تبدو حظوظ نجاح "مؤتمر الحوار الوطني" متناقصة يوماً بعد يوم، فقد كان المطلب الأول لأحزاب "قوى الإجماع الوطني" الرافضة لمشروع الحوار الذي دعا له رئيس الجمهورية هو: إطلاق الحريات العامة للتعبير والتنظيم. وما فتئت الحكومة منذ إنطلاق صفارة الحوار في فبراير الماضي تثبت للجميع أن الحريات في عهدها "محدودة" وستظل محدودة ما بقيت سلطة الإنقاذ على قيد الحياة. والأمثلة على ذلك عديدة: اعتقال وجلد بعض الناشطين في حزب البعث الاشتراكي وحزب المؤتمر السوداني، رفض تسجيل الحزب الجمهوري، وقف النشر بوساطة النيابة (وليس المحكمة) في عدد من قضايا الفساد المرفوعة ضد مسؤولين في أجهزة الدولة، وقف جريدة "الصيحة" الجريئة في كشف الفساد لأمد غير محدود بأمر من جهاز الأمن، رفع دعوى ضد رئيس حزب الأمة الصادق المهدي بتهمة تشويه سمعة القوات النظامية وتهديد السلام العام وتأليب المجتمع الدولي وتقويض النظام الدستوري واحتجازه في سجن كوبر إلى حين محاكمته، نشر ثلاثة ألوية من مليشيات الدعم السريع حول العاصمة لترهيب من تحدثه نفسه بانتفاضة شبابية أو تحركات إنقلابية (هناك من يتشكك في الخبر رغم إعلانه من الأجهزة المختصة). وقد كان احتجاز المهدي بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فهو يمثل أقوى المؤيدين لمشروع الحوار وأهم إضافة متوقعة لتشكيلة الحكم القائمة، ووقفت كل الأحزاب المؤيدة للحوار منتقدة احتجاز المهدي ومطالبة بإطلاق سراحه ولسان حالها يؤيد ما ذهب إليه المهدي ضد قوات الدعم السريع! وكانت النتيجة أن سحب حزب الأمة القومي نفسه من مؤتمر الحوار قبل أن يبدأ طالما بقي رئيسه قيد الحبس في تهمة لا تقف على رجلين، وقد يتبعه آخرون من الذين أيدوا مشروع الحوار.
وهناك مؤشرات تدل على أن الحزب الحاكم بدأ يتراجع عن موضوع الحوار، فالتصريح الذي أدلى به رئيس البرلمان يوم الخميس الماضي (29/5) أن الحزب الحاكم أجرى تعديلات كبيرة على قانون الانتخابات وأن القانون وضع على طاولة البرلمان لإجازته، كما أكد أن الانتخابات لن تؤجل ساعة واحدة عن موعدها في أبريل 2015م وبينهم وبين الأحزاب صناديق الاقتراع (صحيفة اليوم التالي: 31/5). وإذا كان ذلك كذلك فلن تقبل الأحزاب الأخرى المحاورة أن تبصم على خيارات المؤتمر الوطني، وقد رفضت ذلك حين كان الحزب قوياً ومتحداً وغير محاصر فكيف تقبل به الآن؟ وعندها قد لا يجد رئيس البرلمان أحزاباً تدخل معهم معركة انتخابية فقد خبروا نتائج انتخابات الحزب الواحد لمرات عديدة ولا يحتاجون تكرار التجربة!
ويبدو أن المؤتمر الوطني يريد من رئيس حزب الأمة أن يعتذر عمّا بدر منه ضد قوات الدعم السريع حتى تلغى الدعوى ويطلق سراحه، ولا أحسب أن المهدي يستطيع أن يفعل ذلك فحزبه يقف لأول مرة منذ سنوات عديدة وقفة رجل واحد ضد هذا الاعتقال التعسفيالذي يظنون أن القصد منه إهانة إمامهم الحبيب والحط من مكانته السياسية والدينية والفكرية، وعلى كل فإن معظم قواعد الحزب ليس لديها ثقة في النظام ولا في وعوده ولا في إصلاحه، فكيف للإمام أن يكسر وحدة الحزب من أجل توقع إصلاحات ليست راجحة بحال من الأحوال. وقد يغري الإمام الثبات على موقفه أنه مقتدر على رد التهمة المصطنعة ضده بأبلغ حجة وأقوى دفاع،بل وقد يقلب التهمة إلى محاكمة جماهيرية للنظام حتى لو عقدت سرية فوسائل الاتصال الإليكترونية والفضائية ستعوض على التعتيم الداخلي بنشر أوسع على مستوى العالم، وسيصبح ذلك الدفاع حديث الناس داخل السودان وخارجه وفي وسائل الإعلام العالمية مما يجلب للسيد الإمام شهرة دولية مدوية مما يحبه السياسيون في كل زمان ومكان، وربما ينال إحدى جوائز حقوق الإنسان بسبب تصديه لنظام مستبد فاسد وفاشل يستعمل مليشيات قبلية ضد مواطنيه.
ويستغرب المرء لجوء الحكومة لكل تلك الإجراءات التي تفسد مشروع الحوار الوطني وهي في أمس الحاجة إليه. فالحكومة تتعرض لمخاطر وتحديات كبيرة تحتاج فيها لتوحيد الجبهة الداخلية، وسبيلها الوحيد لذلك هو عقد حوار دستوري وطني يحدد كيفية حكم البلاد في الفترة القادمة. ومن هذه المخاطر: تكوين تحالف إقليمي عربي ضد قوى وأنظمة الإسلام السياسي والتي سيكون السودان أحد أهدافها بعد أن يقضي على ثورة مصر وليبيا واليمن؛ تفاقم الأزمة الاقتصادية وتداعياتها في الوقت الذي تحجب فيه المساعدات والقروض عن البلاد؛ ازدياد المطالب الفئوية برفع الأجور وتخفيض الأسعار وتوفير خدمات الصحة والتعليم والمياه مجاناً؛ عدم معالجة مشكلة الديون الخارجية؛ استمرار العقوبات الأمريكية ضد الحكومة السودانية؛ استمرار تهديد قضية محكمة الجنايات الدولية ضد بعض قيادات الحكم في السودان؛ احتمال حدوث انتفاضة شبابية أخرى ضد النظام تبدأ من الجامعات التي أفصحشبابها عبر وسائل الاتصال الاجتماعي عن رفضهم لمبدأ الحوار مع الحكومة لأنهم يريدون محاسبتها على أفعالها الدموية في سبتمبر الماضي؛ احتمال توحد كل قوى المعارضة السياسية والعسكرية ضد الحكومة، ربما بدعم من تحالف دول الخليج. كل هذه المشكلات تمثل تحدياً خطيراً على النظام ينبغي التحسب السياسي له، ولا يبدو أن للحكومة من الخطط والبرامج ما يمكن أن تعالج به بعض هذه القضايا الشائكة.
ولا أحسب أن الحكومة في نهاية المطاف قادرة على تحمل تكلفة محاكمة علنية لزعيم حزب الأمة، فإن ما تريد أن تستره سينكشف بصورة درامية أمام أنظار العالمين، ولا تستطيع أن تحتجز المهدي لمدة طويلة بعد أن اعترف الرجل بما نسب إليه من حديث ضد قوات الدعم السريع، وليس هناك ما يستحق التحقيق بعد الاعتراف، فما هي حجة الاحتجاز؟ولن يصعب على المهدي أن يأتي بشهود كثيرين، ربما من داخل القوات النظامية نفسها، يؤيدون ما ذهب إليه من سلوكيات منفلتة لا تقرها أعراف القوات المسلحة وقوانينها، وهذا ما حدا بتلك القوات أن ترفض استتباع أفراد قوات الدعم السريع لها رغم إشرافها على عملياتها القتالية. والمخرج السليم من كل هذه الفوضى الضاربة الأطناب هو أن يستجيب رئيس الجمهورية لرجاء رؤساء الأحزاب المؤيدة للحوار فيأمر وزير عدله بسحب الدعوى المقامة ضد السيد الصادق حتى يبقي على الأمل حياً في قيام مؤتمر الحوار وربما إنجاحه!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.