أصبح من المسلم به أن يعقب الحوار الوطني تشكيل حكومة جديدة تختلف كثيرا عن سابقاتها "سُميت إنتقالية أو لم تسمى"، حتى تعطي الشعور بالتغيير وتبعث الثقة في نفوس المواطنين المحبطين من أداء الحكومات السابقة وتحي بعض الأمل في النفوس. وقد نصّت التوصية رقم (102) من توصيات لجنة قضايا الحكم في الحوار الوطني على ما يلي: "لإنفاذ مخرجات الحوار تكوّن حكومة وفاق وطني من قوى الحوار الوطني والقوى التي تقبل مخرجات الحوار الوطني". وأجيزت هذه التوصية بالإجماع مما يعني أنها نالت موافقة ممثلي الحزب الحاكم وحلفائه الكثيرين من أحزاب وحركات مسرحة، وأصبحت ملزمة على رئيس الجمهورية الذي تعهد أكثر من مرة بتنفيذ مخرجات الحوار. ونناقش في هذه المقالة الخيارات المتاحة لرئيس الجمهورية في تشكيل مثل هذه الحكومة المرتقبة، وأي هذه الخيارات أقدر على تحقيق "الوفاق الوطني" وعلى بعث الثقة في نفوس المواطنين وإحياء الأمل لديهم.
ولنقل أن الخيار الأول المطروح لرئاسة الجمهورية من "لجنة قضايا الحكم" هو تشكيل حكومة سياسية من الأحزاب والحركات التي اشتركت في الحوار الوطني والتي ستقبل بمخرجات الحوار الوطني. والانطباع الذي يخطر على بال المرء ابتداءً أن المشاركين في الحوار فكروا أولاً في تحفيز أنفسهم بالاستحواز على "جائزة" المشاركة في الحوار طالما فاتتهم فرصة المكافأة المالية على حضور جلساته! وذلك بأن تشكل الحكومة الإنتقالية منهم، وينطبق ذات الكسب على عضوية البرلمان والمجالس التشريعية الولائية التي بالغت توصية اللجنة في زيادتها بنسبة 100% وأن تكون أيضا من نصيب قوى الحوار والذين يقبلون مخرجاته! وبما أن المشاركة في الحوار جمعت فأوعت ضمت، كما قال الأمين العام، أكثر من 100 حزب سياسي و35 حركة مسلحة و50 شخصية قومية، فهل يمكن أن تجد حكومة مشكلة من 30 أو 40 وزيراً وفاقاً تاماً من كل هذا العدد بالإضافة لأولئك الذين يقبلون بالمخرجات؟ كيف سيكون الاختيار للوزارة من هذا العدد الكبير؟ ومن الذي سيحدد معايير الاختيار؟ دعك من الآخرين الممانعين للحوار أو الذين لم يدعوا له ابتداء أو بقية الشعب السوداني غير المنظم في أحزاب أو حركات مسلحة! ثم إن الأغلبية الساحقة من المشاركين كانت من أحزاب وحركات ذات وزن خفيف أو خفيف جداً (حسب التعبير الانجليزي لإضعاف التوصيف غير الحميد understatement). وأتوقع أن يطالب الحزب الحاكم كشأنه دائماً بنصيب الأسد في عضوية الوزارة الجديدة وكأنه لم يشبع بعد، وبالطبع سيتبعه آخرون يطلبون أكثر مما يمنح لهم لأن الأوزان ليست متساوية كأسنان المشط! وسيكون هناك بلا ريب تنازع بين الأحزاب على الحقائب السيادية والاقتصادية وعزوف عن الوزارات الهامشية، ولن تقتصر المحاصصة على الأحزاب والحركات بل ستشمل عند كل حزب وحركة تمثيل الأقاليم والمناطق والعرقيات والشلليات. وقد كان الحزب الحاكم يستغرق وقتاً طويلاً عند تكوين كل حكومة تحالفية جديدة خاصة عندما يعرض اختيار ممثليه في الوزارة على المكتب القيادي كما يتطلب دستور الحزب. وليس هناك من ضمان أن نجد بين تلك الأعداد الغفيرة التي ضاقت بها قاعة الصداقة الشخصيات المؤهلة والمقتدرة التي تستطيع أن تشكل حكومة انتقالية ناجحة في المجالات المختلفة بحيث تحقق طموحات الشعب السوداني الذي ينظر دوماً إلى أعلى. وقد ينطبق على تلك الأعداد الغفيرة من المشاركين في الحوار الأثر النبوي الشريف "الإبل مائة لا تجد فيها راحلة". وجرت العادة في تكوين الحكومات التحالفية الحزبية أن يُسمي الحزب من يمثله في الوزارة ولا يتنازل عن ذلك لرئيس الجمهورية أو لرئيس الوزراء، مما يعني عملية شد وجذب طويلة بين الطرفين حتى تستقر الأمور على صيغة نهائية مقبولة لشتى الأطراف. وبالطبع لكل حزب أجندته السياسية ولكل وزير أجندته الشخصية، فكيف يتسنى لهذه الحكومة أن تعمل معاً في تنسيق وتناغم لتحقيق مهام وطنية كبيرة تتطلبها المرحلة الانتقالية وهي بهذا القدر من التنافر والاختلافات في الأجندة والمطامع والطموحات وعدم الثقة. وعلى كل ستكون مثل هذه الحكومة تكرارا رتيباً لما ظل يكونه المؤتمر الوطني من تشكيلات وزارية طيلة ربع قرن من الزمن دون أن يمنحه ذلك ثقة أكبر أو مصداقية أكثر عند المواطن البسيط خاصة الشباب الذي ينفر من كل الأحزاب دون فرز!
الخيار الثاني المحتمل هو تكوين حكومة غالبيتها من ضباط القوات النظامية الذين في المعاش أو في الخدمة يرشحهم بعض زملاء الرئيس أو أصدقائه، بحجة أن هؤلاء سيكونون أكثر طاعة له وأكثر انضباطاً في أداء أعمالهم وأكثر حزما في إدارة مرؤسيهم من الملكيين المتسيبين! ولكن إدارة البشر والمؤسسات على مستوى القطر لتحقيق خدمات ضرورية وأعمال تنفيذية عملية شديدة التعقيد في بلد مثل السودان متنوع ومسيس إلى درجة كبيرة ويعاني من انتشار الفقر والأمية. وهي عملية تختلف تماماً عما اعتاده العسكريون من تحريك وحداتهم من موقع إلى موقعٍ آخر، أو من الدخول في معركة مسلحة بقصد هزيمة العدو أو إجباره على الإنسحاب. فالميزات العسكرية من طاعة وانضباط وحزم لا تفيد كثيرا في إدارة المؤسسات والبشر لتحقيق إنجازات سياسية أو اقتصادية أو خدمية أو اجتماعية، ولم تبرهن العناصر العسكرية في حكومات عبود والنميري والبشير أنها كانت أكثر كفاءة وأحسن إدارة من العناصر المدنية إلا في حالات استثنائية ترجع إلى ميزات المرء الشخصية، مدنياً كان أم عسكرياً، وذلك حسب مؤهلاته وخبراته ومقدراته وحسن تقديره للأمور. والمشكلة الأكبر أن مثل هذه الحكومة ستجابه بمعارضة شديدة من كافة القوى السياسية، بما فيهم قيادات الحزب الحاكم، لأنها بجانب استئثارها بفرص الاستوزار التي يتطلع إليها السياسيون المحترفون تسير ضد مبدأ التحول الديمقراطي الذي أصبح مطلوب كل القوى السياسية والمليشيات المسلحة بدرجات متفاوتة، وهو المبدأ الذي يدعو له المجتمع الدولي ويعترف به الاتحاد الافريقي، مما يعني أن هذه الحكومة ستواجه أيضاً بمعارضة دولية وإقليمية تقلل كثيرا من أدائها واحتمال نجاحها. وستستغرق العناصر العسكرية المستجدة على الإدارة المدنية وقتا طويلا قبل أن تستوعب قوانين ونظم ولوائح الخدمة المدنية، وحتى تتمكن من ذلك الاستيعاب وتعرف خارطة طريقها ستفعل بها البيروقراطية الديوانية المترهلة والمنهارة الأفاعيل! ولا أحسب أن هذا الخيار له فرصة كبيرة في الفوز بتشكيل الحكومة، ولا يعني ذلك إبعاد العناصر العسكرية ذات الخبرة تماماً من الانضمام للحكومة الانتقالية ولكنها لن تكون الغالبة بحال من الأحوال.
الخيار الثالث، وهو ما نحبذه وندعو إليه، هو تشكيل حكومة تكنوقراط من ذوي الكفاءة والأمانة والخبرة في المجالات المهنية التي توكل إليهم. ونظن أن مثل هذه الحكومة أدعى لتحقيق وفاق وطني واسع دون أن تثير شكوكاً أو غيرة أو خوفاً اللهم إلا من القلة المتطلعة للتوزير من عضوية الحزب الحاكم أو حلفائه الأقربين، فهي لا تنافس الأحزاب في الانتخابات القادمة وستكون ذات صدقية أعلى في إدارة انتخابات حرة ونزيهة. وقد ثارت من قبل الغيرة والخوف حتى داخل الحزب الحاكم بين المستوزيرين السابقين واللاحقين وبين الجيل الأكبر والأصغر، فنزع الملك مثل نزع الروح لا يحتمله الإنسان إلا أن يُجبر عليه لكن التداول على السلطة سنة كونية ماضية في الأرض إلى يوم القيامة ولن تجد لسنة الله تبديلا ولا تحويلا، فمن الحكمة أن يتقبل السياسيون في السودان هذه السنة الكونية التي عمت كل أرجاء العالم حتى لا تكون البندقية أو الموت هو سبب الانتقال من حكومة إلى أخرى. وستجد رئاسة الدولة أعدادا من التكنوقراط والمهنيين لاحصر لهم في كل التخصصات التي تحتاجها الدولة، واستطاع هؤلاء أن يبدعوا وينجزوا في كثير من البلاد إلا أن العصبية الحزبية والمطامع الشخصية حالت دون الاستفادة منهم في بلدهم. ومن الضروري أن تتولى هذه الحكومة إنجاز مهام وطنية محددة أعجزت الحكومات السابقة وأضعفت المشاركة في النظام السياسي للدرجة التي دفعت الحزب الحاكم أن يتنازل عن بعض دوائره الانتخابية ليغري بعض الأحزاب الضعيفة بالمشاركة دون تنافس يذكر، ومع ذلك صار البرلمان مسرحاً لحزب واحد يلعب فيه مع نفسه في بلد عرف بكثرة التنوع السياسي والثقافي والعرقي. ويمكن لهذه الحكومة أن تستفيد من مخرجات الحوار الوطني في معالجة بعض القضايا الهامة التي دار حولها نقاش كثيف داخل لجان الحوار مثل: تحقيق السلام في أنحاء البلاد، حلحلة الأزمة الاقتصادية، تحسين العلاقات الخارجية، التوافق على دستور دائم، التوافق على قانون عادل للانتخابات. وتحتاج مثل هذه الحكومة لتفويض واسع من رئاسة الجمهورية حتى تتمكن من إنجاز المهام الموكلة لها دون عراقيل أو تدخل من جهة خارجية. وأحسب أنها ستكون الحكومة الأنسب لمعالجة معضلات وأوجاع الخدمة المدنية المنهارة من تجربة التعامل المباشر معها.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.