وصلت العلاقة بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني إلى أسوأ حالاتها في مواجهة الشرطة بالقوة المفرطة لموكب يوم الإثنين (7/12) الذي دعت له الحركة الشعبية من خلال أحزاب مؤتمر جوبا وتقدمته قياداتهم في الحزب وفي المجلس الوطني، وقد طال الضرب والاحتجاز في حراسات الشرطة بعض تلك القيادات. وقد كان الموكب هو الخطوة الأخيرة في سلسلة الخطوات التصعيدية التي جرت بين الشريكين المتشاكسين منذ بداية اختلافهما على عدد من القوانين الهامة (استفتاء جنوب السودان، استفتاء تبعية أبيى، المشورة الشعبية لجنوب كردفان والنيل الأزرق، الأمن الوطني، النقابات والاتحادات. وأضيفت لهم من باب المزايدة والمساومة القانون الجنائي والإجراءات الجنائية والنظام العام والدفاع الشعبي والشرطة الشعبية)، ولم تنجح جولات المبعوث الأمريكي اسكوت غرايشن المتعددة بين واشنطن والخرطوم وجوبا في اقناع الطرفين بالوصول إلى حلول وسطى، ومن ثم بدأ التصعيد من جانب الحركة بالانسحاب من جلسات المجلس الوطني ومن جلسات مجلس الوزراء، ورد المؤتمر الوطني بخطوة تصعيدية لا تخلو من الغباء السياسي وإن كانت مبررة لائحياً وهي وقف مرتبات نواب الحركة المقاطعين لجلسات البرلمان ومخصصاتهم من الوقود والاستمرار في أعمال المجلس التشريعية بما في ذلك إجازة الموازنة العامة في غياب أعضاء الحركة. وأحسب أن الخطوة الأخيرة كان لها دور في إقناع قيادات الحركة بالدعوة لموكب الإثنين.

وإذا عيب على الحركة أنها تلعب دور الشريك في الحكومة ودور القيادي في المعارضة في وقت واحد، فيعاب على المؤتمر الوطني أيضاً أنه يعامل الحركة بدونية لا تليق بشريك في اتفاقية السلام الشامل وفي الحكومة الاتحادية. فلم تكن المعاملة الاستفزازية لموكب الحركة هي المرة الأولى فقد سبق لوزير الداخلية السابق، الزبير بشير، أن أمر بتفتيش دور الحركة وبيوت كبار ضباطها في مجلس الدفاع المشترك بحثاً عن سلاح مخبأ فيها بناءً على معلومات أمنية خاطئة، وهي سابقة لا مثيل لها في تعامل الحكومات المؤتلفة تحت أنظمتنا العسكرية أو الديمقراطية. كما درج المؤتمر الوطني على اتخاذ بعض القرارات الهامة في الدولة دون مشاركة الحركة أو اعتبار لرأيها إن كان معلناً مثل ما حدث في رفض مجئ القوات الدولية لدارفور والذي تراجع عنه المؤتمر فيما بعد تحت ضغوط دولية، وعدم الاعتراف أو التعامل مع المحكمة الجنائية، وأخيراً طرد بعض المنظمات الدولية من دارفور دون علم وزير الشئون الإنسانية الذي ينتمي للحركة. وكأنما يريد المؤتمر الوطني أن يقول للحركة إن نصيبها من السلطة في الشمال هو الرواتب والعربات والمكاتب والمخصصات الأخرى ولكن ليس من حقها المشاركة في صنع القرارات المهمة، ويكفيها ما تمارسه من سلطة مطلقة في الجنوب فإتفاقية السلام كلها بنيت على قسمة الشمال للمؤتمر والجنوب للحركة! وقد يقول بعض فصحاء المؤتمر الوطني إن الحركة أيضاً لا تأبه لمعاملة المؤتمر الوطني في الجنوب بصورة تليق بالشراكة بينهما أو تعطيه نفس القدر من الحرية التي تجدها في الشمال، وهذا قول فيه الكثير من الحقيقة ولكنه يغفل الفرق الكبير بين واقع الشمال السياسي والإداري وواقع الجنوب، ويعني ذلك الفرق أن المتوقع والمطلوب من المؤتمر أن يكون أكثر نضجاً سياسياً فهو يعتمد على قاعدة حزبية لها نصف قرن من الممارسة السياسية  ولأن مسئوليته هي الأكبر في شراكة الحكم وتجربته طويلة في السلطة (أكثر مما ينبغي!) مع وجود أجهزة مدنية ونظامية عريقة تحت تصرف الدولة، في حين ما زالت الحركة تعاني مصاعب جمة  في التعامل مع واقع الجنوب القبلي المعقد دون تجربة تذكر أو أجهزة معينة أو كوادر مقتدرة أو نظم مستقرة للإدارة أو خدمات أساسية  توفر الحد الأدنى الذي يتطلع إليه سكان المدن في الجنوب.

إن رفض التصديق لموكب الإثنين ومواجهته بذلك القدر من القوة المفرطة وسوء معاملة قادته والشتيمة المعلنة للحركة الشعبية والأحزاب المتوالية معها من بعض المتنفذين في المؤتمر الوطني وأدواتهم الإعلامية خطأ سياسي فادح وقبيح، يتناسى التوجيه الرباني الحكيم «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم». ورفض التصديق  يعني استمرارية المؤتمر الوطني في منهجه الشمولي فهو لم يحدث أن سمح مرة واحدة لأي موكب في الشارع يحتج على بعض سياساته أو يطالب ببعض الحقوق ولو كان يضم بضع عشرات من المعاشيين  يطالبون بمرتباتهم الهزيلة التي لا تفتأ تتأخر عليهم، وقد تدفع هذه المعاملة غير اللائقة الحركة الشعبية لمحاولة عقد تحالف انتخابي مع المعارضة الشمالية ضد المؤتمر الوطني، وتقنع من لم يقتنع حتى الآن أن الشمولية المستبدة ما زالت قائمة وستبقى ما بقي المؤتمر في السلطة، وستجر عليه انتقادات دولية تزيد الطين بلة! وليس صحيحاً أن الحركة الشعبية أو الأحزاب الأخرى المشاركة معها في الموكب - باستثناء المؤتمر الشعبي- تريد إسقاط الحكومة عن طريق تسيير المواكب والمظاهرات لأن ذلك ليس في مصلحتها ولأن القراءة الموضوعية لموازنة الحشد السياسي في الشارع تجعل ذلك أمراً غير ممكن، ولكن المؤتمر الوطني مرعوب من أية حشود جماهيرية تسير في الشارع  ولا يسيطر عليها شأن كل نظام شمولي معتق!

وأحسب أن الأزمة الحالية ستحل قريباً (إن شاء الله) من خلال الاجتماعات الرئاسية التي بدأت نهار الخميس (10/12) وتستمر يوماً أو اثنين، لا لأن الشريكين أصبحا أكثر تعقلاً أو نضجاً ولكن لأن اللعب الخشن بينهما وصل إلى حافة الهاوية ولم يتبقَ لهما إلا السقوط وهما أحرص الناس على الحياة السياسية والتشبث بالحكم مهما كانت التضحيات بالقيم والمواقف. وفي نهاية المطاف سيستجيب المؤتمر الوطني إلى ما تريده الحركة  في قانون استفتاء الجنوب واستفتاء تبعية أبيى ويصلا إلى حل وسط بشأن قانون المشورة الشعبية، وتستجيب الحركة بدورها إلى ما يريده المؤتمر الوطني في قانون الأمن الوطني وقانون النقابات، وستنسى الحركة الشعبية تماماً أنها طالبت بتعديل القانون الجنائي والإجراءات الجنائية وإلغاء قانون الشرطة الشعبية والدفاع الشعبي والنظام العام، فتلك قوانين تهم القوى السياسية الشمالية والحركة - كما سبق أن قالت- لن تحارب معارك الآخرين! لعل المعضلة التي تستعصي على الحل هي مطالبة الحركة بالسماح لها بموكب جماهيري احتجاجي يرد لها بعض كرامتها التي أهدرت، وربما يجد المؤتمر نفسه مضطراً للتصديق بموكب يسير وفق شروط مشددة في الحركة والشعارات والمخاطبة! ويبقى لدى الحركة  أهم أسلحتها وهو كرت التحالف الانتخابي لمرشح رئاسة الجمهورية الذي ستطالب بثمن باهظ له، فليستعد المؤتمر الوطني وإلا خسر الفوز من الجولة الأولى!