لقد استغلت الحركة الشعبية أبناء جبال النوبة والنيل الأزرق منذ الثمانينيات ليحاربوا معها ضد حكومة الخرطوم، بحجة إنهاء تهميش المناطق غير العربية وإقامة السودان الجديد على أنقاضها، وفعلت ذات الشيء مع التجمع الديمقراطي الوطني في مطلع التسعينيات حين تحالفت معه لمعارضة نظام الإنقاذ من أجل إسقاطه وإحداث التحول الديمقراطي في البلاد، واستغلت أحزاب المعارضة الشمالية مرة ثانية بعد توقيع اتفاقية السلام لتقف معها ضد تعنت المؤتمر الوطني في الوفاء ببعض متطلبات اتفاقية السلام الشامل التي تخص الجنوب، وقبلت أحزاب المعارضة ذلك الاستغلال تسليماً بضعفها وأملاً في الاستقواء بالحركة ضد خصمها المؤتمر الوطني الذي لم تستطع إزاحته عن السلطة أو مشاركته فيها. وفارقت الحركة الشعبية كل تلك القوى الواحدة بعد الأخرى دون توديعها بإحسان حين اختلفت مصلحتها معهم بعد توقيع اتفاقية السلام الشامل مع المؤتمر الوطني، وقال أحد قياديي الحركة معلقاً على تبرم بعض قيادات التجمع بتنكر الحركة لهم: إن الحركة الشعبية لا تحارب في معارك الآخرين..!! وهي الآن تقدم على أكثر تكتيكاتها خطورة وفي الوقت الخطأ حين تحتضن وتأوي بعض الفصائل المسلحة من أبناء دارفور «حركة العدل والمساواة وفصيل مني أركو في حركة تحرير السودان» التي تنوي استمرار العمل المسلح ضد الحكومة المركزية من حدود آمنة قريبة تجد فيها التسليح والتموين والتدريب والاتصال بوسائل الإعلام وبالعالم الخارجي. والحجة التي تقول بها الحركة تبريراً لذلك الفعل الخاطئ لا تنطلي على أحد، بأنها تريد أن تسهم في حل مشكلة دارفور، والحقيقة أن الحركة الشعبية منذ أن دخلت الخرطوم في مطلع عام 2005م بعد توقيع اتفاقية السلام لم تسهم في حل مشكلة شمالية واحدة، بل انصرف كل همها إلى مشاكل الجنوب وبعض مشكلات جبال النوبة والنيل الأزرق المتعلقة بقسمة السلطة والثروة. ويعاب على المؤتمر الوطني أنه ترك الأحزاب والقوى السياسية الشمالية في العراء حتى سهل على الحركة الشعبية أن تجذبهم إلى معسكرها وتحارب بهم المؤتمر الوطني عسكرياً وسياسياً. وإن كان المؤتمر الوطني قوياً في وقت مضى واستطاع أن ينفرد بالسلطة كاملة دون مشاركة مع الآخرين، فهو ما عاد كذلك الآن واتفاقية السلام تصل إلى نهايتها، والبلاد مقبلة بعد أسابيع قليلة على انفصال الجنوب الذي تقع مسؤوليته بالكامل على الحزب الحاكم لعقدين من الزمان، وقد يكون انفصالاً عدائياً يتسبب في المزيد من الاضطرابات والنزاعات يتحمل تداعياتها الحزب الحاكم وحده، بعد أن أصبح معزولاً من كل سند داخلي أو خارجي، ورئيسه ملاحق من كافة الدول الغربية.
وتلعب الحركة بالنار وفي الوقت الخطأ لأنها اقتربت من تحقيق حلمها في استقلال جنوب السودان، ومازالت بعض القضايا الشائكة تنتظر الاتفاق عليها مع شريكها وخصمها المؤتمر الوطني مثل: استفتاء منطقة أبيي، والمناطق المختلف عليها في الحدود «جودة، جبل المقينص، كاكا التجارية، كافي كنجي، حدود الهبانية مع دينكا ملوال»، ومياه النيل، والجنسية، والبترول؛ بل وتحتاج بشدة إلى اعتراف المؤتمر الوطني بنتيجة الاستفتاء حتى يسهل عليها ذلك اعتراف بقية دول العالم باستقلال الجنوب. وكان هذا الوقت الحرج من تطبيق اتفاقية السلام يتطلب من الحركة التحلي بأكبر قدر من الحكمة والمرونة في التعامل مع المؤتمر الوطني حتى تعبر هذه المرحلة المفصلية من تاريخ الجنوب بسلام، دون نزاعات مع الشمال قد تستمر لسنوات كثيرة قادمة، وتعطل بذلك مصالح حيوية للجنوب والشمال. وربما تظن الحركة أن احتضان فصائل دارفور المسلحة يعطيها كرتاً تضغط به على المؤتمر الوطني حتى يتنازل عن مواقفه «المتشددة» في بعض القضايا العالقة مثل أبيي والحدود والجنسية، ولكن الأقرب أن يكون العكس هو الصحيح، أي أن يزداد المؤتمر الوطني تشدداً في مواقفه من تلك القضايا، لأنه وجد حجة قوية ضد الحركة ستلقى مساندة داخلية وخارجية، بل قد يؤثر ذلك على موقف المؤتمر من الاعتراف بنتيجة الاستفتاء التي لن تخلو من أسباب للطعن فيها. ولن تستطيع الحركة الدفاع عن إيواء فصائل دارفور بالجنوب في أي منبر محلي أو إقليمي أو دولي، لأن ذلك يعني بوضوح موقفاً عدائياً من الشمال لا يمكن تبريره أمام القوى الداخلية أو الخارجية، فكيف يكون مدخلاً للتنازل؟ ثم إن الزمن ليس في مصلحة الحركة فالاستفتاء على الأبواب، وليس هناك ما يدعو المؤتمر الوطني للتعجل في قفل ملفات القضايا العالقة. وتأبى الحركة إلا أن تزيد الجرح غوراً بتحريك خلاياها النائمة في النيل الأزرق وربما في جبال النوبة، فقد جاء في أنباء يوم الجمعة «10/12» أن معتمد محلية الباو «حركة شعبية» قد قرر فض الشراكة مع المؤتمر الوطني في إدارة المحلية حتى تنفرد بها الحركة الشعبية، وقام بطرد مدير إدارة التربية والتعليم والمدير الطبي للمستشفى وحل لجان التطوير التي يشارك فيها المؤتمر الوطني بنسبة 55%، كما زادت تفلتات الجيش الشعبي في المنطقة.. فماذا تتوقع الحركة الشعبية من ردٍ على هذه الخطوات الاستفزازية؟ إنها بداية الشرر الذي سيشتعل جنوباً وشمالاً، وسيجد المؤتمر الوطني في الجنوب جماعات وقيادات مستعدة لمواجهة الحركة عصياناً وتمرداً وتهديداً للأمن، بل أن الجنوب أكثر قابلية للاشتعال من الشمال، وحكومة الجنوب أقل مقدرة من حكومة الشمال في إطفاء حرائق الفتن الداخلية.
إن الوضع الأفضل والأسلم لكل من الشمال والجنوب أن يتم الانفصال بصورة سلمية وسلسة تسمح بالتواصل والتعاون بين البلدين خدمة لمصالحهما المشتركة في بعض المجالات الحيوية لكلا الطرفين مثل إنتاج وتصدير النفط، وزيادة موارد مياه النيل، وفض النزاعات وتأمين التجارة والرعي عبر الحدود. وأن يرعى الطرفان العلاقات الاجتماعية والثقافية الحسنة بين شعوب الشمال والجنوب التي امتدت لمئات السنين، وينبغي لها أن تستمر أياً كانت الأوضاع السياسية في هذا البلد أو ذاك. ويتطلب هذا الوضع الأفضل أن يحرص عليه الطرفان، ولا يدخل أي منهما في مغامرة غير محسوبة ضد الطرف الآخر، فيفسد العلاقة القائمة ويفتح الباب لردود فعل غير متناهية. ولا ينبغي للحركة الشعبية في هذا الوقت الحرج من تاريخ البلاد، أن تلعب بالنار، فقد تكون الأكثر تضرراً منها..!!