بسم الله الرحمن الرحيم

al-Tayib al-Abdin [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
مقدمة
نشأت الحركة الإسلامية السودانية الحديثة في أوساط طلاب الثانويات والجامعات في نهاية الخمسينيات من القرن الماضي (بدءً باسم حركة التحرير الإسلامي (1949-1954) ثم تحت إسم الأخوان المسلمون (1954-1964)، كما اتخذت عدة أسماء لأحزاب سياسية مسجلة في فترات مختلفة: جبهة الميثاق الإسلامي (1965-1969)، الجبهة الإسلامية القومية (1985-1989)، المؤتمر الوطني (1993-2012)، المؤتمر الشعبي (2001-2012). وكان لنشأة الحركة في أوساط الطلاب بجامعة الخرطوم والمدارس الثانوية والجامعات المصرية أثره الكبير في تكوين الحركة النفسي والفكري والسياسي، خاصة وأن التنظيم المنافس لها في أوساط الطلاب هو الحركة الشيوعية التي تأسست قبلها في منتصف الأربعينيات وكسبت غالبية القاعدة الطلابية إلى نهاية الخمسينيات. كان وجود الحركة الشيوعية المهيمن بين الطلاب يمثل تحدياً كبيراً للحركة الإسلامية دخلت بسببه مباشرة إلى العمل السياسي الطلابي بقصد السيطرة على اتحاد طلاب جامعة الخرطوم واتحادات الجامعات الجديدة (جامعة القاهرة الفرع وجامعة أمدرمان الإسلامية) ومعهد المعلمين العالي والمدارس الثانوية.
وكما جاء في أحد كتب الدكتور الترابي، ما كان للحركة في بداية عهدها إلا أن تؤسس على محور فكري بضرورة كونها تذكراً لتعاليم الإسلام وتعاهداً وتعاوناً على تحقيق معانيه في الحياة، ويربط الجماعة أنها التقت على محور فكري يميزها بالمفارقة من الكيانات التقليدية التي جمدت على تراث شيخ نابه كان له دور في الدعوة الإسلامية، أو عصبية لقبيلة أو فئة اجتماعية التقت على عرف قديم أو مصلحة فئوية. لذا كان الفكر الإسلامي هو العامل الأساسي في التداعي إلى صف الجماعة لأنها في عهدها الأول لم تكن لها مواقف بائنة أو تطورت لها سيرة تشد إليها الناس. وقد نزعت الحركة نحو الفعل والتجريب أكثر منها نحو التنظير والتحرير لأن قادتها أهل ثقافة وحركة وسياسة وتنظيم أكثر منهم أهل علم وفكر وتأمل. وكان المنهل الأول لفكر الجماعة كتابات الشيخ حسن البنا وعبد القادر عودة ومحمد الغزالي وسيد قطب والعقاد ومالك بن نبي وأبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وسائر المنشورات الإسلامية الحديثة في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، كما راحت تتغذى بكتب التراث القديم متجاوزة المراجع المذهبية الشائعة، وانفعلت بالفكر الأوربي الذي استقاه روادها من مؤسسات التعليم الغربي في بلدهم وخارجها.
وبحكم عناصرها الشبابية المتعلمة والتحدي الفكري الذي واجهته ضد اليساريين والعلمانيين، نظرت الحركة إلى نفسها منذ البداية على أنها حركة تجديدية مقارنة بالطرق الصوفية المنتشرة في السودان، وأنها تعمل في كل مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والفكرية والاجتماعية والدعوية على نمط حركة الاخوان المسلمون المصرية. يقول دستور جماعة الأخوان المسلمون (أجيز في 1981): إنها أولاً حركة إسلامية، وثانياً حركة أصولية تعتصم بالقرآن والسنة وأنها من بعد "حركة تجديدية تقدر الفجوة الهائلة التي وقعت نتيجة الخمول  المتطاول الذي اعترى حياة المسلمين وفكرهم فتخلفت عن التطور الهائل في ظروف الواقع المادي والبشري، ومن ثم فالحركة تدعو إلى إجتهاد كثيف من أجل استبانة مقتضى الدين في حاضر الحياة". وهي أيضا حركة إصلاح ديني تقوية للواهي من عرى الإسلام وإحياء للدارس من شعائره وفضائله، وحركة تغيير اجتماعي لا تقنع بإصلاح أمر الفرد بل تجمع إلى ذلك استصلاح المؤسسات والأجهزة لذلك تأخذ بأسباب التعبئة العامة والتنظيم المحكم. واتسمت الحركة الإسلامية منذ بداية عملها السياسي العام في 1964 باختلاف كبير مع الأحزاب التقليديةالكبيرة (حزب الأمة القومي، والحزب الاتحادي الديمقراطي) التي تستند على طوائف دينية عريقة في التاريخ السوداني ولكنها ذات طبيعة محافظة تمشياً مع مزاج عامة أهل السودان وتقاليدهم الصوفية العريقة.
بدايات العمل السياسي وتطوره
تعنى هذه الورقة بتسجيل وتحليل مواقف الحركة الإسلامية السودانية في بعض مجالات حقوق الإنسان الهامة (الديمقراطية، الحريات الأساسية، الأقليات الدينية،العدالة، حقوق المرأة،الحقوق الاقتصادية)، وتطور هذه المواقف أثناء فترة الديمقراطية الثانية عقب ثورة أكتوبر(1965-1969) عندما دخلت الحركة الساحة السياسية كحزب سياسي يخوض الانتخابات العامة لأول مرة، وأثناء الديمقراطية الثالثة (1985-1989). وقد نجحت الأطروحات النظرية للحركة الإسلامية في جذب أعداد كبيرة من المثقفين مما أدى إلى اكتساحها لكل دوائر الخريجين في شمال السودان في انتخابات عام 1986، وقفز تمثيلها البرلماني من خمسة نواب إلى أكثر من خمسين نائباً مما جعلها بجدارة الحزب الثالث في البرلمان من حيث العدد ولكنه الأول من حيث التنظيم وتأهيل الكوادر. واضطرت الحركة الإسلامية أثناء نشاطها السياسي وخوضها الانتخابات العامة في 1965 و 1968 و 1986 لبلورة وتحديد أفكارها حول القضايا السياسية التي تشغل الساحة السودانية مثلنظام الحكم بين الجمهورية الرئاسية والحكومة البرلمانية، ماذا يعني الدستور الإسلامي؟ حقوق المرأة السياسية، حل مشكلة الجنوب ووضع الأقليات غير المسلمة، النظام الاقتصادي بين الرأسمالية والاشتراكية، الإصلاح القانوني والعدلي وإلى غير ذلك من القضايا. وقد حاولت الحركة جهدها في استنباط حلول اجتهادية تنفتح على تجارب العالم المتقدم وفي ذات الوقت تتسق مع تعاليم وأحكام الإسلام، وتستجيب لطموحات وتطلعات القطاعات الحديثة في المجتمع. وأحسب أن تلك الأطروحات كانت متقدمة في زمانها على معظم أطروحات الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي، وقد بذلت الحركة جهداً فكرياً مقدراً في تأصيل تلك الأطروحات وفقاً لتعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة.ووجدت تلك الأطروحات نقداً من التيارات الإسلامية السلفية والمحافظة لأنها جديدة على التراث الفقهي التقليدي ولأنها تأثرت إلى حدٍ ما بالأفكار السائدة في الدول الغربية، ولكن الحركة ثبتت على تلك الأطروحات ولم تستجب للنظرة السلفية المحافظة ووجدت قدراً من القبول في أوساط الأحزاب السياسية الكبيرة التي تحالفت معها في بعض الأوقات ضد الحركات اليسارية، وبدأت بعض الحركات الإسلامية في عدد من دول العالم الإسلامي تتأثر بالنموذج  السوداني وتقتدي به.
المواقف النظرية من قضايا حقوق الإنسان
اهتمت الحركة بقضية الاجتهاد الديني في مشكلات العصر، وكان زعيمها ومفكرها حسن الترابي ينتقد فكر الإسلاميين المعاصر لأنه بغالبه قاصر عما ينبغي له من الإستواء النظري وعما بلغته الحركة العلمية الحديثة، وقاصر فى مقولاته النظرية خاصة في مجال الاجتماعيات وقاصر في فنونه الجدلية.وكان يدعو بشجاعة لتجديد الفكر الديني حتى في أصوله الفقهية كي يكون قادرا على مجابهة مشكلات العصر المعقدة الكثيفة التي تحيط بالدول النامية، ويرتقي إلى التحدي الكبير الذي يطرحه الفكر الغربي في أوجه الحياة المختلفة.ونتعرض في هذا الجزء لمواقف الحركة الإسلامية السودانية في بعض مجالات حقوق الإنسان الأساسية التي تبنتها أثناء عملها السياسي منذ عام 1964 إلى عام 1989 حين وقع الإنقلاب العسكري الذي دبرته  ونظمته الحركة الإسلامية. ولعل أهم الوثائق التي تتضمن مواقف الحركة النظرية من حقوق الإنسان نجدها في دستور جماعة الأخوان المسلمين لعام 1981 والذي قصد به أن يكون مقدمة لدستور الدولة الإسلامية التي تسعى الحركة لإقامتها بعد زوال نظام الرئيس جعفر نميري وقد انتقل جزء كبير منه خاصة في مجال الأهداف  لدستور الجبهة الإسلامية القومية التي أسست حزباً سياسياً في 1985 بعد سقوط نظام الرئيس نميري؛ وفي بعض المحاضرات والكتيبات التي ألفها زعيم الحركة الدكتور حسن الترابي، ثم في وثيقة السودان لحقوق الإنسان التي أجازها المجلس الوطني الانتقالي في عام 1994 ولكنها غير معروفة.
1.    دستور جماعة الأخوان المسلمين
جاء في الباب الثاني من الدستور تحت بند (الأهداف) أربعة فصول تتحدث عن: الأهداف السياسية والدستورية؛ الأهداف الاقتصادية؛ الأهداف الاجتماعية؛ الأهداف الثقافية. ونورد فيما يلي بعض ما ورد في هذه الفصول وله صلة بحقوق الإنسان.
الأهداف السياسية والدستورية
•    تقول المادة (5): إقامة الحكم الإسلامي القائم على الشورى والمساواة وحرية المواطنين في اختيار الحاكم وممثلي الأمة وحقهم في النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون تسلط أو إرهاب.
•    المادة (6): كفالة حرية المواطن في الاعتقاد وعدم اكراهه في الدين وضمان حرية المواطن في التعبير عن رأيه وحريته في الحركة والاجتماع والتنظيم وحماية دمه وماله وعرضه وحرمة منزله ومراسلاته.
•    المادة (8): تسعى الجماعة لتأكيد مسئولية الحاكم الذي تختاره الأمة عن تصرفاته الشخصية وأعماله الرسمية مسئولية دينية وسياسية وقضائية.
•    المادة (9): حماية المواطنين من الاستبداد والفساد السياسي والاستغلال الاقتصادي وأي شكل من أشكال القهر والظلم. وإقامة الحكم على المؤسسات منعاً لتسلط الفرد ونشداناً للاستقرار.
•    المادة (10): اشاعة العدل وتوفير المساواة للمواطنين أمام القانون وضمان استقلال القضاة ونزاهتهم وتوفير الخدمات القانونية للمواطنين.
•    المادة (14): حقوق الأقليات مصونة في الدولة الإسلامية وتضمن لهم المساواة في الحقوق السياسية والمدنية والعدالة الاقتصادية وحرية الاعتقاد والعبادة واستقلال قوانين الأحوال الشخصية والتعليم الديني.
الأهداف الاقتصادية
•    المادة (20): تأمين الحاجات الضرورية لكل مواطن من العيش الكريم والصحة والتعليم والأمن ورفع الظلم والفقر والمعاناة.
•    المادة (21): تتولى الدولة توجيه الاقتصاد تخطيطاً ومراقبة ضماناً لعدالة توزيع الثروة ولحسن التصرف فيها، وأخذاً للزكاة وفرضاً للضرائب بحيث يتحملها القادرون بما يفي بحاجات الأمة. وإبطالاً للربا والاحتكار وإقامة المصارف ومؤسسات التمويل الإسلامية، ومنعاً للظلم والاستغلال وترشيداً للاستهلاك في غير سفه ولا تبذير.
•    المادة (26): الزكاة تأمين اجتماعي وعلى الدولة أخذها من مجموع  ثروات الأمة وتوزيعها في مصارفها الشرعية.
الأهداف الاجتماعية
•    المادة (29): الأسرة قوام المجتمع المعافى لذا تسعى الجماعة لتقوية آصرتها وذلك بتسهيل الزواج وتشجيعه ورعاية الأمومة والطفولة واصلاح قوانين الأسرة حتى تقوم على المعروف والإحسان وفقاً لهدي الدين.
•    المادة (30): الاهتمام بأوضاع المرأة والنهوض بها ورفع الظلم الاجتماعي عنها وتمكينها من ممارسة حقوقها العامة في بناء المجتمع وتحريرها من الجهل والخرافة والتقليد صوناً لشخصيتها المستقلة.
•    المادة (33): إقامة مؤسسات التكافل الاجتماعي للعناية بالمعوقين وكبار السن ورعاية المشردين والأيتام، وتشجيع قيام جمعيات البر والإحسان والتعاون.

الأهداف الثقافية
•    المادة (36): تسعى الجماعة لإصلاح مناهج التعليم وسبل التربية حتى تقوم على قاعدة التوحيد بالله ووحدة المعرفة فلا تناقض بين العلم والإيمان ولا بين العلم الشرعي والوضعي، وتعمل على توجيه النشء لحب المعرفة والتدبر ومنهجية الفكر واستقلاله وتربيته على مناصرة الحق والعدل وعلى الإيمان بكرامة الإنسان وبالمساواة والإخاء بين الناس.
•    المادة (37): جعل التعليم الأساسي إلزامياً للنشء وتعميم التعليم الوظيفي وتعليم الكبار للرجال والنساء وتشجيع التعليم الطوعي.
•    المادة (40): الاهتمام بحركة التأليف والترجمة والنشر والبحوث ودعمها من قبل الدولة وترشيدها من شوائب الفكر المنحرف والأدب الرخيص وتيسير الاطلاع والمعرفة بكل السبل.
•    المادة (43): تشجيع الآداب والفنون وتفجير الطاقات والمواهب في مجالات الابتكار والابداع، وإحياء تراث الأمة، وتوجيه الأدب والفن ليؤدي دوره التربوي والاجتماعي والإنساني في حياة المجتمع.
يتضح من هذه الأهداف العامة في المجالات الدستورية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي أجيزت منذ مطلع الثمانينيات أن الحركة الإسلامية السودانية كانت واعية بأهمية حقوق الإنسان بصورة عامة في هذه المجالات، ويتضح اقتباس كثير من هذه المفاهيم من أصول غربية ولكنها ربطت بتعاليم الدين  وضوابطه حتى لا تتعارض معه.
2.    مؤلفات الدكتور حسن الترابي
وسعى الدكتور حسن الترابي بحكم مسئوليته القيادية ومقدرته الفكرية لتفصيل وتأصيل المعاني العامة  التي وردت في دستور جماعة الأخوان في محاضرات جماهيرية طبعت في شكل كتيبات مثل: المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع(الدار السعودية: 1984) وهو المرجع الأساس للحركة الإسلامية في تأصيل مشاركة المرأة في العمل العام؛ قضايا الحرية والوحدة، الشورى والديمقراطية، حوار الدين والفن (الدار السعودية: 1987)؛ تجديد الفكر الإسلامي (1982)؛ تجديد أصول الفقه (1981)؛ قضايا التجديد: نحو منهج أصولي (1990)؛ كما ألف بعض الكتب المنهجية تعرض فيها لبعض حقوق الإنسان مثل: الإيمان وأثره في الحياة (1984)؛ كتاب السياسة والحكم والنظم السلطانية (2006)؛ التفسير التوحيدي (2009). والذي يقرأ هذه المؤلفات يجد أن الدكتور الترابي يؤمن بمبادئ حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا ويبحث لها عن نصوص دينية من القرآن الكريم والسنة النبوية ليقنع الجماهير المسلمة أن هذه الحقوق لا تتعارض مع تعاليم الإسلام بل سبق بها الإسلام التجربة الغربية. وقد تقدم في ذلك على معظم معاصريه من قادة الحركات الإسلامية في العالم الإسلامي.
3.    وثيقة السودان لحقوق الإنسان
تأتي أهمية هذه الوثيقة بأنها كتبت بعد أن استولت الحركة الإسلامية على السلطة في السودان عبر إنقلاب عسكري في يونيو 1989، وقد أجازها المجلس الوطني الإنتقالي (معين) بالإجماع في يناير 1994. وربما جاءت رداً على الهجمة الضارية التي تعرضت لها حكومة الإنقاذ في وسائل الإعلام الغربية ومن داخل أجهزة الأمم المتحدة، خاصة اللجنة الثالثة المعنية بحقوق الإنسان والتي أصدرت عدة قرارات تدين فيها حكومة السودان بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان. أعدت الوثيقة لجنة حقوق الإنسان بالمجلس الوطني الإنتقالي (1993-96).
اشتملت الوثيقة على سبعة فصول: الأول مقدمة عامة عن حقوق الإنسان ومؤهلات السودان في رعاية تلك الحقوق بحكم عراقته الحضارية وتوجهات أهله الثقافية وقيمهم الدينية؛ الفصل الثاني عن الإطار التاريخي والحضاري لحقوق الإنسان في السودان، فشعب السودان متعدد الأعراق والأديان والثقافات وقد اختلط هؤلاء وتداخلت أعراقهم وأنسابهم عبر القرون حتى أصبح التعايش والتمازج والتسامح بينهم سمة مشهودة لسكانه.والسودان من أوائل البلاد العربية والإفريقية التي تأسست فيه لجنة شعبية طوعية لحقوق الإنسان في عام 1967، وكان من أهدافها نشر وشرح وتعميق مبادئ ومثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. الفصل الثالث تحدث عن ضمانات حقوق الإنسان في القوانين السودانية مثل قانون السلطة القضائية (1406ه) الذي أرسى دعائم استقلال القضاء وحق التقاضي لكل متظلم، وقد حظرت القوانين التعذيب والمعاملة الحاطة بالكرامة، وأكدت الحرية الشخصية وحرمة السكن والخصوصية، وقررت مبدأ الأجر المتساوي للرجال والنساء. الفصل الرابع جاء عن التزام السودان بالمواثيق الدولية ومنها: العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (1967)، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1976)، واتفاقية القضاء على التمييز العنصري (1977)، والاتفاقيات المتعلقة بالرق وبحقوق الطفل (1991)، وقانون تنظيم اللجوء (1974). الفصل الخامس تحدث عن ظاهرة الاستغلال السياسي لحقوق الإنسان من قبل الدول الغربية التي اتسمت بازدواجية المعايير والتدخل في شؤون الآخرين، وقد عانى السودان من هذه الظاهرة سياسياً واقتصادياً.الفصل السادس خصص لدور التمرد في جنوب السودان في انتهاكات حقوق الإنسان، وقد أورد الفصل الكثير من نماذج القتل والتعذيب وتجنيد الأطفال واضطرار المواطنين للنزوح واللجؤ. أورد الفصل السابع عدداً من الحقوق المكفولة دستوراً وقانوناً في السودان مثل: حق الحياة، حق الحرية، حق المساواة، حق العدالة، حق المشاركة في الحياة العامة، حق الحماية من عسف السلطة، الحقوق الاجتماعية، حقوق الملكية، الحقوق الاقتصادية، حقوق حماية الخصوصية، حق اللجوء.
وكما يظهر من هذه الوثيقة فإن السودان ملتزم قانوناً بكثير من الحقوق الواردة في المواثيق والاتفاقيات الدولية، كما أن تشريعاته القضائية منذ الاستقلال تلزمه برعاية الكثير من الحقوق والحريات الأساسية المتعارفة. ورغم هذا الالتزام النظري والقانوني إلا أن  الشكوى من القوى السياسية الداخلية ومن المنظمات الحقوقية والدول الغربية كانت تنصب علىأن حكومة الإنقاذ التي جاءت بها الحركة الإسلامية والتي سيطرت على مقاليد الحكم زهاء ربع قرن من الزمان لم تلتزم بإنفاذ تلك الحقوق كما يجب. الغريب في الأمر أن وثيقة حقوق الإنسان المشار إليها والتي أجازها المجلس الوطني الانتقالي منذ يناير 1994 لم تنشر على الملأ ولم يسمع بها الكثيرون من المنظمات والأفراد الذين يهتمون بقضايا حقوق الإنسان، وبالطبع لم يجر تطبيقها على أرض الواقع!
تجربة التطبيق في مجال حقوق الإنسان
ولنستعرض سجل الحركة الإسلامية في تطبيق أهم المبادئ في مجال حقوق الإنسان منذ بداية مسيرتها السياسية في أكتوبر 1964 حين برزت كتنظيم سياسي يخوض الانتخابات البرلمانية وحتى اليوم. ونجمل الحديث في هذه الحقوق حول القضايا الآتية: الديمقراطية، الحريات الأساسية، العدالة، المساواة، الحقوق الاقتصادية.
1.    الديمقراطية:لا تدل سيرة الحركة الإسلامية في الفترة المذكورة على إيمان عميق بالمبادئ الديمقراطية، رغم أنها استفادت كثيرا من الفترات الديمقراطية الثلاث في السودان على قصرهاحتى أصبحت منافساً قوياً في انتخابات 1986 للأحزاب العريقة الكبيرة مثل حزب الأمة القومي والحزب الاتحادي الديمقراطي. فمقارنة بما جرى للحركات الإسلامية في الوطن العربي فإن السودان كان هو الأفضل مناخاً لنشاط الحركة الإسلامية حتى في العهد العسكري الاشتراكي لنظام نميري. جاء الاختبار الأول في عام 1965 حين قادت الحركة الإسلامية مظاهرات جماهيرية في أنحاء العاصمة تطالب بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان (أحد عشر نائباً مقارنة بخمسة لجبهة الميثاق الإسلامي) بسبب تهجم أحد الطلاب اليساريين في ندوة بمعهد المعلمين العالي على السيدة عائشة زوجة الرسول (ص). وكان الترابي هو العرّاب القانوني والسياسي لذلك الحراك الذي نجح بالفعل في إصدار قانون من البرلمان بحل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان وقفل دوره ومصادرة مطبوعاته. وتطلب ذلك تعديلاً في الدستور ورفضاًلتنفيذ قرار المحكمة العليا الذي قضى ببطلان القانون وما ترتب عليه من إجراءات. كشفت الحركة بذلك الموقف أن مصلحتها السياسية ومبادئها الأيدولوجية تأتي في المقام الأول قبل التمسك بمبادئ وأسس النظام الديمقراطي، وأصبح ذلك ديدنها إلى اليوم. وبعد مجاهدات وتضحيات ضد حكم الرئيس نميري (1969-1985) تحت شعار استعادة الديمقراطية متحالفة في ذلك مع الحزبين الكبيرين (الأمة والاتحادي) بلغت حد المقاومة المسلحة (الجزيرة آبا 1970 )، وتنظيم إنقلاب عسكري (1975)، وترتيب غزوٍ  من خارج الحدود (ليبيا في 1976). وبعد كل تلك المجاهدات والتحالفات انخرطت الحركة في مصالحة مع نظام نميري العسكري في يوليو 1977 مشاركة في السلطة بقدر ضعيف وفي مواقع قيادية بالحزب الحاكم (الاتحاد الاشتراكي السوداني) لتحقيق مصلحة حزبية بحتة، وبقيت الحركة في تحالفها الجديد حتى سقوط النظام في أبريل 1985. وكان الدافع واضحاً هو الاستفادة من المصالحة مع النظام العسكري لبناء تنظيم الحركة بعد أن أجهدتها الملاحقات الأمنية وأن تتواصل معالجماهيربحرية أكثر وتعمل لتأسيس بنية اقتصادية بالتعاون مع البنوك الإسلامية المتعاطفة مع الحركة. وقد استفادت الحركة بالفعل من المصالحة مع نظام نميري وظهر ذلك إبان الديمقراطية الثالثة (1986-89) التي فازت فيها الحركة الإسلامية بأكثر من خمسين مقعدا، من بينهم كل مقاعد الخريجين في شمال السودان، فشكلت بذلك أقوى معارضة سياسية لحكومة الصادق المهدي عن طريق نوابها المتميزين وصحفها ونشاط قواعدها وأصبحت دون شك الحزبالمنافس جماهيرياً للحزبين الكبيرين ومتفوقة عليهما في النشاط والتنظيم والإمكانات المادية.
وعملت الحركة في هذا المناخ المواتي في سرية ودقة للإنقضاض على النظام الديمقراطي بإنقلاب عسكري في يونيو 1989 الذي استلمت عن طريقه السلطة كاملة دون منافسة أو مشاركة.وبالرغم من أن معظم الأحزاب السودانيةعملت في أوساط الجيش في فترة من الفترات لتجنيد خلايا لها وأيدت حكومات عسكرية أو تعاونت معها، إلا أن انقلاب الحركة الإسلامية كان مختلفاً لأن قيادة التنظيم هي التي خططت للإنقلاب حتى أدق تفاصيله، وهي التي حددت القيادات العسكرية التي تتولى السلطة ظاهرياً ودعمت الإنقلاببمئات المدنيين المدربين عسكرياً؛وموّهت علاقتها بالانقلاب بذهاب البشير إلى القصر رئيساًوالترابي إلى كوبر حبيساً! وكانت قيادة الحركة المدنية هي السلطة الحقيقية في حكومة الإنقاذ إلى أن وقعت المفاصلة حول السلطة في ديسمبر 1999 حين تمرد الرئيس العسكري على تهميشهفي اتخاذ القرارات لسنوات عديدة. ولم يكن سلوك سلطة الإنقاذ طيلة سنوات حكمها يدل على تقديرللمبادئ والأسس الديمقراطية أو النية لاسترجاع النظام الديمقراطي. فقد بدأت نظامها السياسي بتأسيس حزب واحد حاكم في 1992، ولم تضع دستوراً للبلاد إلا بعد مرور تسع سنوات كاملة على قيامها (مارس 1998)، وعندما أذنت بوجود أحزاب أخرى في الدستور المذكور اشترطت أن تكون متوالية مع السلطة الإسلامية وقابلة لدستورها الذي فصلته على مقاسها. وجاءت كل انتخابات الانقاذ في 1996، 2000، 2010 مطعون في نزاهتها وحيدتها مما اضطر الأحزاب السياسية الأخرى لمقاطعتها وعدم القبول بنتائجها. وعندما أجبرتها التسوية السياسية لوقف الحرب وتحقيق السلام مع الحركة الشعبية لتحرير السودان على وضع دستور ديمقراطي في 2005 يحتوي على وثيقة متميزة للحقوق لم تقم بتنفيذها كما يجب؛ وبعد انفصال الجنوب اختارت الحرب مع الحركة الشعبية قطاع الشمال على الحل الديمقراطي لمشكلتي ولاية جنوب كردفان والنيل الأزرق لأن الحركة الشعبية الشمالية كانت المنافس الأول للمؤتمر الوطني في انتخابات 2010 خاصة في الولايتين المذكورتين. ولم تتفاوض سلطة الإنقاذ بجدية مع التنظيمات الأخرى إلا مع حملة السلاح في الجنوب ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان، وتنازلت لهؤلاء عن قدر من السلطة في مناطقهم. كما أن الإنقاذ لم تعمل بالتداول السلمي للسلطة حتى داخل حزبها الحاكم، فما زالت القلة المتنفذة في صنع القرار منذ بداية الإنقاذ هي نفسها المسيطرة إلى اليوم، غاب عنها فقط الشيخ الترابي وقلة من أعوانه.


2.    الحريات الأساسية
لقد تنكرت الحركة الإسلامية عند استلامها السلطة في 1989 لكل أطروحاتها عن الحريات الأساسية بصورة غير مسبوقة لدى القوى السياسية الأخرى، خاصة بعد أن بقيت في الحكم ثلاث وعشرين سنة هي الأطول لأي نظام في السودان. عمدت حكومة الإنقاذ من أول يوم لها، مثل كل الإنقلابات العسكرية، إلى تعطيل الدستور وحل البرلمان ومجلس السيادة الحاكم، وحظر أنشطة الأحزاب السياسية ومصادرة ممتلكاتها وإلغاء تراخيص الصحف ومصادرة ممتلكاتها، وحل النقابات العمالية والاتحادات المهنية، وحجرت تماماً على حرية التعبير والتنظيم. ولكن المدهش حقاً أن السلطة العسكرية حظرت أيضاً نشاط الأجهزة القيادية المنتخبة في الحركة الإسلامية نفسها ليس في العلن فقط ولكن حتى في السر، واستبدلت تلك الأجهزة بأخرى معينة جلهم من القيادات الدستورية والتنفيذية في الدولة. والغريب في الأمر أن هذا الحظر لم يستمر لبضع سنوات كما كانوا يقولون بل استمر إلى يومنا هذا. فالساحة السياسية التي يعمل فيها اليوم أكثر من ثمانين حزباً سياسياً، الغائب الوحيد منها هو الحركة الإسلامية التي ليس لها وجود قانوني أو نشاط فعلي في أي مجال من المجالات السياسية أو الثقافية أو الاجتماعية أو الفكرية أو الدعوية التي كانت تعمل فيها. ولم يحل عدم قانونيتها من اجتماعات دورية معلنة ومقفولة كل أربع سنوات لانتخاب بعض كبار المسئولين في الدولة قيادة سرية لهياكلها الشورية والتنفيذية الفارغة المضمون. والسبب وراء هذا الحظر العجيب هو أن قيادة الحركة تريد ممارسة سلطة مطلقة لا معقب لها، وقد كان تراث الحركة التنظيمي في الماضي شوريا وديمقراطيا إلى حدٍ كبير. والحجة التي ساقتها قيادة الحركة لهذا الوضع أن هناك عناصر جديدة غير منتخبة دخلت أجهزة الدولة العليا ولا بد أن تستوعب في عملية التشاور حول إدارة الدولة، وأن مهام إدارة الدولة الجديدة وأعبائها كثيرة ومعقدة تستغرق كل وقت القيادة، وأن المخاطر  الداخلية والخارجية التي تتعرض لها الدولة جمة وخطيرة وينبغي حصر الحديث عنها في أضيق نطاق على مستوى الأجهزة الحكومية المتخصصة. ولو قبلت هذه الحجة في السنوات الأولي من عمر الإنقاذفلا يمكن أن تقبل بعد سنوات طويلة في الحكم.
ولجأت حكومة الإنقاذ إلى اعتقال قيادات الأحزاب السياسية ورؤساء النقابات والاتحادات المهنية الذين ينتمون لأحزاب معارضة، وفصلت من العمل بشبهة معارضة النظام أعداداً ضخمة من عناصر القوات النظامية ومن قيادات الخدمة المدنية ومن مؤسسات التعليم العام والعالي، ولم تبد أسفاً لقطع أرزاق أسرهم، واستحدثت مواقع سرية للإعتقال والتعذيب أطلق عليها المواطنون مصطلح "بيوت الأشباح"، واقتطعت جزءً من سجن كوبر ليكون تحت إدارة الأمن تفعل فيه مع المعتقلين ما تشاء من عقوبة وتأديب. وأسست جهازاً حزبياً للأمن من عناصر غير مهنية وغير مدربة مارست مهمتها في التعامل مع المعارضين بقسوة وعشوائية بحجة أنهم يتآمرون مع قوى خارجيةلإسقاط دولة الإسلام الوليدة في السودان!ولم ينجو الشيخ الترابي وبعض أعوانه بعد المفاصلة من الاعتقالات العشوائية التي يتهم فيها ابتداءً بجرائم خطيرة ثم تمر الشهور الطويلة دون أن يقدم إلى محاكمة ويطلق سراحه دون تبرير. وتولى جهاز الأمن الوطني مهمة الرقابة على ما يكتب في الصحف وتعطيلها ومصادرتها، وعلى الاعتقال والتحقيق ومصادرة الممتلكات مع أن دستور 2005 لا يعطيه سوى حق جمع المعلومات وتحليلها ورفع التوصيات التي يراها إلى الجهة المختصة. ومع ذلك أجاز البرلمان قانون الأمن الذي يعطيه كافة هذه الصلاحيات وأفتت المحكمة الدستورية،التي تخيّر النظام أعضاءها بعناية، بصحة ذلك القانون. وكما يحدث في معظم الدول الشمولية تمدد جهاز الأمن في صلاحيات المؤسسات الأخرى مثل وزارات الداخلية والمالية والنفط والعلاقات الخارجية والإعلام وأجهزة شؤون النقابات والاتحادات والجمعيات الطوعية وغيرها، وأصبحت السلطة الحاكمة تستحق اسم "الدولة الأمنية". ومن الملفت للنظر أن حكومة الإنقاذ لم تسمح مرة واحدة طيلة عمرها الطويل بمظاهرة سلمية تحتج على بعض سياساتها، وإذا خرجت دون إذن تعامل بقسوة مفرطة تصل أحياناً حد القتل مثل ما حصل في كاجبار وبورتسودان والخرطوم والجنينة وغيرها.
وفي مجال الحرية الدينية التي أكدت عليها وثائق الحركة الإسلامية (دستور الأخوان المسلمين، ميثاق السودان، يناير 1987) والتي تقولبحقوق المواطنة المتساوية بين أتباع الملل الدينية لم تلتزم بها حكومة الإنقاذ فقد اشتكى كثير من قيادات الكنائس لمجلس التعايش الديني السوداني أن الحكومة لا تمنحهم قطع أراضي ليشيدوا عليها أماكن للعبادة وتزيل ما يبنونه عشوائياً في أطراف العاصمة، ولا تخصص لهم مقابر لدفن الموتى، ولا تعيّن لهم وزارة التعليم العام معلمين للتربية المسيحية كما تفعل للمسلمين، وأن مناهج التعليم العام غير مادة التربية الإسلامية موجهة توجيهاً إسلامياً صارخاً تفرض على التلاميذ المسيحيين. ومن الأحداث التي جرّت على الحكومة نقداً شديداً في الدول الغربية ومن منظمات حقوق الإنسان مصادرة "النادي الكاثوليكي" (8000 متر مربع) بحجة أن مدة إيجارته قد انتهت وحولته إلى دار لرئاسة حزب المؤتمر الوطني. وقد كتب عدد من قيادات الحركة الإسلامية القدامى  ينتقد التضييق على الحرياتوالممارسات الأمنيةالمفرطة التي  لا تشرف أي نظام يدعي التمسك بقيم الإسلام مثل: عبد الوهاب الأفندي (الثورة والإصلاح السياسي في السودان، 1995)، الطيب زين العابدين (مقالات في السياسة السودانية، 2004؛ مقالات عن الحركة الإسلامية في السودان، 2003)، التجاني عبد القادر (نزاع الإسلاميين في السودان: مقالات في النقد والإصلاح، 2009؟)، لبابة الفضل (الحركة الإسلامية في السودان بين النهوض بالدولة والإنكفاء الذاتي، 2003)، عبد الرحيم عمر محي الدين (الترابي والإنقاذ: صراع الهوية والهوى، 2006)، عبد الغني أحمد إدريس ( الإسلاميون: أزمة الرؤيا والقيادة، 2012). وزادت الململة والنقد لأداء الحكومة في أوساط الإسلاميين بعد انفصال الجنوب، ظهر ذلك في شكل مذكرات من عدة جهات تحتج على كبت الرأي المخالف وانعدام الشورى واحتكار قرار الحزب والدولة على فئة قليلة متنفذة منذ أكثر من عشرين عاماً، وتتطالب ببسط الحريات وبالتوافق مع القوى الوطنية والحل السياسي لمشكلات الأقاليم.
3.    العدالة
العدالة قيمة إسلامية كبرى يستحقها العدو والصديق "ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا إعدلوا هو أقرب للتقوى" (المائدة:8)، وهي في ذات الوقت مبدأ ديمقراطي أساسي تنص عليه كل مواثيق حقوق الإنسان. ورغم مقولات النظام الكثيرة عن العدالة والمساواة إلا أنها في واقع الحال خضعت لمعادلات النظام في تأمين نفسه من كل خطر يظن أنه يهدده، وما أكثر مخاوف النظام من كل نقد يوجه إليه أو احتجاج يصدر ضده!فقد تعرض النظام القضائي في أول عهد الإنقاذ لهزة كبيرة بفصل كل من يظن النظام أنه لا يسير في ركابه من القضاة، وأصبحت المناصب العليا في القضاء وفي وزارة العدل خالصة لأولياء النظام. وأصدر النظام حزمة من القوانين يحمي بها سياساته وقراراته وسلوك المسئولين فيه وصلت حد الاستثناء من أحكام الشريعة الإسلامية. فقد شكل مجلس قيادة الثورة مجلساً للإفتاء الشرعي  بقانون في أغسطس 1991 (تعديل ديسمبر 1992) ينص على أن فتاوى المجلس ملزمة لكل أجهزة الدولة ولكنه منع النظر في الدعاوى المقامة أمام القضاء أو التي صدر فيها حكم نهائي من محكمة مختصة تفادياً للتضارب بين الاختصاصات وهذا استثناء منطقي ومفهوم، ولكن زاد عليه القانون"وأي مسألة صدر فيها قرار سيادي من رئيس الدولة"، وكأنما رئيس الدولة أصبح فوق أحكام الشريعة الإسلامية! وفي الحقيقة أن كل قرارات الدولة الشمولية الأمنيةهي فوق القانون بما فيه أحكام الشريعة الإسلامية. ومن البدع التي جاءت بها حكومة الإنقاذ هي التوسع في منح الحصانة القانونية لأفراد القوات النظامية (الأمن والجيش والشرطة) ولنواب المجالس التشريعية والوزراء وكثير من المسئولين في الدولة، وعلق على ذلك وزير العدل  بأن حوالي 25% من العاملين في الدولة يتمتعون بحصانات قانونية! وتسببت هذه البدعة في إفلات كثير من المتهمين حتى بجرائم القتل من العقاب لأن النيابة عادة لا تحصل من الجهة المسئولة عن المتهم الإذن المطلوب للتحري والتحقيق معه، ونتج عن ذلك شرخ كبير لمبدأ العدالة خاصة في مناطق النزاعات مثل دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان. وقد اتفقت كل لجان تقصي الحقائق حول أزمة دارفور، بدءً من لجنة دفع الله الحاج يوسف في 2004 ولجنة الأمم المتحدة ولجنة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، على أن هناك انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان تستحق التحقيق القضائي ومحاسبة المسئولين. وتجاهلت الحكومة توصيات تلك اللجان بالتحقيق مع هؤلاء المتهمين وتقديمهم للمحاكمة العادلة مما أدى إلى قرار محكمة الجنايات الدولية بتوقيف عدد من المسئولين الحكوميين على رأسهم الرئيس البشير ووزير الدفاع الفريق عبد الرحيم حسين ووزير الشؤون الإنسانية أحمد هارون بصفتهم ضالعين في جرائم ضد الإنسانية. ونتج عن ذلك أن المبعوثين الدبلوماسيين للدول الغربية لا يلتقون عند زيارتهم للخرطوم الرئيس البشير بصفته متهماً لدى المحكمة الجنائية الدولية، ولا يستطيع هو أن يزور تلك البلاد. ووقعت معظم الانتهاكات في دارفور من ضباط في الجيش والأمن ومن بعض القبائل الرعوية التي جندتها الحكومة (الجنجويد) مستعينة بها في محاولة القضاء على حركات التمرد، وكانت لتلك القبائل أجندتهاالخاصة التي تتمثل في طرد المزارعين الذين يقطنون جنوباً لهم حتى يحتلون أرضهم الخصيبة مرعى لبهائمهم، وقد فعلوا في سبيل ذلك أفاعيلقبيحة دون أدنى محاسبة من الدولة.
وأخلت الحكومة بمبدأ العدالة والمساواة بين المواطنين حين تبنت بصورة رسمية سياسة "التمكين"، أي تعيين منسوبيها في وظائف الدولة القيادية لذلك قل ما تجد وكيلاً لوزارة أو مديراً لجامعة أو مديراً لمؤسسة اقتصادية أو خدمية لا يكون عضواً في الحزب الحاكم. الطريف أن بعض منسوبي الحكومة أصدروا مجلة لعدة سنوات باسم "التمكين" تروج لذلك المبدأ غير العادل.
4.    الأوضاع المعيشية
لقد تدهورت أوضاع الناس المعيشية كثيراً تحت حكم الإنقاذ حتى وصلت نسبة الفقر أكثر من 80% في تقدير بعض الخبراء والأكاديميين ولكن الجهاز المركزي للإحصاء يضعهبنسبة 46,5%. بعض هذا التدهور سببه الحصار الاقتصادي على السودان من بعض الدول الغربية، والعقوبات الدولية على السودان بسبب سياساته القمعية في دارفور وبعض أعمال الحكومة الطائشة (محاولة اغتيال حسني مبارك في 1995). ولكن أكثر التدهور سببه الاختلال في أولويات الصرف الحكومي فجل ميزانية الدولة يذهب للقوات النظامية (حوالي 70%) في حين لا يتجاوز الصرف على الصحة والتعليم بين 3 إلى 5 في المئة، ولا تجد القطاعات الإنتاجية دعماً يذكر من الحكومة للزراعة وتربية الحيوان والصناعة مما أدى إلى تدهور الإنتاج وارتفاع تكلفته بسبب الضرائب والجباية المتشددة التي اتبعتها الحكومة، وتوقفت أكثر من نصف المصانع في العاصمة عن العمل. وزاد الاختلال في الصرف الحكومي بعد أن بدأت الدولة في تصدير البترول عام 1999، ولم يلمس المواطن أي أثر يذكر لتلك العائدات الضخمة في حياته العادية عدا تشييد بعض الطرق والجسور والتي اعتمدت على القروض أكثر منها على التمويل الحكومي. وظهرت الفوارق الكبيرة بين أوضاع رجال الأعمال المقربين للدولة وغيرهم وبين مخصصات العاملين في الدولة في القوات النظامية وغيرهم من موظفي الخدمة المدنية، واستشرى الفساد بصورة غير مسبوقة خاصة في مجال العطاءات والمشتروات الحكومية التي أظهرت بعضها تقارير المراجع العام السنويةوترفع للحكومة دون أن تجد عناية أو محاسبة جادة؛ ولا غرابة أن تدهور مركز السودان في قائمة الشفافية العالمية إلى مؤخرة الدول. وبعد انفصال الجنوب ضعفت عائدات العملة الأجنبية بنسبة كبيرة فلجأت الحكومة لفرض المزيد من الضرائب والاستدانة من النظام المصرفي لسد العجز في الموازنة مما أضعف قوة العملة المحلية وضاعف من أسعار المواد الضرورية على المواطن؛والغريب أن الصرف الحكومي لم ينقص بأكثر من 5% عما كان عليه أيام البذخ البترولي حسب إحصاءات البنك المركزي. ولا حديث يروج في العاصمة والمدن أكثر من ارتفاع أسعار السلع خاصة الغذائية بصورة شبه يومية. ولم ينجو مال الزكاة الذي يجبى من كل مصادر الدخل المعروفة من الاستغلال السياسي والاختلال في التوزيع، فقد كانت نسبة مقدرة منه تصرف على المؤلفة قلوبهم من السياسيين في الشمال والجنوب وعلى دعم المجهود الحربي والجمعية الخيرية لدعم القوات المسلحة وبعض المؤسسات الحكومية والإسلامية وكل ذلك على حساب الفقراء والمساكين التي فرضت الزكاة أصلاً من أجلهم وتخفيف الفاقة عليهم.
خاتمة
لم يشهد تاريخ السودان منذ الاستقلال انتهاكات لحقوق الإنسان أكثر مما شهدها تحت حكم سلطة الإنقاذ، ولا عجب أن صدرت عشرات الإدانات لحكومة السودان من المنظمات الحقوقية والدولية في مجال حقوق الإنسان حتى أصبح السودان بنداً ثابتاً في كل التقارير الدولية التي تتحدث عن حقوق الإنسان. وكلفت اللجنة الدولية لحقوق الإنسان ومن بعدها مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدةمبعوثاً خاصاً يتابع دورياً وضع حقوق الإنسان في السودان ويرفع تقارير بذلك، ورغم الاعتراف ببعض التقدم في هذا المجال إلا أن السودان ما زال في مؤخرة الدول التي تحمي حقوق الإنسان.
والسؤال الذي يفرض نفسه على الشخص المراقب هو: كيف تنكرت الحركة الإسلامية السودانية على أطروحاتها المتقدمة في مجال حقوق الإنسان؟ وقد كانت مؤهلة بحكم التزامها الديني بالقيم الإسلامية السمحة، وبتوفر كوادرها عالية التعليم،وتنظيمها القوي الممتد في أنحاء البلاد وتراثها الشوري الفاعل، وتمكنها من السلطة لفترة طويلة أن يكون أداؤها في مجال حقوق الإنسان هو الأحسن من أي نظام آخر مرّ على السودان. ولكن ما حدث هو العكس فلماذا؟ إجابتي هي باختصار أن الحركة جاءت بطريق إنقلاب عسكري همه الأول هو تأمين نفسه في السلطة بأي ثمنكان خاصة بعد أن وجد نفسه محاصراً بمعارضة داخلية وخارجية متزايدة؛ وأتيحت له سلطة مطلقة دون محاسبة من أية جهة كانت سياسية أو قضائية أو تنظيمية؛ وقيض الله له أتباعاً كثر مطيعين بسبب ولائهم الديني والتنظيمي ينصرونه ظالماً أو مظلوماً ولا يسألونه لماذا فعل أو لم يفعل؛ واستغل مناصب الدولة ومواردها المالية في تأليف قلوب المعارضين والبعيدين وتقوية آصرة الأعضاء المنتسبين؛ واستفاد من شعاراته الدينية الجاذبة في مجتمع السودان لكسب قواعد جماهيرية ساذجة وطيبة وجاهلة؛ وسهّل عليه الأمر أن المعارضة السياسية التي تواجهه ضعيفة التنظيم والإمكانات والتواصل الجماهيري ولم تقطع الأمل في الالتحاق بمنظومة الحكم القائمة حتى تكون أكثر جدية في المعارضة.
ولكن السيل قد بلغ الزبى أو كاد ولا بد أن يحدث قريباً أو في المدى المتوسط إصلاح من داخل النظام وحركته الإسلامية أو يقع تغيير مفاجئ من خارج المنظومة السياسية على نسق ليبيا أو مصر أو اليمن.



المصادر
1.    التجاني عبد القادر: نزاع الإسلاميين في السودان: مقالات في النقد والإصلاح (نشرت في جريدة الصحافة ثم طبعت في شكل كتاب، 2009؟).
2.    حسن الترابي: الحركة الإسلامية في السودان: التطور والكسب والمنهج (الخرطوم،1988).
3.      "      "   : قضايا الحرية والوحدة؛ الشورى والديمقراطية؛ الدين والفن (الدار السعودية، جدة، 1987).
4.    "       "    : المرأة بين تعاليم الدين وتقاليد المجتمع (الدار السعودية، جدة، 1984).
5.    حسن مكي محمد أحمد: الحركة الإسلامية في السودان: 1969-85 (معهد البحوث والدراسات الاجتماعية، الخرطوم، 1990).
6.    الطيب زين العابدين: مقالات في السياسة السودانية (دار جامعة الخرطوم للنشر، الخرطوم، 2004).
7.     "           "     : مقالات عن الحركة الإسلامية في السودان (الدار السودانية للكتب، الخرطوم، 2003).
8.    عبد الرحيم عمر محي الدين: الترابي والإنقاذ: صراع الهوية والهوى (دار عكرمة، دمشق، 2006).
9.    عبد الغني أحمد إدريس: الإسلاميون: أزمة الرؤيا والقيادة (مؤسسة سنار الثقافية، لندن، 2012).
10.    عبد الوهاب الأفندي: الثورة والإصلاح السياسي في السودان (منتدى ابن رشد، لندن، 1995).
11.    المجلس الوطني الانتقالي: وثيقة السودان لحقوق الإنسان (إسلام آباد، 1996).
12.    وزارة العدل: دستور جمهورية السودان الإنتقالي لسنة 2005 (مطبعة جامعة الخرطوم، ب ت).