من الظواهر الملفتة للنظر في الأنظمة العسكرية الشمولية في العالم العربي، أن النظام حالما يستولي على السلطة يسعى لتكوين تنظيم سياسي ــ غالباً من قدماء السياسيين والتكنوقراط ومن شرائح من طبقات العمال والمزارعين والطلاب ــ يعطيه السند الجماهيري ويعمل على ترويج سياسات التنظيم دون أن يكون له أدنى دور في صناعتها. ويزعم النظام أن تنظيمه السياسي يمثل كافة شرائح المجتمع، وأنه مفتوح للكافة إلا من أبى، وبما أنه تنظيم للمجتمع فيحق له أن يأخذ ميزانيته المعتبرة من الخزينة العامة مثله مثل الخدمة المدنية والقوات النظامية. ومن تحت مظلة الدولة ونفوذها ومالها وإعلامها ينمو التنظيم سرطانياً ويكثر ضجيجه ويضخم احتشاده في المناسابات والاحتفالات التي تتبناها أو تدعو لها الحكومة، ويخيل للمرء بادئ الرأي أن الأمر قد استتب تماماً لهذا الحزب «العملاق» فليس في المجتمع قوة تدانيه أو تتحداه أو تكون بديلاً له في الساحة السياسية. ويظن كثير من الناس ألا صعود في سلم الوظيفة أو المال أو النفوذ إلا عن طريق الالتحاق بالحزب الحاكم والتقرب زلفى لقائده الفرد، فينخرط الكثيرون تحت مظلته دون قناعة فكرية أو سياسية، ولكن بحثاً عن مصلحة شخصية. وعندما يرى الحاكم أن الأمر استتب له وأن كبراء الناس يسبحون بحمده وأن علماء السلاطين ومثقفي البرجوازية الصغيرة يحسِّنون له كل ما يقول ويفعل، ويتبارون في خلع الألقاب عليه من أمثال: القائد الفذ، والزعيم الأممي، والمعلم الملهم، وعميد الحكام العرب، وملك الملوك، وهبة السماء إلى الأرض... يصدق الحاكم ما يوصف به من مزايا وما يخلع عليه من عبقرية وكأنها حقائق لا تقبل الجدل، فيصل إلى نتيجة منطقية، وهي أنه بالفعل عبقري زمانه ووحيد عصره وحامي حمى الوطن، وأن من حقه أن يحكم هذا البلد ما دام حياً في الدنيا، وليس هناك من بديل له في كل أرجاء الوطن. ثم يتفرعن الرجل على الخاصة والكافة فيقول للناس: ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد! ومن المفارقات أن أغلظ درجات التسلط تقع على رؤوس أعضاء الحزب الحاكم نفسه لأنهم الحاشية المطيعة والمستفيدة من عبقرية الحاكم الفذ ومن شعبيته الكاسحة التي يدعونها، ولولاه لما كان لهم شأن أو مكانة في المجتمع فهم حثالته الأخلاقية. وعلى هؤلاء الأعوان تقع مسؤولية ترويج كل سياسة أو قرار يتخذه القائد بصرف النظر عن عدم قناعتهم به وتحمل مسؤولية كل سياسة تتبناها الدولة ويتضح أنها خاطئة وتحتاج إلى مراجعة، فمن الجائز للثورة أن «تراجع ولا تتراجع»، والقائد الملهم لا يمكن أن يرتكب ذلك الخطأ ولو أمضى قراره بنفسه! وهم يتحملون الخطأ الذي لم يرتكبوه لأنهم يقبضون الثمن على ذلك استغلالا للنفوذ وعبثاً بالمال العام وتصدراً لواجهات المجتمع. ويتماهى الحزب مع الدولة حتى يصعب التفريق بين قرار الحزب وقرار الدولة، ويسيطر الحزب عملياً على كل أجهزة الدولة التنفيذية بما في ذلك أدواتها المدنية والنظامية والإعلامية وسلطاتها التشريعية والقضائية.
وبالرغم من مظاهر القوة والهيلمان إذا وقعت الواقعة على الدولة أو الحزب، تنهار تلك القوة المصطنعة المتضخمة في أيام قليلة، وتقف الدولة بحزبها وقائدها عارية هزيلة أمام الأنظار كأنها لم تكن صاحبة الصولة والجولة، يصدق عليها قول شاعر العربية أبو الطيب المتنبي «لا تحسبن الشحم في من شحمه ورم». وقد شهدنا في العقود الماضية كيف انهار الاتحاد الاشتراكي العربي الذي ملأ الدنيا ضجيجاً في عهد عبد الناصر وتحول بقضه وقضيضه إلى الحزب الجديد الذي شكله السادات تحت اسم الحزب الوطني الديمقراطي لينتهج عكس سياسات عبد الناصر المعادية للغرب، وشهدنا انهيار الاتحاد الاشتراكي السوداني الذي اصطنعه نميري فلم يغنه شيئاً عن انتفاضة الجماهير الغاضبة، وتبخر حزب البعث في العراق عن الوجود بعد هزيمة جيشه الجرار في بضع أيام، ونشهد اليوم أفول حزب التجمع الدستوري في تونس والحزب الوطني في مصر واللجان الشعبية في ليبيا، وقريباً سينتهي حزب المؤتمر الشعبي العام في اليمن وحزب البعث في سوريا، وسيأتي اليوم الذي يذهب فيه حزب المؤتمر الوطني مثل بقية الأحزاب الشمولية المستندة على نفوذ الدولة إلى ذمة التاريخ. فهي أحزاب نشأت بأمر السلطة وترعرعت في أحضانها وخيراتها ولا تستطيع العيش بعيداً عن ظلها الوارف، بل قد لا يربطها بالسلطة إلا ما تغدقه عليها من مال ونفوذ.
وأجد نموذجاً صارخاً وصادقاً لما أقول في الخبر المدهش الذي سرده الكاتب اللامع الطاهر ساتي في عموده اليومي «إليكم» بجريدة السوداني «12/7/2011م» تحت عنوان: رياك قاي... وتسليم مفاتيح الحزب ..!! يقول الخبر بأن الدكتور «الصيدلي» رياك قاي نائب رئيس المؤتمر الوطني لشؤون الجنوب أصدر قراراً بإغلاق كل مكاتب المؤتمر الوطني بالجنوب وتسليم المفاتيح والأثاثات والسيارات لشباب الحركة الشعبية عقب إعلانه الانسلاخ من المؤتمر الوطني وانضمامه للحركة الشعبية، وأعلن ذلك القرار في مؤتمر صحفي بثه تلفزيون جوبا، حيث قال قاي: خلاص ما في حاجة اسمها مؤتمر وطني، لموا البيوت والعربات والأثاثات واستفيدوا منها، وهاكم المفاتيح! لقد عبر قاي بصورة صارخة لا تخلو من وقاحة عن أن السياسة ضرب من ضروب التجارة الفاسدة تمارس فيها كل أنواع الفهلوة والخداع والتدليس والكذب، وبما أن سوق المؤتمر الوطني قد أغلق في الجنوب فلا بد للسياسي التاجر أن يذهب للسوق الجديد «سوق الحركة الشعبية» ويبيع فيه البضاعة المطلوبة ويزاود في الشعارات والأفعال بأكثر مما يفعل قادة الحركة الشعبية، فهو متهم في ذمته وإخلاصه للجنوب بحكم أنه كان قياديا في حزب الأعداء يشتم الحركة الشعبية صباح مساء، فلا بد له من فعل صارخ يكفر به عن خيانته للجنوب ولحركة تحريره، وليس هناك ما هو أفضل من التنكر للمؤتمر الوطني وشتمه ووهب ممتلكاته لخصمه اللدود في الجنوب أمام عدسات تلفزيون جوبا. وقد يحتاج مستشار رئيس الجمهورية السابق ونائب رئيس المؤتمر الوطني السابق، أن يكرر عرض بضاعته الجديدة مرات ومرات قبل أن يجد موقعاً له في دولة الجنوب الوليدة.
والحقيقة أن المؤتمر الوطني يعلم جيداً تجار السياسة هؤلاء، ولكنه يحتاجهم في وقت ما ليعطي الانطباع للرأي العام والمجتمع الدولي بأن الحكومة الإسلامية تضم الجنوبيين والمسيحيين على قدم المساواة مع الأصوليين والديماجوجيين، ويقدم هؤلاء التجار النفعيين على خلصاء الحركة الإسلامية من أبناء الجنوب أمثال علي تميم فرتاك والشيخ بيش والمرحوم منقو أجاك. وقد غفرت حكومة الإنقاذ لرياك قاي كثيراً من جرائمه المالية عندما كان رئيساً لمجلس تنسيق الولايات الجنوبية الذي لم يفارق شارع الجامعة ليعمل في الجنوب، وإنصافاً للرجل فقد بذل جهداً خارقاً ليتواصل مع شيوخ الحركة الإسلامية وأجهزتها والمنظمات الطوعية الإسلامية حتى لتحسبه من قدماء عصبة الحركة الإسلامية. وهذه سمة عامة وليست عارضة في الأنظمة الشمولية أن تتخير ضعاف النفوس ومحبي المناصب والمال على أصحاب الرأي والفكر والشخصية، لأن المطلوب منهم هو السمع والطاعة لولي الأمر، وليس التشاور والنقاش وإبداء النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلسنا في دولة الصحابة!!