يبدو أننا مقبلون على أسوأ السيناريوهات في ما يتعلق بمشكلة أبيي المعقدة أصلاً، ويأبى السياسيون في الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني إلا أن يزيدوا النار اشتعالاً بمزايدات فارغة غير قابلة للتنفيذ في ظل الوضع على الأرض، وفي ظل الاتفاقيات المعقودة بين المؤتمر والحركة والتحكيم الدولي حول القضية والشهود الدوليين. وبدأت المزايدة من قبل الحركة الشعبية حين نصَّت في مسودة دستور جنوب السودان على أن حدود جمهورية جنوب السودان تضم بجانب الاستوائية وبحر الغزال وأعالي النيل «منطقة أبيي بحدود مشيخات دينكا نقوك التسع التي تم نقلها من بحر الغزال إلى كردفان في عام 1905م، كما عرفها قرار لجنة التحكيم الدولية في يوليو 2009م». والحركة تعلم أن ضم المنطقة إلى الشمال أو الجنوب حسب اتفاقية السلام الشامل يخضع إلى استفتاء أهل المنطقة «الدينكا والسودانيون الآخرون المقيمين فيها»، ورغم الحقيقة السياسية التي تقول إن غالبية الدينكا في المنطقة يريدون الانضمام إلى الجنوب، وأن النزاع أساساً يتعلق بهم وبمنطقتهم التي تحولوا منها في 1905م، إلا أن حل القضية لا يمكن أن يفرض بقرار آحادي من حكومة الجنوب التي حاولت من قبل إغراء حكومة السودان بضم المنطقة إلى الجنوب مقابل دعم اقتصادي مقدر فلم تفلح، وحاولت فرض حل عسكري على الأرض فلم تنجح، وعليه فإن تضمين النص السابق في دستور الجنوب لا يخلو من استفزاز لحكومة الشمال. والسبب ليس تعنت الحكومة أو تراجعها عن مواثيقها، ولكن لأن هناك مشكلة حقيقية لا تريد الحركة الشعبية الاعتراف بها أو تقديم حل لها، وهي حقوق قبائل المسيرية التي تقطن المنطقة منذ عقود طويلة، وتريد الحركة حرمانهم من حق المواطنة فيها بحجة أنهم رحل لا يقيمون بها طيلة أيام السنة. وعلى كل فإن تضمين منطقة أبيي في مشروع دستور الجنوب لا يستحق الزوبعة التي أثارها رئيس المؤتمر الوطني في مخاطبة أهالي المجلد يوم الأربعاء الماضي «27/4»، لأنها زادت المشهد توتراً. وقد جاءت المخاطبة في سياق دعم مرشحي المؤتمر الوطني في انتخابات والي ومجلس تشريعي جنوب كردفان، والسياسيون عادة ما يفتحون معيار الخطابة الساخنة حتى نهايته بالوعود والتهديد والهجوم على الآخر في المواسم الانتخابية، خاصة إذا اشتدت فيها المنافسة وكانت الساحة في حساسية جنوب كردفان، وينسون ما قالوه بنهاية المباراة الانتخابية! ولكن الخلط جاء أن مزايدات الوطني وردت على لسان رئيس الحزب الذي هو نفسه رئيس الجمهورية، وما ورد على لسانه لا يليق بمسؤولية رئيس الجمهورية تجاه كل مواطنيه ولا تجاه المجتمع الدولي الذي يمثل بلاده أمامه. ولا عجب أن جاء أول رد فعل لخطاب الرئيس في اليوم الثاني من وكيل وزارة الخارجية الأمريكية جوني كارسون الذي قال إن «هذه التعليقات لا تساعد على الإطلاق ولن تؤدي سوى لإذكاء وتصعيد التوترات». وهذه لغة دبلوماسية مهذبة لكن «المقصود» أكثر من ذلك! ولا يملك المرء إلا أن يتفق مع هذا النقد «الموزون» مهما كان حسن ظنه بالبشير وسوء ظنه بالإدارة الأمريكية. وعندما يصدر القول الشاطح من رئيس الحزب لا تملك كل قيادات الوطني إلا الصمت المطبق أو التبرير الخجول! ماذا نأخذ على قول الرئيس؟
قال الرئيس إن أبيي شمالية وستظل شمالية، وهو مستعد لتكرار ذلك القول مليون مرة! هل هذا كلام جاد؟ لماذا إذن وقعت الحكومة وأجاز البرلمان اتفاقية السلام الشامل التي أعطت منطقة أبيي وضعاً خاصاً يجري بموجبه استفتاء في نهاية المرحلة الانتقالية ليختار أهالي أبيي البقاء مع الشمال أو الانضمام إلى الجنوب؟ وكان الخلاف أولاً بين الشريكين حول حدود منطقة أبيي ثم حول من هم سكان أبيي الذين يحق لهم التصويت في الاستفتاء، ولم يكن في أي وقت حول خيار الانضمام شمالاً أو جنوباً. وقضية حق الخيار قد حسمت، ولا يستطيع السودان أن يتراجع منها مهما فعل. وكان على الرئيس أن يقول هذا الكلام في مايو 2004م حين طرح السيناتور الأمريكي جون دانفورث حل نزاع أبيي بالكيفية الموقعة، ويصر على حدود يناير 1956م بين الشمال والجنوب التي نصّ عليها بروتكول ماشاكوس «يوليو 2002م»، وذلك ما كان يقول به غازي صلاح الدين رئيس وفد المفاوضات مع الحركة الشعبية في ذلك الوقت، ولكن الرئيس لم يستمع لقوله بل قضى بإبعاده تماماً عن ملف المفاوضات. فلماذا التباكي الآن على اللبن المسكوب؟
وقال الرئيس: إذا ظنوا «الحركة الشعبية» أنهم في عهد السلام استقووا للحرب، نحن بالبندقية والرشاش والحصان والعربية بنطلع أعلى جبل. وقد يكون ذلك صحيحاً، ولكن السؤال للرئيس من أهل الشمال هو: إذا كان في مقدوركم حسم التمرد عن طريق «صندوق الذخيرة»، فلماذا خاطرتم بانفصال الجنوب عن طريق الاستفتاء؟ وقد كانت الحجة المقنعة آنذاك هي الحرص على السلام ولو أدى إلى انفصال جنوب السودان، ولكن من الغريب أن يريد بنا الرئيس خوض الحرب بعد أن وقع الانفصال نتيجة لمشاكستهم المستمرة مع الحركة طيلة فترة الانتقال. وكيف يضحي الرئيس بثلث مساحة السودان من أجل السلام ثم يحارب من أجل «10» آلاف كيلومتر هي كل مساحة منطقة أبيي التي كانت أفضل مناطق السودان معايشة بين الشماليين والجنوبيين حتى توقيع اتفاقية السلام الشامل وحشر أبيي معها؟ وفي لغة المحاسبة السياسية كان ينبغي أن تعني هذه النتيجة المحزنة والمتناقضة أن تذهب غير مأسوف عليها حكومة المؤتمر الوطني التي جلبت انفصال البلاد وتجديد الحرب. والخطاب في أدنى تداعياته يعني ميلاد جنوب جديد معادٍ للشمال في ولاية جنوب كردفان وربما في النيل الأزرق أيضا، ورغم إحباطات أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق من سلوك الحركة الشعبية أثناء مفاوضات نيفاشا والمرحلة الانتقالية ودعوتها للانفصال، إلا أن مثل هذا الخطاب الاستفزازي سيوحد صفوفهم ضد الشمال «فالحرب أولها كلام»، ونكون قد أنتجنا جنوباً جديداً معادياً للشمال بلا أدنى مبرر سوى المزايدة السياسية والدعاوي الجوفاء! بل إن الموقف الاستراتيجي الأفضل كان يستدعي توافق المؤتمر الوطني مع قطاع الشمال للحركة الشعبية على اقتسام نتيجة الانتخابات في جنوب كردفان بنسبة مقبولة لكل طرف في هذه الجولة، حتى تؤدي إلى شراكة سلسة في السلطة «وقد برهن هارون والحلو قدرتهما على ذلك»، وإلى موقف موحد من المشورة الشعبية، ولكن المؤتمر الوطني ما عرف بكرمه في مسألة قسمة السلطة مع الآخرين ولو كانوا حلفاء، دعك من أن يكونوا خصوما!
وتابع الرئيس القول: «لو الحرب ولعت حيلقونا نحن، العمم والجلاليب بتروح وبرجع الكاكي، وتاني اتفاقية مافي»! ولا أدري إن كان ذلك التهديد موجها للحركة الشعبية أم لأهل الشمال اليتامى؟ فالحركة الشعبية لا تتأثر إن ارتدى الرئيس جلبابا أم بزة عسكرية داخل القصر الجمهوري، فهو لم يشترك ميدانياً في معركة عسكرية منذ مجيئه للسلطة في 1989م، في حين شارك فيها واستشهد آلاف المدنيين من شباب الحركة الإسلامية الذين يلبسون الجلاليب والعمائم، ومنهم شقيقه عثمان البشير. وكأني بالرئيس قد عاوده الحنين للبزة العسكرية التي خلعها على مضض استيفاءً بتأهيل نفسه لخوض الانتخابات الرئاسية في 2010م. ونحن لم نصدق بعد أننا على أعتاب نظام ديمقراطي جديد بعد عقدين من الحكم العسكري، حتى يخوفنا الرئيس بأنه سيعود بنا كرة أخرى لنظام عسكري بائد أصبح في ذمة التاريخ في كثير من الدول الإفريقية والعربية! وحذَّر الرئيس من فتنة يخطط لها من وصفهم بالطابور الخامس والجواسيس لضرب النسيج الاجتماعي بدارفور وجنوب كردفان، وهي ذات «الحدوتة» التي تقول بها الأنظمة الديكتاتورية العسكرية ضد الثورات الشبابية في البلاد العربية. وإن كانت هناك طوابير وجواسيس فعلاً تضرب النسيج الاجتماعي لأهل السودان بعد عقدين من حكم الإنقاذ «الميمون» والمطلق، فماذا كنتم تنتظرون بهؤلاء؟ وبدون مناسبة التفت الرئيس ليهاجم أمريكا ويقول لها إن كل حلفائها في المنطقة قد ذهبوا، وإن الحكم لا تثبته أمريكا ولكن يثبته رب العالمين. لقد صدق ولكن شروط رب العالمين لتثبيت الحكم معروفة ليس من بينها أجهزة التجسس أو الاعتقال، بل هي إقامة العدل وبسط الشورى والامتناع عن الظلم والفساد، والمساواة بين الناس في الحقوق والواجبات وحفظ كرامة الإنسان أن تنتهك أو تصادر حريته التي يسقط بها التكليف.
وكأنما قاله الرئيس لا يكفي، حتى انبرى قيادى آخر في المؤتمر الوطني يصرح بأن حكومة المؤتمر الوطني لن تعترف بدولة الجنوب المستقلة إذا هي ضمنت في دستورها تبعية منطقة أبيي لحدود الجنوب. ورغم موافقتنا للقيادي الوطني على أن تضمين النص مفسد للعلاقة بين البلدين، إلا أن ذلك لا يعني عدم التواصل أو الاعتراف بحكومة الجنوب عقب إعلان الدولة الجديدة. فهناك سوابق أكثر خطورةً تعايش معها الحزب الحاكم بسماحة أو براجماتية يحسد عليها، فلماذا لا يفعل مثل ذلك مع إخواننا في الجنوب؟ لقد تعايشت حكومة المؤتمر الوطني وتعاونت مع النظام المصري السابق بعد أن احتل منطقة حلايب وشلاتين في شرق السودان بقوة السلاح، وكذلك فعلت مع الحكومة الإثيوبية التي انتزعت أراضي الفشقة من المزارعين السودانيين، بل إن الحكومة السودانية أمرتهم بإخلاء أراضيهم ومزارعهم «لإخوانهم» الإثيوبيين! فلماذا لا يحتمل المؤتمر الوطني مجرد نصٍ في دستور جنوب السودان لا يقدم ولا يؤخر في حقيقة الصراع حول الأرض بمنطقة أبيي؟ الغريب في الأمر أننا جميعاً نعلم أن ما يهدد به الرئيس أو القيادي في المؤتمر الوطني لن يحدث في الواقع، ولكنه في ذات الوقت يشكك في مصداقية المؤتمر الوطني وحكومته، ويفسد علاقاتنا بالمجتمع الدولي الذي نريد أن نطبع العلاقة معه، وأن يعفو لنا ديونه المثقلة لكاهل الاقتصاد الذي سيعاني كثيراً بعد توقف عائدات نفط جنوب السودان. وبالطبع لا نستطيع أن نقول للمجتمع الدولي: معليش يا جماعة الرئيس بتكلم ساكت..!!