يتمسك وزير المالية بقوة برفع الدعم عن المواد البترولية، وقال أمام جلسة البرلمان يوم الأربعاء الماضي (13/6) عندما لمس معارضة من بعض النواب مبرراً دعوته لرفع الدعم «هذا شغل الدولة المفلسة»! وهل هي مفلسة في المال فقط؟ وبما أن الحديث كان عن «استراتيجية الحد من الفقر» التي ينبغي أن يجيزها البرلمان كأحد الشروط الدولية لإعفاء ديون السودان (حوالي 40 بليون دولار)، ويبدو لو لا ذلك الشرط (الغربي الإمبريالي) لما كلف وزير المالية نفسه الحديث أمام البرلمان عن الحد من الفقر. فقد قال الرجل في نفس الجلسة إن الفقر قدر من الله! وهل الفلس أيضاً قدر من الله أم هو من عمل النظام الحاكم الذي بدد ثروات النفط على مدى عشر سنوات في الصرف السيادي البذخي والسياسي والحربي والأمني؟ وقد أنكر الحق عز وجل على المشركين نسبة أخطائهم وسوء أعمالهم لأمر الله «وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها أبآءنا والله أمرنا بها، قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون.» وما أكثر ما ينسب أهل الإنقاذ أخطاءهم وسوء أعمالهم إلى أقدار الله أو إلى المؤامرات الخارجية ضدهم! وأقدار الله ليست عشوائية إنما تتنزل حسب الأسباب الكونية والاجتماعية والعقدية وهي من أقدار الله التي ينبغي أن تراعى عند خيارات السلوك البشرى. وقد قال الفاروق عمر حين امتنع عن دخول البلدة الموبوءة بمرض الطاعون، وعاب عليه ذلك أحد المتفيقهين بأنه يفر من قدر الله فأجابه الفاروق بحكمة المؤمن البصير: إننا نفر من قدر الله إلى قدر الله! ويؤكد القرآن أن ما يصيب الناس من مصيبة هو من كسب أيديهم «وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير، ومن تلك المصائب المؤامرات التي تحاك ضدنا. ويناقض الوزير نفسه في ذات الجلسة حين يقول إنَّ دخل الفرد بعد الإنقاذ زاد بشكل كبير ولكن تلك الزيادة لم تصاحبها عدالة في التوزيع بالدرجة المطلوبة. ولو كان أكثر جرأة لقال بأن عدم العدالة في توزيع الثروة القومية هو السبب الأساس في كل ثورات الهامش على الحكومة في الجنوب ودارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وشرق السودان، وكل اتفاقية سلام عقدتها الحكومة مع حركة من حركات الهامش المتمرد كان على رأسها المطالبة بالعدالة في «اقتسام الثروة». ومن أقدار الله في حياة المجتمعات البشرية أن يتمرد الناس على الظلم أياً كان مصدره ومبرراته السياسية أو الدينية! لذلك قال فقهاء السلف تبقى الدولة العادلة ولو كانت كافرة وتذهب الدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة. وبدأ الوزير شبه يائس من تطوير الزراعة التي يعمل فيها حوالي نصف سكان السودان، وينصح كل خبراء الاقتصاد بأن تطوير الزراعة حتى تكون مجزية للمزارع هي أحسن الوسائل للحد من حجم الفقر، معللاً ذلك بكثرة المعوقات اللوجستية من تسويق وترحيل وتخزين وجبايات. ولماذا لا تعملوا يا سيادة الوزير على إزالة هذه المعوقات التي تعرفونها جيداً؟ أم أنها أيضاً من أقدار الله التي لا يستطيع المرء تغييرها!
وقد وجد الوزير من يرد عليه في ذات جلسة البرلمان ومن داخل حزبه، فقد شدد محافظ بنك السودان على ضرورة زيادة الإنتاج المحلي باعتباره أساساً لمحاربة الفقر بطريقة عاجلة، وقال إن المستفيدين من التمويل الأصغر أقل من 2% إلى 3% من جملة المبلغ المخصص في محفظة البنوك التجارية سنويا والذي يبلغ 3,9 مليار جنيه،وأرجع ذلك لضعف القدرات في الاستفادة من تلك المبالغ جراء العقبات التي تحول دون استغلالها. ولا أحسب أن السيد وزير المالية سيقول إن تلك العقبات هي من أقدار الله! وقد انتقدت الدكتورة عائشة الغبشاوي بشدة تسليم أموال الزكاة للمصارف لتوزيعها ضمن سياسة التمويل الأصغر (وهي صيغة ربحية ولو بنسبة ضئيلة) واعتبرت ذلك تعطيلاً للأموال وحبسها عن مستحقيها. وقد تعرضت وزيرة الشؤون الاجتماعية لنقد شديد من داخل البرلمان مما اضطرها لاتهام النواب بعدم الحياد والموضوعية وأن منطلقهم هو محض تجارب شخصية (أي أنهم طلبوا ولم يستجب لهم)، وتصدى لها عبد المنعم أمبدي مؤكداً حق النواب في نقد كل مؤسسات الدولة وطالب الوزيرة بالاعتذار وسحب حديثها ووجدت مطالبته تأييد النواب بتصفيق حاد فاستجابت الوزيرة لطلب الاعتذار وسحب الحديث. وقد فتح النواب شظايا نيرانهم على ديوان الزكاة واتهموه بصرف الأموال لجهات لا تستحقها بدلاً من الصرف على الفقراء والمساكين وأنها تخضع لتوجيهات سياسية بدلاً من مصارفها الشرعية، وأن ديوان الزكاة أقحم نفسه في مجالات لا علاقة له بها من بينها التجارة والاستثمار، وأن الفقراء يزدادون فقراً وديوان الزكاة يزداد جباية. ودافعت الوزيرة عن ديوان الزكاة بأنه الأفضل على مستوى العالم الإسلامي، ولا أدري على أي أساس تقول الوزيرة بذلك الحكم الكاسح. فقد أجريت قبل عدة سنوات دراسة عن أوضاع الزكاة في سبع دول هي: مصر والكويت واليمن والسعودية وباكستان وماليزيا والسودان، فوجدت أن السودان هو أوسعها جباية من مصادر الدخل المختلفة وهو الوحيد الذي يصر على ربط بعض خدمات الدولة لعامة المواطنين، مثل تأشيرة الخروج وتسجيل الأراضي أو المنازل أو العربات، بدفع الزكاة، وهو الوحيد الذي يعطي بعض قيادات الدولة العليا حصة من أموال الزكاة لتوزيعها لمن يأتيهم أو يأتونه من المستحقين، وهو الأعلى تكلفة في إدارة أموال الزكاة فقد بلغت تلك التكلفة في سنة الدراسة 27% من إيرادات الزكاة مع أن الحد الأقصى الذي يقول به الفقهاء هو 12,5% كواحد من المصارف الثمانية المحددة في الآية الكريمة، في حين لا تكلف إدارة الزكاة في باكستان 2% من إيراداتها رغم أن حجم سكانها هو أضعاف السودان.
واتهم بعض النواب الحكومة بالفساد، قال النائب عصام الدين عمر إن الدولة ومؤسساتها اغتنوا غناءً فاحشاً فهي إما متضامنة أو شريكاً أو حامية للجهات الفاسدة، وقال حمدان عبد الله إن العقلية الفاسدة التي تنتاب كل المؤسسات الرسمية هي المشكلة الحقيقية وإن الموارد الخارجية محكومة بالاحتكار وأن المال يذهب لناس بعينهم (عاملين فيه كنترول) وأن البلد أصبحت بلا شفافية والقروض التي تأتي لا تطرح عطاءات لمشروعاتها. وأشار رئيس لجنة العلاقات الخارجية بالمجلس محمد الحسن الأمين إلى وقف إجراءات إنشاء صندوق للمعاشات بوزارة العدل بلوائح داخلية دون قانون يصدره البرلمان، ولكن وزارة العدل تقتدي في ذلك بلوائح القوات المسلحة والأمن والشرطة ووحدة السدود التي سمح لها بنظام خاص. ولقد اختلت نظم الأجور والمعاشات والحوافز والعطاءات وسلفيات البنوك في عهد الإنقاذ بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان، وبنيت كل المعاملات التفضيلية على أسس سياسية أو محسوبية.
والمجالات التي تتطلب مراجعة جذرية لإصلاح الحالة الإقتصادية المتردية هي: الفساد الذي استشرى في كل كيان الدولة وعجزت عن محاربته حتى عندما تكتمل وثائقه وتنشر على الناس، الصرف السياسي والسيادي البذخي، ترهل أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية وارتفاع مخصصات الدستوريين، عدم خصخصة شركات القطاع العام رغم السياسة المعلنة وهي مصدر فساد وسوء إدارة، احتكار السلع والخدمات لجهات بعينها قريبة من الحكومة، غياب الشفافية في المعاملات المالية الحكومية، تجنيب الأموال العامة خارج وزارة المالية في بعض الإدارات المتنفذة، اختلال سياسات الأجور في الخدمة المدنية. وقد ذكر وكيل وزارة المالية الأسبق نماذج صارخة لسوء إدارة المال العام (الصحافة 14/6)، كما استرسل الدكتور التجاني الطيب وزير المالية في الديمقراطية الثالثة في شرح وتحليل أبعاد الأزمة الاقتصادية وكيفية تجاوزها بمعالجات تقترح خفض الانفاق الحكومي وإلغاء بعض الوظائف الوزارية ودمج بعض المؤسسات والوزارات وإلغاء بعض المؤسسات وتخفيض تقديرات بعض السلع والخدمات الحكومية وإصلاح القطاع الاقتصادي، وكل ذلك موثق بأرقام دقيقة أحسب أنها جاءت من مصادر الدولة الرسمية. (الأحداث 14/6).
والذين يعارضون رفع الدعم عن المحروقات من قيادات المؤتمر الوطني ينظرون للأمر من ناحية أمنية وسياسية، هل سيؤدي رفع الدعم إلى تحريك الشارع ضد الحكومة كما حدث في دول الربيع العربي في تونس ومصر واليمن وليبيا وسوريا وغيرها، أى أن غاية همهم هو بقاء النظام وليس دفاعاً عن الفقراء والمساكين والمسحوقين. والحقيقة أن ما سيحرك الشارع ضد السلطة ليس هو الفلس المادي فقط ولكن أكثر منه هو الفلس الأخلاقي والمعنوي. فالحكومة التي يعشعش في جنباتها الفساد ولا تعدل في صرف الأموال العامة على الخدمات الضرورية للإنسان (صحة وتعليم ومياه) ولا في توزيع الدعم المركزي على الولايات، وتنافس الناس في أرزاقهم عن طريق شركاتها الاحتكارية ووزرائها ومحاسيبها، وتفشل في توفير العمل للعطالة حتى في أوساط الخريجين الذين تضخمت أعدادهم دون جدوى علمية أو اقتصادية، والتي تشعل نيران النزاعات في أنحاء البلاد بحلول عسكرية لا طاقة لها بها، وتطول القائمة... مثل هذه الحكومة لا حق لها في مطالبة الناس بربط الأحزمة على البطون لأنها تضرب أسوأ مثل في التضحية والعدالة وحسن الإدارة والتصرف في المال العام. وينبغي للحكومة أن تحسن قبل فوات الأوان قراءة بعض المؤشرات الواضحة التي تأتيها من صلب أعضائها الملتزمين داخل الحركة الإسلامية والحزب الحاكم، فقد بدأت مذكرات الململة والاحتجاج من قطاعات مقدرة في الحركة الإسلامية والتي نشرت على الملأ، وأصبح البرلمان يصدع بالنقد في وجه الحكومة أكثر من أحزاب المعارضة، وبدأت ظاهرة الاستقالة من المناصب الوزارية وكشف الوزراء لفساد سابقيهم في المنصب. ولا تكاد تجد في منتديات الناس من يتصدى للدفاع عن سياسات الحكومة الخرقاء، وسيكتشف الناس قريباً أن دابة الأرض قد أكلت منسأة الإنقاذ وما بقي لها إلا أن تخر على الأرض! ثم إن هذه الحكومة قد بقيت معنا بشخوصها وسياساتها أطوّل مما ينبغي! فهلا رحلت عنا حتى يذكر الناس لها بعض الخير في مقبل الأيام.
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.