عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
أصدرت الحركة الوطنية للتغيير في نهاية شهر أكتوبر الماضي بيانها التأسيسي تحت شعار "فلنكن جزءاً من الحل"، والبيان موجه للجماعة الوطنية السودانية بكل أعراقها الجنسية وأقاليمها الجغرافية وأطيافها السياسية وطوائفها الدينية وطبقاتها الاجتماعية لتكون جزءاً من حل الأزمة السودانية التي لازمتنا منذ الاستقلال. وذلك بأن تتدارك أمر البلاد وتسعى جهدها لوقايتها من الخطر الجاثم الذي يتهددها، والذي يتمثل فيتشظي الأطراف واتساع نطاق الحرب الداخلية وانفلات الأمن وتردي أحوال الناس المعيشية وتدهور مؤسسات الدولة النظامية والإدارية والاقتصادية والتعليمية والعلاجية. وبلغ الخطر مداه أن نكون أو لا نكون، وما عاد هناك من عذر لمن يتباطأ عن المساهمة الجماعية في عملية التغيير والإصلاح التي ينبغي أن تعتبر فرض عين على كل قادر.
وقد وردت إلينا عبر المواقع الإليكترونية العديد من الملاحظات والتعقيبات على البيان التأسيسي، كثير منها إيجابي يقبل الفكرة ويقترح تحسينها وتطويرها وبعض منها سلبي ينتقد الفكرة ويلوم القائمين عليها أنهم غير جديرين بقيادة عملية التغيير والإصلاح. ونعتبر التعاطي مع الفكرة سلباً أو إيجاباً هو مساهمة مقدرة لأنه دليل على الاهتمام بقضية الوطن ومستقبله،وهذا في حد ذاته كسب لعملية الحوار الذي هو الهدف الأساس من طرح البيان التأسيسي، سواءً اتفق معنا المعقب عليه أو اختلف. وتجاوباً مع تلك الملاحظات والتعقيبات ينبغي أن ندلي بشئ من التوضيح لبعض النقاط التي أثيرت وفهمت على غير مقصودها. أول هذه النقاط هو أن الحركة الوطنية للتغيير ليست حزباً سياسياً وإنما هي في هذه المرحلة منبر للحوار حول قضايا الوطن الرئيسة، تهدف إلى الوصول لحد أدنى من التوافق الوطني حول رؤية جامعة لكيفية حكم السودان. وبعد أن يصل الحوار إلى التوافق المطلوب، يتشاور المنفعلون بالفكرة والمتجاوبون معها حول تطويرها وتحويلها إلى إحدى الخيارات المتاحة: منظمة طوعية تعنى بالتوعية والمناصرة للرؤية التوافقية التي انتهى إليها الحوار، أو جمعية ثقافية تعنى بالبحوث والدراسات لمشكلات الحكم في السودان، أو حزباً سياسياً يخوض معترك المنافسة السياسيةبكل مستوياتها وفي كل أبعادها المتشابكة، هذا إذا توفرت له الأعداد الجماهيرية المناسبة والكوادر المؤهلة والتمويل المادي المناسب. وعليه لا يظنن أحد أن المجموعة التي مهرت البيان التأسيسي بتوقيعها تعتقد أن النظام على وشك السقوط (وهو أمر جائز) وأنها فقط تعد نفسها لوراثته على عجل بحكم أنهم أبناء عمومة يستحقون العزاء في الميت! والنقطة الثانية أن البيان التأسيسي هو بمثابة برنامج للحزب لذلك توالت علينا الأسئلة: لماذا لم تذكروا الشريعة الإسلامية مصدراً للتشريعات؟ ولماذا لم تنصوا صراحة على محاسبة الذين انتهكوا حقوق الإنسان في دارفور وقتلوا المتظاهرين السلميين في الخرطوم وخارجها؟ وغير ذلك من الموضوعات التي يجوز أن تضمن في برامج الأحزاب السياسية.
والحقيقة أن البيان التأسيسي ليس برنامجاً سياسياً لحزب وإنما قصد بتقديم رؤية كلية تصف الواقع المأزوم الذي تعيشه البلاد الآن،وتتحرى أسبابه وكيف وصلنا إليه؟ وتحديد جذور المشكلة السودانية التي تفاقمت مع الوقت، والتطلع إلى أفق أرحب لمستقبل السودان، والدعوة لمنهج جديد في الأداء السياسي يخرج البلاد من الدائرة المفرغة التي أقعدتها منذ الاستقلال.وفي تقديرنا أن كبرى المشكلات هي الأزمة الاجتماعية العميقة التي تسببت فيها التنمية الاقتصادية غير المتوازنة بين المركز والأقاليم عبر سنوات طويلة،ولم تتعطل التنمية الاقتصادية بسبب قلة الموارد الطبيعية ولكن بسبب الظلم والقهر والاستبداد. وكانت النتيجة تفريغ الريف من زراعه ورعاته وشحن المركز ببطالة مقنعة لا تعمل في الانتاج ولا في الخدمات، وأصبح التوتر الاجتماعي والاحتقان النفسي هو لب الصراع الذي أدى إلى انسداد أفق التطور الديمقراطي السلمي وحمل السلاح ضد المركز.
ونحسب أن بناء النظام الديمقراطي العادل والمستقر الذي نصبو إليه يمر بمراحل ثلاث تبدأ بانفتاح المجموعات السياسية الفاعلة، من حالة العصبيات الضيقة وفكرة الإقصاء المتبادل، إلى فكر جديد وإلى مجموعات سياسية تقف على الجانب الآخر،وأن تقوم كل مجموعة بنقد ذاتي هادف يفرز أصحاب العقليات النقدية الناضجة الرافضة لأوضاعها الراهنة في الحزب وفي الحكومة من المحافظين المتشبثين بها والداعين لإقصاء الآخر لأنه في تقديرهم وطني معاق لا يستحق حقوق مواطنة كاملة. وقد بدأت عملية الفرز هذه بدرجات متفاوتة  في كثير من التنظيمات السياسية عن طريق ململة القواعد واحتجاجاتها المعلنة ضد هذه أو تلك من السياسات الحزبية، وإن لم تكتمل بعد بتمييز الصفوف بين المنفتحين على كل ألوان الطيف السياسي وبين المنغلقين على عصبياتهم. والمرحلة الثانية هي التواصل مع الآخر بقصد التقارب معه والتوصل لرؤية مشتركة للإصلاح السياسي والبناء الوطني خارج المسلمات القديمة البالية. والمرحلة الثالثة هي تجميع قوى الإصلاح التي تؤمن بتحقيق العدالة وسيادة حكم القانون على كل الناس، وبالديمقراطية التعددية لكل صاحب رأي، وبحرية التعبير والتنظيم، وبالحكم اللامركزي لأقاليم السودان والتنمية المتوازنة بين المركز والأقاليم، وبمحاربة الفقر وتقديم خدمات التعليم والعلاج مجاناً لكل مواطن. وأن يؤدي تكتل قوى الإصلاح والانفتاح من التنظيمات السياسية المختلفة إلى وضع نظم ومؤسسات توافقية تستند عليها عملية التحول الديمقراطي المرتجاة. وقد استطاعت مجموعات سياسية في عدد من البلدان أن تحدث اختراقات وتحالفات ناجحة طويلة المدى، رغم ما بينها من تناقضات واختلافات في الفكر والمنهج. فلماذا تصر النخبة السياسية السودانية العتيقة أن تمضي في طريق آحادي تأسس على عصبيات ضيقة ويؤدي إلى التشرذم والتشظي ولا يعرف وسيلة لحل المشكلات سوى العنف والحرب التي اكتوينا بنارها زمناً طويلا. والنقطة الثالثة التي أخذت علينا أن المجموعة التي وقعت البيان جلها من الإسلاميين وقليلة العدد وكبيرة في السن، وبناء الحزب يحتاج إلى حركة ونشاط دائبين لا تتوفر لهؤلاء. والاعتراض وجيه بالرغم من أننا لا نريد بناء حزب في هذه المرحلة، والسبب وراء ذلك أنه عندما كانت المجموعة تتصل بالمرشحين خارج الدائرة الإسلامية للتوقيع استعجل أحد الإخوة فنشر البيان عن طريق الخطأ، وعلى كل فالبيان مفتوح لتوقيع أناس أخرين ومحتواه أيضا مفتوح للتحسين والتطوير. وليت الشباب يقبلون علينا ويتحملون تنفيذ هذه الفكرة فهم أولى بها لأن المستقبل ملك لهم.