al-Tayib al-Abdin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
الحوادث المنذرة التي وقعت في شهر نوفمبر الجاري أوصلت سلطة الإنقاذ إلى نهاية النفق السياسي كما يتوقعه المراقب لأوضاع السودان المضطربة: محاولة الإنقلاب التي اتهم فيها بعض العسكريين والمدنيين من تيار وتنظيم الحركة الإسلامية، الإنقسام الحاد والمعلن في مؤتمر الحركة الإسلامية الثامن بين تيار الحكومة المحافظ على الأوضاع كما هي وتيار الإصلاحيين الذي ضاق بتكبيل الحركة الإسلامية وسيطرة الحكومة عليها، قصف مصنع اليرموك للسلاح في عاصمة البلاد دون أدنى رد من الجيش السوداني الذي يبتلع أكبر قدر من ميزانية الدولة بل ودون أن تعرف الحكومة في وقتها من الذي قصف المصنع وكيف قصف؟ فشل اجتماع الآلية السياسية والأمنية في جوبا في الاتفاق على تفعيل اتفاقية الترتيبات الأمنية التي تم توقيعها في أديس أببا مع ثماني اتفاقيات أخرى الأمر الذي أدى لتأجيل ضخ بترول الجنوب عن طريق الشمال كما كان معلناً، تقرير المراجع العام الذي قدم للبرلمان وكشف المخالفات الجسيمة للنظم المالية والمحاسبية من وحدات حكوميةسيادية بلغت حد رفض تقديم حساباتها للمراجع العام ومضاعفة التعدي على المال العام خاصة في الولايات، زيادة معدلات القصف على عاصمة جنوب كردفان من مليشيات الحركة الشعبية قطاع الشمال مما اضطر أغلبية المواطنين للخروج منها، والحرج الذي سببته تصريحات وزير الخارجية بأنه لم يعلم برسو سفن حربية إيرانية في ميناء بورتسودان إلا من الصحف علماً بأن وزارته سبق لها رفض الطلب الإيراني بمجئ تلك السفن. وقد واجهت سلطة الإنقاذ منذ مجيئها عبر إنقلاب عسكري في يونيو 89 تحديات كبيرة ومخاطر جمّة استطاعت أن تتجاوزها بفضل تماسك وصمود قاعدتها السياسية والعسكرية المنضبطة والمستميتة في الدفاع عنها والملتفة حول القيادة القائمة، وتكييف السلطة لسياساتها الداخلية والخارجية وبرامجها الاقتصادية حسب الظروف المتقلبة التي تحيط بها، وضعف الكيانات المعارضة لها رغم ما لقيته من تأييد ودعم خارجي مقدر. ولكن يبدو أن سلطة الإنقاذقد وصلت الآن إلى مرحلة  مختلفة ينذر فيها سامرها بالإنفضاض.
بدأت الململة والاحتجاج بين الإسلاميين ضد حكومتهم بصورة علنية بعد إنفصال الجنوب في يوليو 2011 واشتعال حرب جديدة في ذات الوقت بولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وقد سوّقت الحكومة من قبل حق تقرير المصير لأهل الجنوب بأنه ثمن لا بد منه لأجل تحقيق السلام الذي لم تنعم به البلاد منذ عقود من الزمن. ولكن النتيجة كانت أن ذهب الجنوب بعد الإستفتاء على تقرير المصير وفقد السودان بذلك خمس سكانه وربع مساحته الجغرافية ومعظم موارده البترولية (حوالي 75%) ولم يغنم سلاماً ولا علاقات حسنة مع الدولة الوليدة التي خرجت من رحمه. ولم تقف انتقادات الإسلاميين عند سوء إدارة الحكومة الذي أدى إلى انفصال الجنوب واشتعال حرب جديدة، ولكنه تعدى ذلك إلى الفساد المستشري في كل القطاعات وإنهيار مؤسسات الدولة الكبيرة مثل السكة حديد والنقل النهري ومشروع الجزيرة والخطوط الجوية السودانية والخدمات الصحية والتعليمية، والشكوى من زيادة حجم الفقر واتساع الفوارق الاجتماعية بين الطبقة المترفة التي تحتضنها الحكومة والطبقات الفقيرة التي تستهين بها السلطة قاسية الكبد والتيحلت مشكلة عجز الموازنة العامة بعد فقدان عائدات بترول الجنوب على حساب الفقراء برفع الدعم عن المحروقات والدواء وزيادة الرسوم الجمركية والقيمة المضافة مما أدى إلى زيادة الأسعار إلى أكثر من مئة في المئة دون أدنى زيادة للأجور. وهو أمر لا تقدم عليه أكثر الدول الرأسمالية غلظة فقد أصبح الوضع المعيشي فوق طاقة الطبقة الوسطى في المجتمع دعك من الطبقة الفقيرة؛ وصحب ذلك تفشي الجرائم الجنائية والأخلاقية وانتشار المخدرات وشرب الخمور حتى في أوساط الطلاب الجامعيين الذين كانوا في وقت مضى يشكلون القاعدة الحصينة للحركة الإسلامية . وكانت النتيجة هروب مكثف من المهنيين (أطباء ومهندسين وأساتذة جامعات) إلى خارج السودان، وبطالة مستشرية في أوساط خريجي الجامعات التي ازداد عددها وتدنى مستواها.لقد أصبح الوضع فوق الاحتمال، وما كان لأعضاء الحركة الإسلامية أن يقبلوا بهذا الحال الذي تسببت فيه قلة متنفذة سيطرت على مقاليد الأمور منذ نيف وعشرين سنة أساءتفيها كثيراً لنموذج الحكم الإسلامي مما أفقدها مصداقيتها الأخلاقية والسياسية. وبعد أن بلغ السيل الزبى ظهرت مذكرات الاحتجاج من المجاهدين وأساتذة الجامعات والبرلمانيين وغيرهم،وتعالت أصوات المحتجين والمنتقدين من الإسلاميين على صفحات الجرائد ووسائل الاتصال الاجتماعي والندوات والمحاضرات. واستعملت الحكومة معهم السلاح الوحيد الذي تعرفه وأدمنت استعماله مع المعارضة السياسية الحزبية ذهب المعز وسيفه (الجزرة والعصا)، ولم يجد ذلك كثيراً مع المحتجين الإسلاميين بل زاد نبرة الاحتجاج وسقف المطالبات!
ووصل الاحتجاج الذي بلغ درجة المعارضة الصريحة إلى قلب الكتلة التي تستند عليها سلطة الإنقاذ: عضوية الحركة الإسلامية المنضبطة وقاعدتها في الجيش. ظهر ذلك جلياً في مؤتمر الحركة الإسلامية الثامن الذي بلغت المواجهة فيه بين أتباع الحكومة ودعاة الإصلاح درجة غير مسبوقة في تاريخ الحركة الإسلامية، واستعملت الحكومة وسائل ضغطها وإغراءاتها على مندوبي الولايات الطرفية السذج الذين استجابوا فأجازوا الدستور المقترح كما هو وانتخبوا العناصر التابعة للحكومة لمنصب الأمين العام ومجلس الشورى. وشعر دعاة الإصلاح أن الأفق السلمي للتغيير قد انسد في وجوههم، ويبدو أن هناك قطاعاً من المجاهدين والنظاميين كان يتوقع ذلك ويتحسب له، وسرعان ما أعقبت المؤتمر محاولة الإنقلاب على السلطة من بعض خلصاء النظام في الأمن والجيش ومعهم ثلة من المجاهدين الذين حاربوا دفاعاً عن النظام كل معاركه السابقة. والكتابة البائنة على الحيطان الآن تقول إن سلطة الإنقاذ قد تلقت إنذارها الأخير من قلب قاعدتها الصلبة التي لولاها ما بقيت شهراً واحداً وهي: إما أن تغير طاقمها الذي شاخ في السلطة لأكثر من عقدين، وفشل في إدارته فشلاً ذريعاً سارت به الركبان،وعاث فساداً غير مسبوق في المجالات كافة؛ وأن تغير سياساتها القمعية وكبتها للحريات وإقصائها للقوى السياسية الأخرى، ولجؤها للأساليب العسكرية الفاشلة  في حل القضايا السياسية التي أدت لعزلتها الخارجية على المستويين الإقليمي والدولي، أو أن نهايتها ستكون قريبة ليس فقط بواسطة أعدائها الكثر في أنحاء البلاد بل وبمعاونة مقدرة من عضويتها التي جاءت بها إلى السلطة. فهل يا ترى وصلت الرسالة أم أن سكرة السلطة وأوهامها ما زالت معشعشة في الرؤوس!