لو كانت هناك عبارة واحدة تستحق أن يثبتها الحزب الحاكم في صدارة أجندته للمرحلة القادمة دون أن يحيد عنها لكانت تلك العبارة: الحوار والتوافق الوطني مع كل القوى السياسية لصناعة مستقبل أفضل فيما تبقى من السودان وبأي ثمن كان. لقد جرّب المؤتمر الوطني على مدى خمس وعشرين سنة كاملة كل طموحاته البريئة وغير البريئة، وكل اجتهاداته الفطيرة والخميرة، واستغل كل كوادره الشابة والمتوسطة والكبيرة، وتصرف ما شاء في موارد الدولة، وسخّر كل ذلك في تدبير وإدارة ملفات الدولة وقضاياها المختلفة: في السياسة الداخلية والخارجية، وفي حرب مليشيات التمرد، وفي الاقتصاد والتخطيط والاستثمار، وفي خدمات التعليم والصحة والرعاية الاجتماعية، وفي الحكم المركزي واللامركزي، وفي الإعلام والتوجيه ألخ... وكانت النتيجة فشلاً بائناً في جميع الصعد بعد ربع قرن من الزمان. وعندما فاتها الإنجاز الحقيقي لجأت سلطة الإنقاذ للنجاح المصطنع بتخدير العقول وكسب التأييد من خلال الشعارات الدينية والوطنية وأردفت ذلك بما تستطيع من وسائل الترغيب والترهيب. وما أجدى ذلك نفعاً فواقع البلاد والمعاش أفصح حجة من قول كل خطيب. وعندما استبانت لها المفارقة الواضحة بين دعواها الدينية وممارساتها الرمادية بدأت تنسحب تدريجيا من مسئولية المشروع الإسلامي/الحضاري، وما عاد يذكره إلا الشامتون من خصومها العلمانيين والمتشككون في صدقيتها من أصحابها الإسلاميين والسلفيين.
لقد أدت سياسة الحكومة الإنفرادية غير الحكيمة إلى صياغة اتفاقية نيفاشا بثغرات كبيرة، ونفذتها بتشاكس مستمر أثناء الفترة الانتقالية مع الحركة الشعبية مما أدى إلى إنفصال الجنوب وتوتر العلاقة معه، ونقلت تجربة الحرب المريرة إلى دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وما زالت هذه المناطق فريسة لنزاعات مسلحة ضد الحكومة وصراعات قبلية دامية وإنفلات أمني. واضطرت الحكومة للاستعانة بمليشيات قبلية في دحر التمرد بعد أن استهلكت طاقة القوات المسلحة في سلسلة معارك لا نهاية لها، ولا يخفى ما يحمله تجنيد القبائل من مخاطر على السلم الاجتماعي وعلى كيان الدولة وهيبتها. وأهدرت موارد البترول التي تجاوزت الستين ملياراً خارج دعم القطاعات المنتجة من زراعة وصناعة وخارج تحسين الخدمات الضرورية من تعليم وصحة ومياه، ولا يدري معظم المراقبين أين صرفت تلك الموارد الضخمة حتى وقعت الطامة الكبرى بانفصال الجنوب وانقطاع إيرادات البترول إلى غير رجعة. ودفع السودان ثمناً غالياً لسياسات الإنقاذ الخارجية المتهورة وغير المدروسة في الكويت وأديس أببا وأفغانستان وإيران والصومال وغزة وتشاد وغيرها، فأجمع المجتمع الإقليمي والدولي على تأديب ذلك القطر النشاز الذي يريد أن يغير وجه البسيطة وهو بعد في سن الفطام لا يقوى على شئ. واستحقت تلك الفواتير على رقبة السودان بعد أن ضمن المجتمع الدولي انفصال الجنوب، ولم يكن في الساحة من شقيق أو صديق يدفع عنا بعض الأذى الذي نعانيه  من عقوبات أمريكية وغربية وأممية. وبلغ بنا الضعف والهوان ألا نجرؤ حتى على الشكوى دعك من الرد والدفاع حين تحتل حلايب أو يقصف مصنع الشفا أو تغتصب أراضي الفشقة وتزرع عنوة أو حين تضرب إسرائيل منطقة بورتسودان أو مصنع اليرموك قرب الخرطوم. كان يقال لنا من باب المفاخرة إن السودان أصبح رقماً صعباً في السياسة الدولية لا يمكن تجاوزه، واتضح أنها كلمة جوفاء لا قيمة لها في حلبة الصراع العالمي الذي يقيس الأمم بقواها العسكرية والاقتصادية والسياسية والتقنية لا بدعواها الفارغة عن نفسها.
وأخيراً وصل الحزب الحاكم إلى محطة الدعوة إلى حوار وطني شامل لا يستثني أحداً بما في ذلك الحركات المسلحة، وجاء ذلك على لسان رئيس الجمهورية في حفل مشهود في يناير الماضي حضره لأول مرة بعض كبار زعماء المعارضة. ووجدت الدعوة تأييداً داخلياً وخارجياً واسعاً رغم عدم ثقة قادة الأحزاب في مصداقية الحزب الحاكم، فقد خبرته يعد ويخلف ويتفق ولا ينفذ. وتعاملت الحكومة باستهانة غير مبررة في إضعاف مشروع الحوار الذي ابتدرته، وكانت تعلم المطلوب منها لتهيئة مناخ الحوار: بسط حريات التعبير والتنظيم والنشاط السياسي، اطلاق سراح المعتقلين والمحكومين سياسياً، وقف إطلاق النار وتوصيل الإغاثة والتفاوض بجدية مع الحركات المتمردة، القبول بفكرة فترة انتقالية وحكومة انتقالية، تجميد القوانين المقيدة للحريات. وبعد تردد قبلت الحكومة أن تخطو خطوة في اتجاه تلك المطالب ثم انتكست عن ذلك خطوات إلى الوراء حين اعتقلت الصادق المهدي وابراهيم الشيخ وبعض النشطاء السياسيين من حزب البعث ومصادرة الصحف ووقفها، والجزم بأن الانتخابات قائمة في موعدها وليس هناك حكومة انتقالية، وإجازة تعديل قانون الانتخابات من قبل البرلمان والدفع بتعديل الدستور. ولم يقصر رئيس البرلمان الجديد بالمساهمة في تكدير الأجواء وذلك بحادثة غير مسبوقة وهي طرد زعيم كتلة المؤتمر الشعبي من جلسة البرلمان لأنه تجرأ واعترض على مناقشة تعديلات قانون الانتخابات التي مكانها الطبيعي كان طاولة الحوار الوطني حين تنعقد، وظن الرجل أن رئيس البرلمان لا يستدرك عليه! من أين له هذا؟ فالبرلمان هو محل الاستدراك على كل مسؤول في الدولة.
وبما أن المؤتمر الوطني يريد أن يظهر بمظهر القوة والمنعة أمام الشعب السوداني المسكين فهو يدعي أنه ليس في حاجة للحوار، بل إن الأحزاب هي التي في حاجة للحوار حتى تخرج من بياتها الشتوي الذي صنعه المؤتمر باستحواذه على الدولة وتشطيره للقوى السياسية المنافسة. وعلى كل ماذا كانت النتيجة؟ والحقيقة هي أن البلاد في أمس الحاجة للحوار والتوافق الوطني لإخراجها من الأوضاع المتردية التي آلت إليها بفضل سياسات المؤتمر الوطني الخرقاء. ولم يعد للمؤتمر الوطني أية خريطة طريق لإصلاح حال البلاد، وسيظل حبيساً لسياساته القديمة في تجنيد المليشيات القبلية واسترضاء الكيانات الجهوية والعرقية واستنزاف موارد الدولة من أجل الكسب السياسي، ولن يجرؤ على محاربة الفساد الذي تمكن في كامل أجهزة الدولة، وسيبقى معزولاً من التواصل مع العالم الخارجي لأن للعالم مطلوبات لا يستطيع الوفاء بها، وستظل ضائقة المعيشة تعصف بمعظم أهل البلاد وتنحدر قيمة الجنيه السوداني إلى قاعٍ جديد يهدد الاقتصاد الكلي بكوارث متلاحقة. وستبقى قيادات المؤتمر الوطني تجتر ذات الشعارات القديمة التي استهلكت. ولن يدوم هذا الحال لوقت طويل. ولات ساعة مندم!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
/////////////