال ولا بد أن نمثل الشعب السوداني لأن هذا المؤتمر يمثل الشعوب. وقال عبد الناصر: إنتو ما عندكم علم. فما كان من وزير الخارجية السوداني مبارك زروق إلا أن رفع منديله الأبيض على رأس قلمه وقال: هذا علمنا! فعلق رئيس وزراء الصين القوي شوان لاي: هذا أفضل علم، وحسم النقاش لصالح الوفد السوداني. وعندما وصل الوفد القاهرة في طريقه إلى السودان استقبل بفتور رسمي واضح، وحرّض جهاز الأمن بعض المصريين النوبيين ليهتفوا ضد الرئيس الأزهري ويدعوا لوحدة وادي النيل. ولم يتخلف الطلاب السودانيون عن المناسبة فتجمهروا خارج المطار وهتفوا عاش السودان حراً مستقلا، وتسقط الدكتاتورية العسكرية.(12) نقلت جريدة المستقلة التي تصدر من لندن عن دبلوماسي عربي تصريحاً للرئيس مبارك يقول: إن حكومة البشير تريد أن تتعامل مع مصر تعامل الند للند وهذا حلم بعيد المنال للسودانيين. لقد ساهمنا من قبل في الإطاحة بأي حكومة سودانية ترفع شعار الإستقلال عن السياسة المصرية وسوف نفعل نفس الشئ مع الحكومة الحالية.(13) وظل ملف السودان منذ الاستقلال وإلى اليوم في عهدة جهاز الاستخبارات المصري، وكان معظم سفراء مصر إلى السودان من العناصر الأمنية والاستخبارية.

2- قسمة مياه النيل: تعتبر مصر نفسها "هبة النيل" لأنها تعتمد على مياهه بنسبة تزيد على ال 90 في المئة. ودرجت طيلة فترة الحكم الثنائي أن تعترض على إنشاء الخزانات والسدود ومشروعات الزراعة الكبيرة في السودان لأن ذلك يقلل مياه النيل الواردة لمصر. أعلنت احتجاجها في 1917 على إنشاء خزان الروصيرص على النيل الأزرق وعلى تعليته فيما بعد،(14) كما اعترضت على سد سنار وتوسعة مشروع الجزيرة لأن إنتاج القطن السوداني سيؤثر على تسويق مصر لأقطانها في الأسواق العالمية، مما يعني في نظرها تجويع المصريين!
وعلى خلفية القلق المصري من نقص مياه النيل تبادل كل من رئيس الوزراء المصري محمد محمود والمندوب السامي البريطاني في القاهرة المذكرات حول تأكيد حق مصر في مياه النيل، وأصبحت المذكرتان أساس اتفاقية 1929. أثبتت الاتفاقية حق مصر المكتسب بمنحها 48 مليار متر مكعب من إيراد نهر النيل، ونصيب السودان 4 مليارات متر، وقبل السودان بعد استقلاله تلك القسمة الضيزي، رغم أنها حدت من قدرات أغلبية الملاك الزراعيين على تطوير وزيادة الأراضي المزروعة بالقطن.(15) قامت بريطانيا نيابة عن مستعمراتها في حوض النيل (السودان ويوغندا وكينيا وتنجانيقا) بإقرار حصة مصر المكتسبة من مياه النيل، وأن لها الحق في الاعتراض في حالة إنشاء هذه الدول مشروعات جديدة على النهر وروافده. وليس غريباً أن تعترض هذه الدول بعد نيل استقلالها على هذه الاتفاقية التي تصادر حقوقهم دون تشاور معهم. ودفع ذلك عدد من دول حوض النيل التوقيع على مبادرة عنتبي الإطارية في سنة 2010 لتتجاوز تلك الاتفاقية الاستعمارية غير المنصفة. وقّعت على اتفاقية عنتبي كل من أثيوبيا وكينيا وأوغندا ورواندا وتنزانيا وبوروندي، وصادقت هذه الدول بوساطة برلماناتها على الاتفاقية عدا بوروندي. وعبرت حكومة جنوب السودان عن رغبتها في التوقيع على الاتفاقية، ورفضت كل من مصر والسودان والكونغو التوقيع. كانت حجة مصر أن الاتفاقية لم تسلم لها بحقها في مياه النيل الذي نصّت عليه اتفاقيتا 1929 و 1959، وامتنع السودان عن التوقيع تضامناً مع الموقف المصري. وتحدثت اتفاقية عنتبي عن "الاستخدام المنصف والمعقول للدول" في مياه النيل، وأن من حق دول المبادرة استخدام المياه داخل حدودها، واعتمدت مبدأ الأمن المائي لكل دول حوض النيل. ولا تضر الاتفاقية السودان في شيئ بل تفيده نسبة لمساحته الشاسعة الصالحة للزراعة. ولم تدخل الاتفاقية حيز التنفيذ بعد لأن القانون الدولي يربط التنفيذ بمصادقة ثلثي دول حوض النيل (أي 6 دول من 10). وقد لا يطول الزمن حتى تحصل الاتفاقية على العدد المطلوب من المصادقين عليها.
دخلت مصر في مفاوضات مع السودان لبناء السد العالي في أسوان الذي سيحجز من خلفه 184 مليار متر مكعب في عام 1954، وكانت شروط السودان في عهد الديمقراطية الأولى للقبول بتشييد السد العالي الذي سيتسبب في الترحيل القسري لأهالي حلفا، وإغراق مساحة شاسعة من الأراضي السودانية بالمياه، وضياع بعض الآثار النوبية القديمة كما يلي : تعويض أهالي حلفا عن ممتلكاتهم ب 30 مليون دولار، تكلفة خزان خشم القربة الذي سيبنى للمواطنين المهجرين في المنطقة الجديدة وهي 10 مليون دولار، تقوم مصر ببناء مدينة حلفا في الموقع الجديد، لا يتحمل السودان تبخر المياه في بحيرة السد ويُحدد له نصيبه في فائض المياه التي تذهب للبحر وتقدر ب 32 مليار متر، لا يُربط قيام سد الروصيرص في النيل الأزرق بالسد العالي إذ لا صلة بين الاثنين.(16) رفضت مصر الإستجابة لتلك الشروط إلى أن جاء الحكم العسكري في نوفمبر 1958 والذي كان متلهفا لإزالة "الجفوة المفتعلة" مع مصر حسب قوله، فعقد اتفاقا ضعيفا في سنة 1959 على حساب مصلحة السودان وبقية دول حوض النيل. تمخضت اتفاقية 1959 بموافقة الدولتين على قيام مصر بإنشاء السد العالي وقيام السودان بإنشاء خزان الروصيرص، وتوزيع فائض مياه السد العالي بحصول السودان على 18,5 مليار مقابل 55,5 م م م لمصر، وإنشاء مشروعات مشتركة لزيادة المياه في روافد النيل الأبيض بجنوب السودان. وقدمت مصر مبلغا متواضعا لتعويض أهالي حلفا عن ممتلكاتهم وتهجيرهم من منطقتهم التي عاشوا فيها قرونا طويلة قدره 15 مليون جنيه مصري، في حين بلغت التكلفة الحقيقية نحو 40 مليون جنيه مصري تكفلت بها حكومة السودان.(17) ويستهلك السودان حالياً من حصته حوالي 12 مليار فقط وتذهب البقية إلى مصر دون مقابل، ويقدر خبراء حكومة السودان أن ما كسبته مصر من فائض حصة السودان ومن زيادة إيرادات النيل على ما قُدر لها بأكثر من 600 مليار منذ عقد اتفاقية 1959.(18) ورفضت الحكومة المصرية معظم فرص التعاون الزراعي الكبير التي عرضها عليها الرئيس نميري، وما عرضته حكومة الإنقاذ للجيش المصري (30 ألف فدان) رغم الموافقة المبدئية على المشروع منذ ست سنوات. ويبدو أن مصر لا تريد للسودان أن يستهلك كل حصته المائية التي تستفيد منها، كما لا تريده أن يصبح قويا اقتصاديا فيستقل بقراره عنها.
ودخلت مصر في مشادة وملاسنة إعلامية مع كل من أثيوبيا والسودان حول إنشاء سد النهضة الأثيوبي الذي بدأ تشييده في 2011 بواسطة شركة إيطالية. وقد أنجز منه حتى الآن حوالي 57% ، ويتوقع أن يكتمل تشييده هذا العام أو الذي يليه. يُعتبر السد الكهرومائي الأكبر في إفريقيا، تبلغ سعته التخزينية 74 مليار متر مكعب وينتج 6000 ميجاواط. اعترضت مصر على بناء السد لأنه سيقلل من مواردها المائية التي تحصل عليها، في حين وافق عليه السودان الذي كانت تظن مصر أنه سيتبنى موقفها بحكم التبعية في الماضي. تناست مصر أنها لم تعد قوية كما كانت ولم يعد السودان ضعيفاً كما كان (كبرت العيال!). واضطرت مصر في مارس 2015 على توقيع إعلان مبادئ السد مع أثيوبيا والسودان رغم أن لا يذكر ما يُسمى بحقوق مصر المكتسبة. قبلت كل من أثيوبيا والسودان التقارير الفنية الصادرة من مكتبين استشاريين فرنسيين تقول بأن لا ضرر على السودان أو مصر من إنهيار السد ورفضتها مصر. يمكن سد النهضة السودان من استخدام حصته المائية كاملة نسبة لتنظيمه جريان النيل طول العام بعد أن كانت معظم مياهه تمر خلال 3 أشهر فقط؛ ويستعد السودان لبناء سدود جديدة في كل من كجبار والشريك ودال وهي لا تحتاج لموافقة مصرية. كانت حجة أثيوبيا في بناء السد منفردة أن مصر لم يسبق لها أن استشارت أية دولة مشاطئة في تشييد السد العالي، وأنها حسب اتفاقية 1959 الثنائية تسيطر مع السودان على 90% من مياه النيل، وهذه قسمة غير منصفة. فلماذا تحتج الآن على الآخرين الذين يريدون استرداد حقوقهم

3- موقف مصر من الأنظمة الديمقراطية: من المعلوم أن إنقلاب عبد الناصر في 23 يوليو هو الذي روّج لقيام الأنظمة العسكرية في العالم العربي، فقد دعم إنقلاب عبد الكريم قاسم سنة 1958، وإنقلاب السلال في اليمن سنة 1962، وإنقلاب القذافي في ليبيا سنة 1969، وإنقلاب النميري في السودان سنة 1969. وقام بحملة شعواء ضد الأنظمة الملكية والمحافظة ويدعو جيوشها للإنقلاب عليها كما فعلت مصر. وقد وقفت مصر ضد ثورة أكتوبر الشعبية في السودان سنة 1964 وعبر الكاتب محمد حسنين هيكل عن ذلك بوضوح؛ ووقفت كذلك ضد الانتفاضة الشعبية التي أودت بنظام الرئيس نميري في أبريل 1985، ورفضت تسليمه للسودان لمحاسبته. وقد لخص المفكر المصري المشهور، جمال حمدان، في ندوة عقدت بالقاهرة في 1989 تكوين المجتمع المصري بقوله: "لا يعرف تاريخ مصر من ينكر أن الطغيان والبطش من جانب أو الاستكانة والزلفى من الجانب الآخر هما من أعمق وأسوأ خطوط الحياة المصرية عبر العصور". يصف الدبلوماسي الأمين عبد اللطيف الذي عمل في سفارة السودان بالقاهرة لعدة سنوات قنصلاً ثم سفيراً : الملفت للنظر أن الصحف القومية لا تفعل شيئاً سوى أن تردد ما يقوله الرئيس مبارك (عن السودان) كأنما هي طبعة من نسخة واحدة بأسماء مختلفة.(20) كما استشهد عبد اللطيف بيوميات الكاتب أحمد بهاء الدين التي نشرها في جريدة "الشرق الأوسط"، وقال فيها إن السادات أخبره بأن معرفته بحسني مبارك بدأت منذ أن أرسلهم عبد الناصر مع مجموعة من الضباط المصريين عام 1969 لدعم النميري وقمع تجمهر الأنصار في الجزيرة أبا وقصفهم بالطيران.(21) تعتقد الحكومات المصرية أن التعامل مع الأنظمة العسكرية في السودان أفضل لها من الأنظمة الديمقراطية التي يحكم قرارها برلمان حر منتخب وأحزاب سياسية لها رؤيتها الخاصة ورأي عام تتأثر به.

4- مشكلة حلايب: ظهرت مشكلة السيادة على مثلث حلايب لأول مرة في فبراير 1958 عندما حاول عبد الناصر إجراء إستفتاء على رئاسة الجمهورية في مثلث حلايب ونتوء وادي حلفا اللذان يقعان شمال خط عرض 22، وذلك استناداً على اتفاق 19 يناير 1899 بين المندوب السامي لبريطانيا وناظر الداخلية المصري. وطلبت مصر من حكومة السودان إلغاء الحدود الإدارية التي ضمت هاتين المنطقتين للسودان في 1902 بقرار من وزير الداخلية المصري في مارس 1899 ونوفمبر 1902. وعندما رفضت الحكومة المصرية طلب حكومة عبد الله خليل بتأجيل عملية الاستفتاء (المعروفة النتيجة) إلى ما بعد الانتخابات السودانية في 1958، تقدم السودان بشكوى لمجلس الأمن الذي كان مسانداً لموقف السودان مما اضطر عبد الناصر لسحب اللجان الانتخابية وتجميد النزاع حول المنطقة منذ ذلك التاريخ حتى أشعله حسني مبارك في أول التسعينيات.(22)

ظل السودان يتولى إدارة مثلث حلايب الذي تسكنه قبائل بجاوية سودانية منذ 1902 وحتى نهاية 1991، عندما أصدرت الحكومة المصرية مذكرات تطالب فيها بإنسحاب القوات السودانية من المنطقة لأنها تتبع لها. استفادت مصر من عزلة السودان الدولية فقامت بعملية احتلال تدريجية منذ 1993 حتى اكتملت في 1995، وقامت بإجراءات عملية مثل نشر قوات مصرية وتكوين إدارة محلية وتشييد مساكن وتقديم خدمات وتمصير المواطنين بمنحهم هويات مصرية تمكنهم من دخول مصر دون تأشيرات. دخلت القوة المصرية المهاجمة في اشتباك مع القوة الشرطية المحدودة التي كانت تعسكر في حلايب ورفضت التسليم أو الرحيل، ووقعت خسائر بشرية من الطرفين كان أكثرها على الجانب المصري. أتفق فيما بعد على تهدئة الأوضاع، وأن تبقى قوة عسكرية سودانية محدودة في المنطقة رمزاً لتمسك السودان بحقه، وما زالت تلك القوة موجودة حتى اليوم لكنها تواجه استفزازات مصرية من وقت لآخر، وهذا ما أشار إليه وزير الدفاع أمام البرلمان السوداني بداية شهر مايو الجاري. ومن الغريب أن اتفاق يناير 1899 الذي تعتمد عليه مصر في تبعية المنطقة لها قد أنكره كبار المسؤولين المصريين بأنه لا يشكل معاهدة دولية. قال النقراشي باشا رئيس وزراء مصر أمام مجلس الأمن في أغسطس 1949: إن اتفاق 1899 ليست معاهدة دولية حيث لم يكن هناك تفويض للمفاوضين بتوقيع معاهدة، ولم يتم التصديق على نصوصها، ولم تعرض على برلمانات البلدين للمصادقة عليها. كما أن رئيس الوزراء المصري مصطفى النحاس قام بإلغاء الاتفاقية أمام البرلمان المصري في 1952.(23)
ولمحاولة حل المشكلة سلمياً، عرضت الخرطوم على القاهرة ثلاث مرات خلال السنوات الماضية أن تعالج المشكلة عن طريق التفاوض المباشر بين البلدين أو اللجوء للتحكيم الدولي، وردت القاهرة باستخفاف أن تبعية المنطقة محسومة لمصر ولا تحتاج لتفاوض أو تحكيم. رفع السودان في أكتوبر الماضي شكوى لمجلس الأمن بأن نزاع حلايب يمكن أن يهدد السلام في المنطقة، وذلك تجديدا لشكواه القديمة منذ 1958، كما رفع للأمم المتحدة في مارس 2017 إحداثيات بحرية بتتبيع حلايب وشلاتين للسودان، وذكر أن وجود مصر في المنطقة هو "احتلال عسكري". ردت مصر سريعاً على الإعلان السوداني وأودعت لدى الأمم المتحدة اعتراضا في 4 مايو الحالي على خطوط الأساس للمناطق البحرية التي أعلنها السودان وترفض أي إجراء تتخذه الخرطوم يمس سيادة مصر على حلايب. وأصبح توصيف وضع مصر في حلايب بأنه "احتلال عسكري" يتردد في الإعلام السوداني وداخل البرلمان وأخيرا على لسان رئيس الجمهورية في مقابلة له مع قناة الجزيرة منتصف هذا الشهر. وأخذت القضية بعداً شعبياً متصاعداً يصعب التراجع عنه.
وتصاعد التوتر مؤخراً إلى درجة غير مسبوقة حين أعلن الرئيس عمر البشير في حفل لقدماء المحاربين بالقيادة العامة أن الجيش السوداني ضبط مدرعات مصرية الصنع في اشتباكات مع متمردي حركات دارفور بولايتي شمال وشرق إقليم دارفور. وقال لقد حاربنا لمدة عشرين سنة ضد المتمردين في الجنوب لم تدعمنا فيها مصر بطلقة واحدة بحجة أن ذلك صراع داخلي لا تريد أن تتدخل فيه. وقد دخل المتمردون السودان عبر محورين من ليبيا ومن جنوب السودان في توقيت متزامن، واستطاع الجيش السوداني أن يدحر المؤامرة الضخمة خلال يومين ويستولي على أسلحتهم وآلياتهم. كانت إشارة البشير واضحة إلى أن حكومة سلفاكير في الجنوب واللواء خليفة حفتر حليف الحكومة المصرية في ليبيا كانا المعبرين للمدرعات المصرية لداخل السودان. الجدير بالذكر أن كلا البلدين (جنوب السودان وليبيا) محظورين بقرارات أممية من تلقي السلاح من أي جهة خارجية. (صحيفة التيار، الخرطوم، 24/5/2017م).

تطبيق الحريات الأربع: تم الاتفاق بين البلدين على تنفيذ الحريات الأربع بين البلدين وهي : الإقامة والتنقل والتملك وحق العمل. لقد طبق السودان منذ 2004 هذه الحريات عدا التملك للأجانب الذي يمنعه القانون السوداني، ولم تفعل مصر بالمثل وإن كانت تسمح لأعداد كبيرة من السودانيين بالإقامة في مصر، ولكنها تعاقبهم حين تسوء علاقتها بالسودان ولا تأخذها في ذلك لومة لائم! تطالب مصر بأن يستخرج الرجال من سن 18 إلى 49 تأشيرة دخول قبل أن يسافروا إلى مصر. وقامت مصر في الآونة الأخيرة بمنع بعض الصحفيين السودانيين من دخول القاهرة بعد أن وصلوا المطار وعاملتهم معاملة مهينة. وطالبت المقيمين فيها من السودانيين بغرامات عالية عن سنوات سابقة؛ وأوضح وزير الخارجية السوداني لنظيره المصري في لقاء بالخرطوم أن السودان متمسك بالعرف الدبلوماسي الذي يقر المعاملة بالمثل بين الدول. وكشف الإعلام المصري عن وجه قبيح في الإساءة للسودان والسودانيين وللحضارة النوبية عندما زارت الشيخة موزة والدة أمير قطر منطقة البجراوية الأثرية. ودرج الشعب المصري على تصديق إعلام الحكومة والتعامل مع السودانيين في بلده بحسب موقف حكومته من السودان.

خاتمة: سياسة الحكومة السودانية المستقرة تجاه مصر هي البعد عن أية مشكلات معها ما استطاعت إلى ذلك سبيلا! بل وترغب في التعاون معها في كل مجالات المصالح المشتركة، ليس فقط لأسباب تاريخية أو ثقافية ولكن لأن مصر دولة مؤثرة في المحيط العربي والدولي وإن تناقص هذا الدور مؤخراً. ولذلك نجد أن الأمور سالكة إلى حدٍ بعيد بين وزارتي الخارجية في البلدين لأن ملفاتها وأجهزتها في أيدٍ مهنية خبيرة تدير أعمالها حسب التقاليد الدبلوماسية المتعارفة. إلا أن العقبة التي تعترض مسيرة العلاقات الحسنة تأتي في أغلب الأحيان من الأجهزة الأمنية ومن وسائل الإعلام (المطلوقة) ومن القرارات الفوقية التي تتأثر بجماعات الضغط الداخلية والخارجية. ولكن الحكومة السودانية فيها شئ من طبيعة الشخصية السودانية التي تأبى الضيم وتثور لكرامتها ولو كان ذلك على حساب مصلحتها الذاتية!

المراجع
1- أماني الطويل، العلاقات المصرية السودانية: جذور المشكلات وتحديات المصالح، (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط 1، 2012) ص 9.
2- أمين حسن عمر، "المسكوت عنه في العلاقات السودانية المصرية-3"، جريدة الصيحة، الخرطوم، 4/5/2017.
3- مكي شبيكة، السودان عبر القرون، (بيروت، دار الثقافة، 1964) ص 114.
4- السابق، ص 123-126.
5- ويكبيديا "التركية السابقة (1821-1885)"، 5/5/2017.
6- فيصل عبد الرحمن علي طه، الحركة السياسية السودانية والصراع المصري البريطاني بشأن السودان، (أمدرمان، مركز عبد الكريم ميرغني، ط2، 2004) ص 10.
7- السابق، ص 21، 26.
8- الطويل، ص 16.
9- فيصل، ص 12.
10-إبراهيم محمد حاج موسى، التجربة الديمقراطية وتطور نظم الحكم في السودان، (بيروت، دار الجيل، 1970) ص 50-51.
11-أمين عبد اللطيف، العلاقات السودانية المصرية ورؤية مستقبلية، (أمدرمان، مركز محمد عمر بشير للدراسات السودانية، 2006) ص 10.
12-عبد اللطيف، ص 8-9.
13-جريدة المستقلة، العدد 118، بتاريخ 12/8/1996.
14-الطويل، ص 207؛ أمين، الصيحة، مايو 2017.
15-السابق، ص 209، 220 .
16- مذكرات خضر حمد، وردت في كتاب عبد اللطيف، ص 67-68 .
17-أمين، الصيحة، 11/5/2017
18-إفادات من خبير المياه بوزارة الري السودانية في 18/5/2017م.
19-موقع العربية نت في 17/5/2017؛ موقع الجزيرة نت في 18/2/2017.
20-عبد اللطيف، 76، 91-93.
21-السابق، ص 69
22-معاذ أحمد محمد تنقو، نزاع الحدود بين السودان ومصر، (الخرطوم، دار جامعة الخرطوم للنشر، 2005) ص 77.
23-السابق، ص 83.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.