عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

دأب بعض كبار المسئولين في الدولة أمام الحشود الجماهيرية على التصريح بأن الحكومة قد عرض عليها التطبيع مع إسرائيل مقابل حل كل مشكلاتها وأزماتها، ورغم أن إسرائيل تستهدف كل الدول العربية إلا أن نصيب السودان من هذا الاستهداف كبير، وأن السودان لن يساوم على مبادئه وموقفه الثابت من حقوق الشعب الفلسطيني (هكذا)! ولا يوضح المسئولون السودانيون من هو الوسيط الذي قدم لهم هذا العرض السخي من إسرائيل، ويتوقع المرء أن يكون ذلك الوسيط دولة غربية ممن لها  علاقات متينة مع إسرائيل مثل أمريكا -التي تسعى دائما لتطبيع علاقات  الدولة الصهيونية  بالدول العربية- أو بريطانيا أو فرنسا أو ألمانيا أو هولندا أو غيرها من دول حلف شمال الأطلسي (الناتو). ولا أجد ما يمنع الحكومة من الكشف عن ذلك الوسيط (ابن الحلال) فهذه الدول لا تنكر علاقاتها الجيدة مع إسرائيل، وأنها  تعمل على حماية أمنها ضد كل من يهدده بما في ذلك الفلسطينيين الذين اغتصبت إسرائيل أرضهم وشردتهم في بقاع الأرض وتعاملهم في بلدهم كمواطنين من الدرجة الثانية؛ بل لعل هذه الدول تعتبر القيام بمثل هذا العمل مفخرة لها تقربها من الدولة العبرية المتكبرة ومن جماعات الضغط الصهيونية القوية المتمددة في أمريكا وأوربا. والحكومة السودانية طالما (شتمت) هذه الدول واتهمتها بأنها تتآمر ضد السودان، فلماذا لا تكشف أوراقها (الصهيونية) إن وجدت بعضا من تلك الأوراق؟ وللحكومة مصلحة في هذا الكشف لأنه يجعل دعواها أكثر مصداقية أمام الجماهير السودانية والعربية، والعرض المقدم يبدو سخيا بدرجة غير معقولة  فالتطبيع مع دولة السودان المأزومة من كل ناحية لا يستحق هذا العرض الكريم من إسرائيل. وهل هناك من يصدق أن إسرائيل تريد أن تحل مشاكل السودان وأزماته؟ إن الاستشهاد بمحاضرة وزير الأمن الإسرائيلي السابق التي يرددها بعض المسئولين تدل على عكس ذلك، تدل على أن إسرائيل تريد خلق المزيد من المتاعب والمشاكل للسودان كما هو واضح من النشاط المكثف  لجماعات الضغط الصهيونية في أمريكا ومنهم "اتحاد إنقاذ دارفور" الذي يضم عشرات المنظمات الدينية والحقوقية.

 

أنا –بصراحة- أشك في أن إسرائيل تقدمت للسودان بهذا العرض، أو أنها ترغب في حل مشاكله، أو أنها تستطيع أن تفعل ذلك حتى لو أرادت، أو أن التطبيع مع السودان يستحق هذا العرض الكريم! كما أني أشك في أن حكومة السودان المسكونة ليلها ونهارها بمشكلة "التمكين"،  والتي ترى في كل أشكال المعارضة السلمية محاولة لتقويض نظامها يمكن أن ترفض عرضا سخيا كهذا تمسكا منها بالمبادئ والقيم!  قد يكون أحد المسئولين أو أحد أصدقائه قرأ كلاما يحمل هذا المعنى  في جريدة أو مجلة أو مدونة إليكترونية، وخيل إليه أن هذا الكلام يمثل عرضا مقدم  للسودان من إسرائيل بصورة غير مباشرة فقام بنقله إلى إخوانه المتنفذين في السلطة فصدقوه وصاروا يرددونه لأن النفس مولعة بتصديق ما تحب خاصة النفس السياسية. وهل هناك أحب للحاكم من أن يقال  أنه رقم صعب في المعادلة الدولية والإقليمية لا يمكن تجاوزه وأن الدول الكبيرة تخطب وده وتسعى للتطبيع معه؟ لقد حفيت قدما الحكومة سنين عددا  جريا وراء الولايات المتحدة  لتطبع علاقاتها معها رغم كل الخطوات العدائية التي اتخذتها أمريكا ضدها، وهي أكثر بلاد الدنيا دفاعا عن إسرائيل وعن انتهاكاتها الجسيمة لحقوق الشعب الفلسطيني وأشدها عداوة للمقاومة الفلسطينية المشروعة. لم يثنها كل ذلك من المحاولات المتكررة، فأين التمسك بالمبادئ والقيم في هذا التعاطي "المنبطح" مع أمريكا؟ والحقيقة هي أن مشاكل السودان وأزماته هي من صنع أبنائه الميامين ولا يمكن حلها بواسطة دولة أخرى، أكانت إسرائيل أم غيرها. وحتى الذين يقعون في حضن إسرائيل أو أمريكا أو المؤتمر الشعبي يفعلون ذلك لمصلحة أجندتهم السياسية وليس عمالة لجهة أخرى، ولن يستمعوا لنصيحة تلك الجهة مهما كانت دالتها عليهم إن وجدوا أنها لا تتفق مع رؤيتهم السياسية. كل الدول العربية التي تتحالف مع أمريكا ترفض بشدة الاستجابة لدعوتها بنشر الديمقراطية وتحقيق  الإصلاح السياسي أو برعاية حقوق الإنسان لأنها تظن أن تلك الدعوة  تهدد بقاءها في الحكم وهي ما تحالفت مع أمريكا إلا لتطيل عمرها في الحكم فكيف تقبل دعوة تعجل بذهابها.

 

لا يعني هذا أن إسرائيل لا تريد تطبيعا مع السودان فكل تطبيع مع أي دولة عربية مهما هان شأنها مفيد لإسرائيل لأنه يكسر الوحدة والتضامن العربي ضدها، ولكنها لن تتبرع بحل مشكلات ذلك البلد وأزماته لأن ذلك لا يصب في مصلحتها الإستراتيجية، والنماذج واضحة للعيان مع الدول المطبعة مثل مصر والأردن وموريتانيا والمغرب وتونس. لقد حاولت مصر كل ما تستطيع لمساعدة إسرائيل في حفظ أمنها وذلك بقفل معبر رفح في معظم الأوقات أمام المساعدات الإنسانية لقطاع غزة، وبقتل اللاجئين الأفارقة الذين يريدون التسلل لإسرائيل عبر سيناء، وباكتشاف الأنفاق الفلسطينية وتدميرها، وبتزعم كتلة الاعتدال العربية بما فيها السلطة الفلسطينية ضد المقاومة ودول  الممانعة، وبقيادة الهجوم الشرس على إيران وبرنامجها النووي وغض الطرف عن أسلحة إسرائيل النووية، وبالتزامها الحرفي بكل معاهداتها السلمية مع الدولة العبرية مهما اعتدت على بلاد عربية أو انتهكت حقوق الفلسطينيين، واستقبالها المستمر لكل القيادات الإسرائيلية من يسارها  إلى أقصى يمينها بمناسبة وبدون مناسبة! فماذا فعلت إسرائيل مقابل تلك الخدمات لحل مشكلات مصر؟ ما زالت إسرائيل تعترض على التسليح المتقدم لمصر ولزيادة القوات المصرية في صحراء سيناء ولأي برنامج نووي مصري ولو كان سلميا، لم تحاول مرة واحدة تقديم مساعدة مالية لمصر رغم أوضاعها الاقتصادية الصعبة وتدهور قيمة عملتها، وما زالت إسرائيل تشنع على دكتاتورية النظام المصري وفساده  وانتهاكه لحقوق الإنسان، وما زالت تعترض على إعطاء دور قيادي لمصر في العالم العربي إلا عندما  يحقق ذلك  مصلحة راجحة  لإسرائيل. إذا لم تحاول إسرائيل حل مشكلات الدول المطبعة معها (مصر  والأردن  والمغرب  وموريتانيا  وتونس)  فلماذا تفعل ذلك للسودان؟ وعدد من هذه الدول أكثر أهمية من السودان في كثير من المجالات. لقد ظنت دولة ارتريا في وقت ما أن التطبيع مع إسرائيل سيفتح لها أبواب التمويل والمعونات من الدول الغربية والمؤسسات الدولية،  وأبواب الدعم السياسي لقضاياها مع دول الجوار خاصة أثيوبيا ولكنها بعد تجربة رجعت بخفي حنين وكذلك كان الحال مع موريتانيا في ظل النظام العسكري السابق. إسرائيل مثل تاجر البندقية شايلوك تصر على اقتطاع نصيبها كاملا غير منقوص من لحم الخصم، وما عرفت أبدا بكريم التعامل مع أحد بما في ذلك حاضنتها الكبرى الولايات المتحدة الأمريكية التي ما فتئت تتجسس على أدق أسرارها التسليحية والتقنية.

 رغم ما ذكر فإني أنصح الحكومة أن تسارع إلى التطبيع مع إسرائيل إذا تلقت عرضا جادا منها بحل مشكلة دارفور فقط (وليس كل مشاكل السودان وأزماته)، فسيكون السودان هو الكاسب الأكبر من هذه الصفقة، ولن يمنعه ذلك من المطالبة بحقوق الفلسطينيين كما تفعل مصر والأردن، كما أن  تطبيع السودان لن يعطي إسرائيل مثقال ذرة من حماية ضد  ضربات المقاومة الفلسطينية واللبنانية الموجعة، ولن يفقد الشعب الفلسطيني سندا ضخما بتطبيع السودان،  وسيظل الشعب السوداني –كما الحال  في مصر والأردن- بعيدا عن هذا التطبيع المصطنع!