تشير معظم الدلائل الى أن أهل جنوب السودان سيصوتون بأغلبية كبيرة في يناير 2011م لمصلحة الانفصال عن الشمال، وأن قيادة الحركة الشعبية قد حسمت أمرها بالانحياز إلى خيار الانفصال وقد طاف أمينها العام، باقان موم، أمريكا والدول الأوربية يخطرهم بقرار الحركة، غير المعلن حتى الآن، ويطلب منهم تأييد نتيجة الاستفتاء إذا ما جاءت بالانفصال. ويبدو أن النخبة السياسية والمهنية وقيادة الجيش الشعبي وشباب الجامعات والمدارس الثانوية يؤيدون الانفصال؛ هذا لا يعني غياب تيار الوحدة بين هذه القطاعات ولكنه التيار الأقل عدداً وأضعف صوتاً مع الخشية من إغضاب الحركة صاحبة الصولة والدولة في الجنوب. وما خروج الشباب في مظاهرات بمدن الجنوب في التاسع من كل شهر تؤيد انفصال الجنوب إلا أحد مظاهر التعبئة المبكرة التي ترعاها الحركة الشعبية. وتنبه المؤتمر الوطني متأخراً لخطورة انفصال الجنوب فاندفع في حملة إعلامية من خلال الأجهزة الرسمية تدعو إلى الوحدة، ومحاولة لتنفيذ وعود رئيس الجمهورية أثناء الحملة الانتخابية بإقامة بعض المشاريع التعليمية والتنموية، وتقوية العلاقات بين ولايات التماس العشر بإنشاء طرق وجسور وحفر آبار مياه على طريق مسارات الرحل، وتشجيع منظمات المجتمع المدني للعمل في الجنوب خاصة في المجال الصحي الذي يفيد عامة المواطنين، وإعادة المصارف الإسلامية للعمل في الجنوب بنافذتين تقليدية وإسلامية. ورغم ضيق الوقت المتبقي للاستفتاء وحسم الحركة لقرارها إلا أن كل جهد يصرف من أجل الوحدة ليس بضائع لأنه يصب أيضاً في مصلحة تحسين العلاقات والجوار الحسن والتواصل والتعاون بين دولتين جارتين. وطلب المؤتمر الوطني من الأحزاب الشمالية أن تتكتل معه في الدفاع عن وحدة السودان وبالتالي تتحمل معه مسؤولية الانفصال إذا وقع، وكالعادة فإن المؤتمر الوطني يريد أن يحدث التكتل والمشاركة تحت أجندته الحزبية وشروطه المحددة وتواريخه المقطوعة لكل منشط مهما صغر! ولا أدري ماذا سيكون رد فعل الأحزاب المعارضة التي لم تشرك في كل مراحل التفاوض والتنفيذ لاتفاقية السلام الشامل، ولم تنفذ لها الاتفاقيات التي عقدتها مع الحكومة، ولم يستجب لمطلب لها طيلة السنوات الماضية. ومع ذلك فقضية الوحدة ينبغي أن تقدم على ما سواها إذا ما برهن المؤتمر الوطني على قدر من الجدية في التشاور مع الآخرين والاستماع لهم، وليكن شعارها: من خدعنا في الوطن انخدعنا له!
كثير من الناس في الجنوب والشمال يدعون للانفصال دون أن يدركوا الأبعاد الحقيقية لمخاطر وتداعيات ذلك الانفصال على الشمال والجنوب، وهي مخاطر جمّة ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار بواسطة كل القوى السياسية وأصحاب الرأي في هذا البلد. إن أسوأ السيناريوهات التي يمكن أن تحل بالسودان هو أن يقع انفصال متوتر يؤدي في النهاية إلى نزاع وحرب تتضاءل إزاءها كل تجارب الحرب الأهلية السابقة لأنها ستكون حرباً بين دولتين لكل منهما جيشها النظامي وعتادها الحربي الثقيل وإمكاناتها الاقتصادية وعلاقاتها الخارجية؛ وذلك قياساً على تعقيدات قضايا ما بعد الانفصال «تسمى تهذيباً ما بعد الاستفتاء» التي يتعذر الاتفاق عليها كما يصعب تطبيقها على الأرض حتى بعد أن يتم الاتفاق. ويحسن بالشريكين الحاكمين اتخاذ كل الخطوات والاستعدادات اللازمة حتى لا ينتهي بنا الانفصال المتوقع إلى أسوأ نتيجة ممكنة في تاريخ السودان الحديث من عنف واضطراب وحرب وتمزق في كل من الشمال والجنوب.
فما هي هذه المخاطر التي نخشى منها على السلام والوحدة والاستقرار في السودان؟ نجمل الحديث حول هذه المخاطر تحت المسائل الأمنية والاقتصادية.
المخاطر الأمنية: ترسيم الحدود يشكل أكبر هاجس أمني لأن الدول يمكن أن تحارب ضد بعضها البعض بسبب الحدود أكثر من أي سبب آخر، وقد فشلت لجنة ترسيم الحدود حتى الآن في الاتفاق على 20% من حدود 1/1/1956م مما يعني رفعها إلى قيادة الحزبين لحسمها سياسياً. والحدود ليس أرضاً خلاء ولكنها بشر وأبقار ومزارع وثروات طبيعية، إن قبل الحزبان المساومة عليها فقد لا يقبل سكان الأرض وبعضهم لن يقف مكتوف الأيدي إزاء ما تقرره السلطة الحاكمة في الشمال أو الجنوب. والقنبلة الموقوتة في مسألة الحدود هي منطقة أبيي التي قبل الطرفان فيها حكم هيئة التحكيم الدولية في لاهاي ولكن قبيلة المسيرية رفضت ذلك الحكم بحجة أنه اقتطع حوالي 50% من أراضيها ذات المياه والمراعي الكثيفة التي اعتادت العيش فيها منذ عقود طويلة ثمانية أشهر من كل سنة، وحالياً تقف القبيلة بصلابة ضد ترسيم المنطقة حسب قرار محكمة لاهاي. ومن الناحية الأخرى فإن الحركة الشعبية لا تريد قبيلة المسيرية أن تشترك في استفتاء تقرير مصير المنطقة هل تنضم إلى جنوب كردفان أم إلى ولاية شمال بحر الغزال، وحجتها في ذلك أنهم غير مقيمين في المنطقة. وأعطى قانون استفتاء أبيي سلطة تحديد «المواطن المقيم» الذي يحق له المشاركة في التصويت لمفوضية الاستفتاء التي لم تتكون بعد بسبب الجدل حول عضويتها ورئاستها بين شريكي الاتفاقية لأنها ستبت في هذه المسألة البالغة الأهمية. وقد قال رئيس إدارة أبيي في مؤتمر أويل «14-15 يوليو الماضي» إن هناك حشوداً وتعبئة في أوساط المسيرية والدفاع الشعبي بالمنطقة وإن الشرطة المحلية والقوات المشتركة لن تستطيع حفظ الأمن لو اندلعت اشتباكات بين الجيش الشعبي ومليشيات المسيرية. ومن الأفضل للحكومة والحركة أن تعطيا الفرصة للمجموعتين القبليتين اللتين تعايشتا في هذه المنطقة لعقود طويلة من الزمان أن يصلا إلى معالجة سلمية للمشكلة يرتضيانها ويعتمدها الشريكان فيما بعد.
وقد يشجع الانفصال قيام تمرد مسلح جديد في كل من ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق تقوده عناصر الحركة الشعبية التي جاءت إلى السلطة في الولايتين بقوة السلاح إذا لم تقتنع تلك العناصر بنتيجة المشورة الشعبية التي تضمنتها اتفاقية السلام الشامل نسبة لغلبة عضوية المؤتمر الوطني في مجلسي الولايتين وهما أصحاب القرار في حصيلة المشورة. وسيؤثر الانفصال أيضاً على حركات التمرد في دارفور فيرتفع سقف مطالبها ليشمل تقرير المصير أيضاً، وسيقول البعض إن دارفور كانت مملكة مستقلة لحقب طويلة ولم تنضم إلى السودان الحالي إلا في عام 1916م عندما غزاها الانجليز بأسلحتهم النارية الحديثة.
ومن الناحية الأخرى فإن العنف القبلي الذي ارتفعت وتيرته في الجنوب في الثلاث سنوات الأخيرة بسبب الصراعات التاريخية بين القبائل وسرقة البهائم بين قبيلة وأخرى، هذا العنف مرشح للتصاعد لأن السمة القبلية لأجهزة الدولة النظامية والمدنية ستصبح أكثر وضوحاً واستفزازاً للآخرين. ودخل الحلبة بعض القادة العسكريين السابقين بالجيش الشعبي الذين لم يرتضوا هزيمتهم في الانتخابات الماضية بدعوى أنها مزورة وغير نزيهة، فقاد كل من اللواء جورج أتور وديفيد ياويو وقلواك قاى تمرداً مسلحاً ضد حكومة جوبا في ولايتي جونقلى والوحدة، ولم تستطع حكومة الجنوب أن تخمد تمرد هذه المليشيات عسكرياً أو سياسياً وبدأت تلوم المؤتمر الوطني أنه يقف من وراء تلك المليشيات. وكانت حصيلة الاشتباكات القبلية والعسكرية في عام 2009م حوالي 2500 قتيل و 350,000 نازح هجروا مناطقهم بسبب الحرب الدائرة فيها. وإذا كانت هناك اختلافات عرقية وثقافية بين الشمال والجنوب تدعو الجنوب إلى الانفصال، فإن الجنوب ليس قومية واحدة ولا ثقافة واحدة فهو متعدد العرقيات والثقافات واللغات «اللغة العربية هي اللغة الوحيدة المشتركة بين أهل الجنوب قاطبة». وبعض تلك القبائل تتطلع إلى الخروج من هيمنة قبيلة الدينكا التي تسيطر على أية حكومة إقليمية في الجنوب بحكم حجمها السكاني، وقد سبق لقبائل الاستوائية أن طلبت من الرئيس نميري تقسيم الجنوب إلى ثلاثة أقاليم بعد أن منحته اتفاقية أديس أبابا «1972» حكماً ذاتياً تحت حكومة واحدة، وكانت حجتهم هي سيطرة الدينكا الاستفزازية على مقاليد الأمور حتى في عاصمة الاستوائية الكبرى. وتجاور الاستوائية دولاً إفريقية من الغرب والجنوب والشرق، وتتداخل القبائل بين الاستوائية وبين تلك الدول خاصة مع يوغندا وكينيا، وقد ينزع أهل المنطقة إلى الانضمام لتلك الدول التي تعتبر أكثر استقراراً وتطوراً من جنوب السودان وقد كان في تفكير الإدارة البريطانية أن تضمهم إليها في الثلاثينيات من القرن الماضي.
المخاطر الاقتصادية: لعل أهم هذه المخاطر هو خروج حصة حكومة السودان من عائدات بترول الجنوب الذي يشكل حالياً حوالي 85% من البترول المنتج في السودان، ويبلغ عائده للحكومة الاتحادية حوالي 40% إلى 45% من إيرادات الموازنة العامة، ويشكل البترول «من الجنوب والشمال» المصدر الرئيسي للعملة الصعبة إذ يبلغ حوالي 95% من جملة الصادرات. فإذا خرج البترول من إيرادات الدولة سيصبح الوضع الاقتصادي صعباً للغاية لأن الدولة لا تملك وسيلة لتعويض ذلك المبلغ الكبير، وما ستجنيه من بيع خدمات البترول الموجودة في الشمال للجنوب «الترحيل والتصفية والتخزين وميناء التصدير» لن يغطي ربع العائد المفقود، كما أن شركات البترول التي مولت تأسيس تلك الخدمات لها نصيب في عائدها. والوضع الاقتصادي الحالي رغم عائدات البترول يعاني من ركود في النشاط الاقتصادي وتضخم نتج عنه غلاء في الأسعار وهبوط في سعر العملة المحلية وشح في العملة الأجنبية، وهذه علامة خلل كبير في المعادلة الاقتصادية. وإذا أخذنا في الاعتبار ديون الحكومة الخارجية التي بدأ يحين وقت سدادها «تبلغ مديونية سد مروي وحده حوالي 600 مليون دولار دعك من الديون القديمة التي بلغت 34 مليار دولار» وديونها الداخلية التي شيدت بها الطرق والجسور في العاصمة وخارجها، فإن الوضع الاقتصادي في حالة حرجة يشكل خطورة على استقرار البلاد. وبالإضافة إلى ذلك هناك مستحقات السلام في دارفور وشرق السودان وولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق، وهناك حالة الفقر المدقع التي تعاني منها كثير من الأسر مما دفع بشريحة الطبقة الوسطى والمعاشيين إلى التسول في المساجد والشوارع، وهناك حالة العطالة المتزايدة في أوساط الشباب والخريجين حتى لا يكاد الخريج الجامعي أن يجد وظيفة تناسب دراسته إلا بعد عدة سنوات من التعطل والتسكع أو الاشتغال بالمهن الهامشية. وستؤدي هذه الأوضاع بالضرورة إلى اضطرابات سياسية خاصة إذا ما اقترنت بالفروق الطبقية الواسعة غير المسبوقة، وبالفساد المالي والأخلاقي، وبتعاطي الرشوة مقابل كل عمل في الخدمة المدنية، كما أن التعدي على المال العام أصبح سمة من سمات حكومة الإنقاذ التي لا يعاقب مرتكبها ولو شهد عليه أربعة شهود عدول وأربع عمارات ضخمة في الأحياء الراقية!
وبالنسبة لجنوب السودان فإنه لا يكاد يعتمد على إيرادات أخرى سوى البترول إلا ما تجود به الدول الغربية من معونات محدودة لمشاريع محددة تشرف على تنفيذها بنفسها، ورغم حجم العائدات الضخمة التي تلقتها حكومة الجنوب في السنوات الخمس الماضية «حوالي 40 مليار دولار» إلا أن كثيراً من سكان الجنوب يشكون أنهم لا يرون من الخدمات والتنمية ما يوازي تلك العائدات. ويتهم الكثيرون أن جزءاً كبيراً منها قد ذهب إلى حسابات بعض المتنفذين في الدولة وإلى الصرف الباذخ على الجيش الشعبي وقياداته العليا وإلى الصرف السياسي على أجهزة الحركة الشعبية والعاملين فيها. وبحكم خدمات البترول الموجودة في الشمال فإن حكومة الجنوب ستصبح رهينة لحسن العلاقة مع الشمال لأنها لا تستطيع أن تستغني عن تلك الخدمات ولا تستطيع أن تعوضها بخدمات مع دول الجوار الإفريقي إلا بتكلفة عالية وفي مدة لا تقل عن بضع سنوات. وتحتاج حكومة الجنوب إلى عدة سنوات قبل أن تتمكن من إدارة مرفق البترول بنفسها، ولا بد لها من أن تعتمد على خبراء أجانب من شمال السودان أو من غيره. وبالطبع فإن الانفصال سيعطي الجنوب عوائد أكبر من البترول، ولكن كيف ستصرف تلك العوائد؟ إن نهج الصرف السابق سيؤدي إلى قدر كبير من التوتر والاحتقان خاصة إذا كانت الجهات المستفيدة هي أشخاص بعينهم ينتمون إلى قبائل بعينها يمتلكون النفوذ والسلطة؛ وفي غياب «العدو الشمالي» الذي كان يتهم بعدم الشفافية والتلاعب في أموال البترول سترتد الاتهامات إلى المتنفذين في السلطة الجنوبية. ولن يكون مستغرباً أن تؤدي عائدات البترول إلى اضطرابات سياسية في الجنوب كما سيؤدي انقطاعها إلى اضطرابات في الشمال!