تصاعدت خطوات الحركة الشعبية في الأيام الماضية  بالكشف عن نواياها تجاه قضية الوحدة بين الشمال والجنوب، بدأ التصعيد بخطاب الفريق سلفاكير ميارديت النائب الأول لرئيس الجمهورية في إحدى كنائس العاصمة الجنوبية الذي قال بجرأة غير معتادة إن التصويت للوحدة في الاستفتاء يعني قبول الجنوبيين أن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية! ولحق به في غضون بضعة أيام دينق ألور وزير الخارجية الذي صرح في منتدى «الوحدة وتقرير المصير في السودان» الذي نظمته بعثة الأمم المتحدة (ينميس) بالتعاون مع مؤسسة اتجاهات المستقبل، بأن عروبة وإسلامية الدولة هي أكبر مهددات الوحدة لأن الشريعة الإسلامية تعتبر غير المسلم (ذمياً) ومواطناً من الدرجة الثانية ولا يتساوى في الحقوق مع المسلم، وأنه بدون فصل الدين عن الدولة فلا مجال غير الطلاق بسلام. والتقط إدوارد لينو القيادي في الحركة القفاز لينطلق منه إلى مستوى أعلى من التصعيد يضعه تحت طائلة القانون، فقد قال في مقابلة تلفزيونية بثتها قناة الجزيرة  إن على المواطنين (المهمشين) في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق أن يتوحدوا ويثوروا في وجه حكومة الخرطوم لإسقاطها إن أرادوا العيش الكريم كمواطنين متساوين في الحقوق! وردت بعد ذلك توضيحات من مسئولين في حكومة الجنوب تخفف من وقع تصريحات سلفاكير، ولكن الأحاديث التلقائية من السياسيين هي عادة أكثر صدقا من التوضيحات الدبلوماسية التي تعقبها. وانبرى غازي صلاح الدين مستشار رئيس الجمهورية في حضور اسكوت غرايشن للرد على دينق ألور بأن حديثه (مفبرك) لا يستند على حقائق وقد ظل يردده  منذ عشرين سنة، وأن بروتوكول ميشاكوس الذي تراضى عليه الطرفان قد حسم وضعية الشريعة الإسلامية وأن مصطلح (ذمي) لم يرد في الاتفاقية التي هي المرجع للنظام القائم وليس الدولة الإسلامية. وقد اتفق معظم المتحدثين في المنتدى أن (الوحدة الجاذبة) قد فات أوانها وأصبحت في خبر كان وأن من الأفضل التركيز على حلحلة مشكلات الانفصال حتى يأتي سلمياً وسلساً يسمح بالتعايش وحسن الجوار. وعبر بعض المشاركين، وأنا أحدهم، أن الخوف الحقيقي ليس هو الانفصال في حد ذاته ولكن ما يمكن أن يعقب ذلك الانفصال من حرب وتمزق قبلي وإقليمي في كل من الشمال والجنوب، وعندها ستكون اتفاقية السلام التي أوقفت الحرب واعتبرها الشريكان أعظم انجاز سياسي لهما أكبر مصيبة حلت بالسودان منذ الاستقلال، والمسئولية يتحملها الطرفان!

وتصعيد الخلافات بين الشريكين إلى درجة غير مسبوقة أدت إلى انسحاب أعضاء الحركة الشعبية من البرلمان ومن مجلس الوزراء ونادى بعض قادة الحركة بانسحاب منسوبيها من جهاز الأمن، والرد غير الموفق من رئيس المجلس بأنه سيسعى لتمرير القوانين المختلف عليها في غيبة عضوية الحركة ومن يتحالف معها ويعاقب الأعضاء المتغيبين بقطع مخصصاتهم حسب ما تنص عليه لائحة المجلس. وكل ذلك يصب في خانة التصعيد ويزيد النار اشتعالاً مع القرب من حلول موعد الانتخابات التي إذا انعقدت في هذا المناخ الشقاقي المتوتر، ستفجر الأوضاع وتقود حتماً إلى ما نخشاه من انفصال وحرب وتمزق. ولا ينبغي للمؤتمر الوطني أن يخدع نفسه ويظن أن خيار الوحدة ما زال وارداً وأن شعب الجنوب سيعاقب الحركة الشعبية في الانتخابات القادمة على سوء إدارتها في الحكم وسيصوت للوحدة نكاية فيها أو تخلصاً من سيطرتها، لو جاز ذلك في الجنوب لجاز مثله في الشمال، فإن أداء المؤتمر الوطني في الشمال لمدة عشرين سنة كان معيباً في كثير من المجالات ويستحق عقاباً صارماً من الناخبين، ولكن المؤشرات المنظورة تقول بغير ذلك خاصة في الأرياف الشمالية التي تعاني من الفقر والجهل ومع ذلك لا تجد خياراً أفضل! وإذا حدث ما نخشاه من انفصال وحرب وتمزق، فإن المسئولية الأولى عن ذلك تقع على عاتق المؤتمر الوطني الذي توصل إلى اتفاقية نيفاشا مع الحركة وأقصى كل القوى السياسية الأخرى عن المشاركة في صناعتها، وفرض نفسه دون تفويض ممثلاً رئيساً للشمال بأغلبية تشريعية وتنفيذية على المستوى الاتحادي والولائي، وأعطى ذات القدر من السلطة للحركة الشعبية في الجنوب لتكون الحاكمة والناطقة باسمه في كل المجالات، وفشل في بذل الجهد المطلوب ليجعل الوحدة جاذبة لأهل الجنوب وأن يحقق وحدة وطنية ولو على مستوى الشمال. ويتحمل بالطبع قدراً من المسئولية في كل الخلافات والاحتكاكات التي وقعت بينه وبين الحركة الشعبية طيلة السنوات الخمس الماضية، مما يعني أنه سيتحمل مسئولية وطنية وتاريخية عن نتائج ما صنعت يداه من انفصال وحرب وتمزق إذا ما وقع ذلك في نهاية المطاف، خاصة بالنسبة لأهل الشمال الذين يتحدث باسمهم ويطمع في أن يحكمهم لفترات أخرى قادمات!

والسؤال الهام هو: إذا ما كانت الأمور تسير في هذا الاتجاه المقلق الخطير، فماذا ينبغي على الحزب الحاكم أن يفعل حتى تتفادى البلاد تداعيات حرب بين الشمال والجنوب  وتمزيق أوصال الشمال في حالة الانفصال الذي لا محالة واقع؟ أول ما ينبغي فعله هو تهدئة التصعيد مع الحركة الشعبية ووقف هذه المناكفات الجانبية التي تزيد من احتمالات الصراع ولا تخدم قضية الوحدة بحال من الأحوال، وهذا يعني التسليم بترجيح الانفصال والتخلي عن محاولة فرض الوحدة بإجراءات يائسة عن طريق قانون الاستفتاء أو غيره من الأساليب. هذا لا يعني قبول فكرة تقديم الاستفتاء على الانتخابات كما يدعو بعض أعضاء الحركة ويؤيدهم المبعوث الأمريكي الذي لا يملك إلا أن يساير الحركة الشعبية في كل ما تطلب بحكم تأثير جماعات الضغط الأمريكية على قرارات إدارة الرئيس أوباما الذي يمثله. إن أهم شرط ينبغي الحرص عليه في إجراء تقرير المصير هو أن تقوم به حكومة منتخبة كما نصّت على ذلك اتفاقية السلام الشامل وليس زيادة  أعداد الناخبين المسجلين أو المصوتين في الاستفتاء، حتى تتحمل تلك الحكومة المنتخبة مسئوليتها كاملة عن الانفصال أمام شعب الجنوب في المستقبل، وحتى لا يقال إن المؤتمر الوطني سلم الجنوب لقمة سائغة  للحركة الشعبية مقابل أن يسيطر هو على الشمال، ولو جاز ذلك في الفترة الانتقالية لأسباب استثنائية من أجل وقف الحرب فلا يجوز لتنظيمين عسكريين أن يحددا مستقبل الأجيال القادمة بالسودان في غيبة كاملة لإرادة شعبه ومنظماته السياسية والمدنية. ولا يعني التسليم بترجيح الانفصال التنازل عن حقوق الشماليين قيد أنملة. يكفي أن حكومة المؤتمر الوطني أعطت الحركة الشعبية في اتفاقية نيفاشا حكم الجنوب كاملاً وقاسمتها السلطة في ولايتين شماليتين هما جنوب كردفان والنيل الأزرق وأشركت الجنوبيين في حكم الشمال بنسبة 30%، وتنازلت عن حدود يناير 1956 المعترف بها دولياً وإفريقياً لتعيد منطقة أبيى لمديرية بحر الغزال بعد مناكفات قانونية كلفت الخزينة مئات الملايين من الدولارات، ومنحت غير المسلمين حماية مقننة في عاصمة البلاد دون أن تفعل شيئاً مماثلاً لحماية المسلمين في الجنوب الذين برهنت الأحداث أنهم يحتاجون للحماية في ظل الدولة العلمانية بالجنوب أكثر من حاجة غير المسلمين في الشمال. ولم تجد تلك العطايا غير المستحقة فتيلا في تحبيب الوحدة للحركة الشعبية التي ما فتئت تأخذ وتطالب بالمزيد من الصلاحيات في الجنوب على حساب سلطات الحكومة الاتحادية.

وعلى المؤتمر الوطني، بمشاركة فاعلة مع القوى السياسية الشمالية، أن يطرح بشجاعة ووضوح قضايا ما بعد الانفصال على مائدة المفاوضات مع حكومة الجنوب في جوٍ هادئ قبل حلول موعد الاستفتاء وأهم هذه القضايا: ترسيم الحدود بما في ذلك منطقة أبيي، تقسيم مياه النيل، نصيب الشمال في تصفية وترحيل بترول الجنوب عبر الشمال، التزام الجنوب بالاتفاقيات الدولية الموقعة من حكومة السودان وخاصة في مجال الاستثمار واستغلال النفط، وجود الجنوبيين في الشمال ووجود الشماليين في الجنوب وممتلكات كل طرف في الشق الآخر من البلاد، وضعية الجنوبيين العاملين في أجهزة الدولة بالشمال، اقتسام أصول ومديونيات الدولة بين الطرفين، تفكيك القوات المشتركة في الشمال والجنوب (يستحسن البدء بها لما سببته من مشكلات في الفترة الماضية)، حقوق المواطنين في مناطق التداخل وعبر الحدود، سبل التعاون والتعايش السلمي خاصة في الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية بين شطري البلاد، وغيرها من القضايا التي تهم الطرفين.

وإن كان الشمال مهدداً بحرب مع الجنوب بعد الانفصال وتمزق بين أقاليمه نتيجة العدوى من الجنوب، وربما بمساعدة من الحركة الشعبية التي يدعو بعض قادتها مثل إدوارد لينو لثورة الأقاليم المهمشة حتى تعصف  بحكومة الخرطوم، فإن توحيد الجبهة الداخلية في الشمال يصبح القضية الأساسية التي ينبغي أن يلتف الناس حولها مهما كانت اختلافاتهم السياسية والعرقية ومهما غلا ثمنها بالنسبة للحزب الحاكم. ولا يتأتى توحيد الجبهة الداخلية بالشعارات البراقة والفهلوة السياسية، ولا بالرشاوى المادية من مناصب وأموال، ولا بالتخويف من المؤامرات الخارجية ضد السودان، ولا بالاتفاقيات الهازلة التي تنسى  بمجرد توقيعها، الأمر أكثر جدية وخطورة من ذلك النهج الحزبي الضيق والتكتيك السياسي قصير النظر الذي اتبعه المؤتمر الوطني طيلة العقدين الماضيين بهدف عزل الآخرين وتمكين نفسه في السلطة على حساب أي قيم أخرى وطنية كانت أم دينية أم سياسية. فالأمر يحتاج إلى انقلاب في وعي المؤتمر الوطني بالمهددات الماثلة والقضايا الهامة والأولويات الملحة وكيفية معالجتها في مشاركة فاعلة مع الآخرين، فالاستعلاء على الناس وتضخيم القوة الذاتية ودعوى السيطرة على الأمور سينكشف أمره عندما تضطرب الأحوال وتدلهم الخطوب وتستعر المواجهة مثل ما حدث عندما مات الدكتور جون قرنق وعندما وصلت مليشيات العدل والمساواة إلى قلب الخرطوم! وفي حلقة قادمة نتحدث عن تلك القضايا الهامة وكيفية معالجتها.