خرجت الحركة الشعبية بعد تظاهرة واحدة مع أحزاب المعارضة الشمالية أمام البرلمان في يوم (7/12) فائزة بما تريده من الاتفاق مع المؤتمر الوطني على أهم مشروعات القوانين التي تهمها وهي: قوانين استفتاء أهل الجنوب حول تقرير المصير، واستفتاء سكان منطقة أبيى في استمرار تبعيتهم لجنوب كردفان بالشمال أو انضمامهم إلى بحر الغزال في الجنوب، والمشورة الشعبية لمجلسي جنوب كردفان والنيل الأزرق التشريعيين حول اتفاقية السلام الشامل، وهل أدت إلى إنهاء النزاع السياسي في أي من الولايتين أم أن هناك قصورا في ترتيبات الاتفاقية يحتاج إلى تصحيح يتم التفاوض حوله مع الحكومة المركزية. ولم تستطع الحركة أن تحقق ذلك الفوز الكبير عندما انسحبت من البرلمان ومن مجلس الوزراء لذات السبب المتعلق بعدم إجازة تلك القوانين، ولم يأبه المؤتمر الوطني حينذاك لغياب الحركة بل ذهب رئيس البرلمان إلى حد تطبيق حرفية اللائحة على النواب المتغيبين من الجلسات بقطع رواتبهم الشهرية، واستمر المجلس الوطني في أعماله المعتادة وكأن شيئاً لم يكن، بل أجاز الموازنة العامة لسنة 2010م وهي أهم قانون مالي للدولة في غياب نواب الحركة. فما الذي حدث في مظاهرة الاثنين حتى دفع رئيس الجمهورية ورئيس المؤتمر الوطني لمهاتفة رئيس الحركة الشعبية في جوبا ودعوته لاجتماع عاجل بمجلس الوزراء لمناقشة مشكلة القوانين العالقة والتي سبق أن استعصت على الاتفاق في اللجنة المشتركة وفي حضرة المبعوث الأمريكي اسكوت غرايشن عبر عدة اجتماعات في واشنطن والخرطوم وجوبا؟ وبعد أن تمنع رئيس الحركة الشعبية أن يحضر بالطائرة العادية حديثة الصيانة التي أرسلت إليه، سارعت الحكومة بإرسال طائرة رئاسية في اليوم الثاني، وتأجل الاجتماع يوماً كاملاً بذلك السبب. وعندما حضر رئيس الحركة قابل أولاً أحزاب المظاهرة أو «أحزاب الإجماع الوطني» كما يسمونها قبل أن يلتقي بالرئيس ومساعديه مساء الجمعة (11/12)! واستمرت المفاوضات المكثفة بين الفريقين ثلاثة أيام حسوما خرجت منها الحركة فائزة بما تريده من مشروعات القوانين وبنسب مئوية متواضعة لتسجيل الناخبين في استفتاء الجنوب (60%) واعتماد نتيجة الانفصال بنسبة (50% + 1)، وقد كان المؤتمر الوطني يطالب من قبل  بنسبة (75%) للتسجيل ومثلها لإمضاء الانفصال فهو يريد جعل الانفصال أمراً صعباً كما جاء على لسان رئيس المجلس الوطني. فما هو الجديد في مظاهرة الاثنين الذي دعا المؤتمر الوطني لاستعجال حل المشكلة والتنازل عن مواقفه الماضية بشأن تعقيد قانون الاستفتاء؟

هناك شيئان يخشاهما المؤتمر الوطني خشية الموت أولهما: نزول الجماهير غير الموالية إلى الشارع العريض خارج سيطرته واحتجاجاً على بعض سياساته؛ فهو يخشى أن تتحول مثل هذه التجمعات الجماهيرية إلى تيار واسع يطالب بسقوط النظام لذلك دمغ المظاهرة قبل أن تخرج بأن القصد منها هو إسقاط النظام، وتلك مخاطرة لا يحتملها النظام الحاكم بحال من الأحوال شأن كل نظام شمولي معتق. الغريب في الأمر أن الحزبين الشقيقين المتناحرين (المؤتمر الوطني والمؤتمر الشعبي) هما وحدهما المهووسان بسقوط النظام عبر انتفاضة شعبية (الأول يخشاها والثاني يريدها) في حين تخلت عنها بقية الأحزاب! وثانيهما: تحالف الحركة الشعبية سياسياً وانتخابياً مع أحزاب المعارضة الشمالية، فهو يعتقد أن الحركة ملزمة أخلاقياً وسياسياً بالتحالف معه دون غيره لأنها شريكته في اتفاقية السلام الشامل وفي السلطة وقد حاول جاهداً أن يعقد معها شراكة تحالفية سياسية منذ أن هبط وفد مقدمتها في الخرطوم في 2004م فرفضت بحزم وذكاء، وليس في اتفاقية السلام ما يلزمها بذلك ولا في تقاليد العمل السياسي السوداني فكل الأحزاب المؤتلفة في الحكومات الديمقراطية السابقة كانت تكشر عن أنيابها لحلفائها عندما تحين الانتخابات. ربما ظن المؤتمر الوطني أن اتفاقية السلام بنيت على مفهوم غير مكتوب يجعل الجنوب من نصيب الحركة مقابل أن يصبح الشمال من نصيب المؤتمر، ومن ثم لا يحق للحركة أن تعبث في منطقة نفوذ المؤتمر (والعكس ليس صحيحاً!). وكان ينبغي على المؤتمر أن يتنازل عن مفهومه الاحادي هذا عندما وجد أن الحركة تبني تنظيماً ناشطاً في الشمال يدعمه وجود جنوبي مقدر بالإضافة إلى حلفاء الحركة من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، ومن الأقليات الأخرى «المهمشة». وقد عرفت الحركة الآن نقطة ضعف المؤتمر تجاه المسيرات الجماهيرية والتحالف مع المعارضة الشمالية، فليستعد المؤتمر للمزيد من مثل هذه التظاهرات عندما يحتدم الخلاف بينه وبين الحركة حول قضايا ما بعد الانفصال!

وليست أحزاب المعارضة الشمالية بأحسن حالاً من المؤتمر الوطني في تعاملها مع الحركة الشعبية. فقد سبق للحركة أن نفضت يدها من التجمع الوطني الديمقراطي عندما لاحت لها فرصة مفاوضات جادة مع حكومة الإنقاذ في يوليو 2002م، وقبلت طائعة أن تكون المفاوضات ثنائية بينها وبين المؤتمر الوطني في نيفاشا إلى أن ختمت بنجاح في نهاية عام 2004م، وقبلت أن يكون اقتسام السلطة ثنائياً أيضاً بينها وبين المؤتمر رغم عبارات المجاملة التي وردت في الاتفاقية تتحدث عن المصالحة الوطنية والوفاق الوطني وحكومة الوحدة الوطنية. ولم تنسحب الحركة رسمياً من التجمع الوطني لكنها تجاهلته تماماً بعد أن حققت غرضها بعقد الاتفاقية وتسلم السلطة كاملة في الجنوب. وألجأتها بعض خلافاتها الحادة مع المؤتمر الوطني لمغازلة أحزاب المعارضة الشمالية بين وقت وآخر، مثل ما حدث عندما رفض المؤتمر الوطني تنفيذ تقرير الخبراء حول حدود منطقة أبيي وعند ظهور نتيجة التعداد السكاني وأخيراً عند الاختلاف حول قوانين الاستفتاء للجنوب وأبيي والمشورة الشعبية. وعندما ينتهي الخلاف مع الشريك المشاكس تنتهي المغازلة مع الحليف الضعيف! وفي الجولة الأخيرة لم تتردد الحركة في التنازل عن موقفها من تعديل قانون الأمن الوطني الذي تتمسك به أحزاب المعارضة بعد أن قبضت الثمن في قوانين الاستفتاء والمشورة، ولا بأس من تكتيك مكشوف يحفظ ماء الوجه وهو أن تعارض القانون من داخل البرلمان ولكن تدعه يمر بالأغلبية الميكانيكية للمؤتمر الوطني، ولتحارب أحزاب المعارضة المتشظية بعد ذلك معاركها بأي أسلوب تشاء! ولن يكون حظ قانون النقابات والاتحادات مختلفاً عن قانون الأمن الوطني، فهذه قوانين وضعت وتطبق على أهل الشمال وليصنع أهل الشمال (حكومة ومعارضة) فيها ما يريدون!

الغريب في الأمر أن سبب قوة الحركة الشعبية الخفي الذي يمكنها من اللعب الماكر على الحزب الحاكم وعلى أحزاب المعارضة الشمالية هو موقف المؤتمر الوطني الثابت من رفض أي تقارب جاد مع أحزاب المعارضة والاستجابة لمطالبها في بسط الحريات وقومية الخدمة المدنية والقوات النظامية وأجهزة الإعلام الرسمية، لذلك لم ينفذ اتفاقية واحدة عقدها مع حزب أو تنظيم شمالي معارض. أما أحزاب التوالي فتعرف قدرها ولا تتطلع لأكثر مما وجدته من غنيمة في ظل حكومة الوحدة الوطنية. ولذا تجد أحزاب المعارضة نفسها مضطرة للاستجابة إلى دعوات الحركة الشعبية بالتحالف قصير المدى (مثل زواج المتعة) رغم معرفتها التامة بأن الحركة ستتخلى عنها في أول منعطف تحل فيه مشكلتها مع المؤتمر الوطني. ويكمن تفسير سلوك المؤتمر الوطني قصير النظر في اعتباره أن أحزاب المعارضة هي التي ستنافسه في حكم الشمال وليس الحركة الشعبية لذلك ينبغي أن تظل في أضعف حالاتها وأن تقمع بالقوة إذا دعا الحال كما جاء على لسان بعض المتنفذين في قيادة المؤتمر الوطني. وبهذا التفكير الحزبي الضيق سيجد المؤتمر الوطني نفسه مضطراً للتنازل أكثر وأكثر من حقوق الشمال الذي يتحدث باسمه دون تفويض شعبي استجابة للضغوط الداخلية والخارجية، وسيبقى معزولاً عن تأييد القوى الشمالية المعتبرة إذا دخل في مواجهة مع الحركة الشعبية أو مع المجتمع الدولي أو حتى مع دول الجوار الإقليمي؛ لأنه أحرق مراكبه مع الآخرين. ولات ساعة مندم!