عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

يبدو ان الأمين العام للأمم المتحدة، بان كى مون، وربما بعض السياسيين الغربيين يتخوفون من ردة  فعلٍ عنيفة ضد موظفى وقوات الأمم المتحدة فى السودان وضد الدبلوماسيين الغربيين والعاملين فى منظمات الإغاثة الدولية اذا ما صدرت مذكرة توقيف فى حق الرئيس البشير من الهيئة التمهيدية لمحكمة الجنايات الدولية. ولذلك وجه الأمين العام خطابه للحكومة السودانية أن تتصرف بمسئولية اذا صدرت تلك المذكرة، ولم يقصر بعض المسئولين فى الدولة والمحسوبين عليها فى أجهزة الإعلام أن يغذوا ذلك  الشعور الوجل بتصريحاتهم الشاطحة أن الأرض فى السودان ستنفجر حمماً ضد كل من وقفت بلاده خلف قرارات محكمة الجنايات الدولية، وسيتوقف انفاذ اتفاقية السلام الشامل بين الشمال والجنوب، وستعم الفوضى والاضطراب كل المنطقة من حول السودان. ولتأكيد احتمال الفوضى الضاربة سارت المظاهرات الحاشدة والمنظمة فى عدد من الحواضر والمدن، خاصة فى حضور الرئيس وصحبه الميامين، تردد الهتافات الغاضبة وتحمل ذات الرسالة الى العالم الخارجى ثم الداخلى. ولأسباب عدة  أظن أن شيئاً من هذا التهويل المصنوع سوف لا يحدث، لن يضرب حجر رأس دبلوماسى غربى، ولن تطرد القوات الهجين من دارفور، ولن تعم الفوضى دارفور دعك من السودان او المنطقة بأسرها، ولن يتوقف إنفاذ بنود إتفاقية السلام الشامل. ولكن ستجرى مظاهرات عديدة يدعو لها اتحاد عمال نقابات السودان واتحاد المحامين والاتحاد الوطنى للشباب واتحاد المرأة السودانية والاتحاد العام للطلاب السودانيين تندد بقرار الهيئة التمهيدية للمحكمة الجنائية، وأنها صنيعة للدول الاستعمارية تنفذ أجندتها ضد الحكومات الاسلامية المستقلة التى تقف ضد مخططاتها الامبريالية! وبعد يومين أو ثلاثة أو أسبوع ستتوقف المظاهرات وتسير الحياة فى شوارع الخرطوم وغيرها من الحواضر سيرتها الأولى. وكلما اتخذ مجلس الأمن أو الاتحاد الأوربى أو الولايات المتحدة قرارا عقابياً يضغط به على الخرطوم لتنفيذ مذكرة المحكمة ستتجدد المظاهرات والخطب ليوم أو اثنين وتتوقف وكأن شيئاً لم يكن! أما اذا كانت القرارات صارمة وذات طبيعة قاتلة فان الحكومة ستتخير بعض الدول المعادية لترد عليها بعقوبات ما، وستحاول فى ذات الوقت أن تصل معها الى معادلة ما تحفظ بها حياتها وماء وجهها.
لماذا نعتقد فى هذا  السيناريو المطمئن رغم أن المؤشرات تدل على غيره؟
أولاً لأن التجربة تكررت من قبل  "حذو النعل بالنعل" فى أغسطس 2006م عندما صدر قرار مجلس الأمن رقم 1706 الذى نصّ على مجئ قوات دولية الى دارفور بدلاً من قوات الاتحاد الافريقى الضعيفة والتى كانت تعانى من مشكلات تمويلية مستديمة، ورفض حكومة السودان ذلك القرار بعصبية وقامت الدنيا ولم تقعد، وسارت المظاهرات الهادرة فى شوارع المدن والقرى، ودبجت الخطب النارية  فى المنتديات السياسية والمساجد وتحت قبة البرلمان وتدفقت أحبار كثيرة على الورق دفاعاً عن سيادة السودان التى أوشكت أن تنتهك، وقيل وقتها أن بطن الأرض خير من ظاهرها ان جرؤت القوات الدولية أن تطأ شبراً من أرض السودان الغالية. ولكن بعد تحسينات طفيفة على القرار وافق السودان على قرار مجلس الأمن رقم 1769 الذى صدر فى يوليو 2007م يقنن لمجئ ذات الأعداد من القوات المختلطة (أفريقية وآسيوية) تحت قيادة الأمم المتحدة. ولم يقع شئ  من الوعيد والتهديد التى أنذرت به الدول الغربية والأمم المتحدة، ولم يحاول أحد أن يجاهد ضد تلك القوات بماله أو نفسه، اللهم الا بعض عناصر  حركات التمرد فى دارفور  التى "قرضها الجوع" فأرادت أن تنهب شيئاً من عربات وغذاءات تلك القوات.
ثانياً لأن الشعب السودانى طيب ومتسامح   يكره العنف ولا يمارسه إلا اذا دفع اليه دفعاً عن طريق الظلم والحقارة والاستخفاف (والتهميش نوع من الظلم والحقارة)، وذلك رغم ما جرى فى السنوات العشر الماضية من سلوك يتنافى مع تلك السجية الطيبة المتسامحة. أذكر أننا تظاهرنا فى جامعة الخرطوم فى يونيو 1967 ضد بريطانيا وأمريكا لأنهما اشتركتا، كما ادعى عبد الناصر، فى الحرب مع اسرائيل ضد مصر، ومرت المظاهرة أمام منزل السفير البريطانى فى شارع عثمان دقنة فخرجت زوجة السفير تتفرج على المظاهرة التى تهتف بالموت لبريطانيا وأمريكا، ولم تكتف بالتفرج بل لوحت بيديها مبتسمة تحى المظاهرة ورددنا التحية بأحسن منها فلوحنا لها  بأيدينا ونحن نبتسم ونضحك وكأننا نعتذر عن الهتاف ضد دولتها العظمى، ولم يخطر ببال أحد من الطلاب أن يقذفها بحجر أو يسئ إليها! وبالطبع كانت تعرف ذلك فخرجت من بيتها دون خوف، وما كانت ستفعل ذلك فى بلد أخرى ولو كانت أوربية. هذا الشعب الطيب لا يتوقع أن يعتدى على سفراء الدول الغربية أو على قوات الأمم المتحدة أو موظفى منظمات الإغاثة الإنسانية، فلم يستطع فكر العنف السلفى الوافد علينا والممول خليجياً أن يؤثر إلا على أفراد قلائل  من الشباب ظنوا  خطأً أن بعض مقولات المسئولين الشاطحة تعنى أن الدولة تؤيد استعمال العنف ضد الأوربيين والأمريكيين، فاذا بهم يجدون أنفسهم داخل معتقلاتها أو تحت المحاكمة.
ثالثاً أن الحكومة "الأصولية" القائمة رغم كل شعاراتها الجهادية ومقولاتها الشاطحة تعرف جيداً كيف تحمى نفسها من "التهلكة" وتحمى سلطانها من الزوال. فهى التى طبعّت علاقاتها مع مصر رغم غزوها المسلح على مثلث حلايب بل وسلمتها بعض عناصر الجماعة الاسلامية التى كانت مستضافة فى السودان، وهى التى أقفلت بالضبة والمفتاح دار المؤتمر العربى والاسلامى الذى كان يضم الجماعات المعارضة للأنظمة العربية رغم انه كان تحت قيادة الشيخ المرشد، وعقدت اتفاقية سلام  متسامحة وكريمة  مع الحركة الشعبية تحت مظلة شركاء الايقاد من الأوربيين والأمريكان وما كانت الحركة ستجد مثل هذا التساهل من أى حزب شمالى آخر، وقبلت الحكومة مكرهة بمبادئ التعددية وحماية حقوق الانسان فى الدستور الانتقالى وهى التى أسست فى بداية عهدها شمولية غير مسبوقة فى السودان، ووضعت "مشروعها الحضارى" فى درج سحيق حتى لا يسمع به أحد بعد ذلك،  ورضيت لنفسها أن تعقد اتفاقية تعاون أمنى مع المخابرات المركزية الأمريكية بل وتنسق لها تعاوناً على مستوى القارة الافريقية ندفع له من حر مالنا، وقبلت أن تعقد اتفاقيات سلام مع أى فصيل مسلح فى دارفور كانت تصفه بعصابة النهب المسلح والعمالة للقوى الغربية والصهيونية، وأخر المسلسل هو المفاوضات الجادة التى تجرى حالياً مع د. خليل فى الدوحة. حكومة هذا منهجها الفكرى  ومسلكها السياسى تتمتع ببراجماتية واسعة وبذرائعية لا حدود لها لا يمكن ان تقدم على انتحار عضوى أو سياسى لتناجز المجتمع الدولى فى ساحة الوغى، يردعها عن ذلك ما شاهدته بعينيها فى أفغانستان والعراق.
لكل تلك الأسباب لا نظن أن شيئاً سيحدث فى الجبهة السودانية اذا صدرت مذكرة توقيفية ضد الرئيس من هيئة المحكمة التمهيدية، ولا يعنى ذلك بالطبع أن يقول أحد بتسليم الرئيس للمحكمة، فالمذكرة شئ والتسليم شئ آخر. وقد بدأت الحكومة الآن تستجيب للتعامل القانونى مع المحكمة بصورة غير مباشرة، وانطلقت وفود  كثيرة الى كل أنحاء الدنيا  تشرح وجهة نظر الحكومة الى تلك الدول تركز في شرحها  ليس على عدم اختصاص المحكمة فتلك حجة خاسرة ولكن على نتائج قرارها بالنسبة للسلام فى السودان، وجاءتنا كذلك  وفود عديدة صرف على استضافتها ما صرف حتى تنبرى للتضامن مع حكومة السودان ضد قرارات المحكمة الجنائية المتوقعة. والحقيقة أن  الدول الغربية ذاتها لا تريد  أن يسلم البشير نفسه للمحكمة لكنها تنتظر القرار حتى تضغط أكثر على الحكومة السودانية، فتنفذ ما كانت لا تريد تنفيذه فى اتفاقية السلام الشامل، وتعطى فصائل دارفور تنازلاً سياسياً موجعاً لها، وتعقد محاكمات أكثر جدية لمن ارتكب انتهاكات فى حق أهل دارفور، وتنزع أسلحة المليشيات التى دعمتها وحرضتها على حرب المتمردين. وذلك غاية المنى بالنسبة لهم، وبعد أن يعم السلام أنحاء البلاد ويقرر أهل الجنوب ماذا يريدون بنهاية الفترة الانتقالية فلكل حدث حديث ضد الحكومة الأصولية ورموزها.  وقديماً قال جرير  بيتا  صار مثلاً شروداً: زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاً    فابشر بطول سلامة يا مربع!