(أرسلت هذه المقالة للصحيفة الإليكترونية المحترمة سودانايل في التاسع من ذي الحجة 1439هجرية تيمنا بيوم عرفة العظيم لعلها تجد الاستجابة الربانية والبشرية. والله ولي التوفيق.)

حسم مجلس شورى الحزب الحاكم أمره في الأيام القليلة الماضية بعد تعبئة داخلية منظمة من القيادة العليا بإعادة ترشيح البشير في انتخابات 2020 ، ولا مانع للحزب من تعديل دستوره ودستور البلد ليحقق أمنية غالية للرئيس بمنحه فرصة أخرى لعله يستطيع أن يفعل ما لم يفعله طيلة السنوات الثلاثين الماضية. لست متفائلاً أن يتغير الرئيس في منهجه الذي درجنا عليه! الجدير بالذكر أن الرئيس البشير لم يلقى منافسة سياسية حقيقية في كل الانتخابات الرئاسية الأربعة التي خاضها: 1996، 2000، 2010، 2015. فقد قاطعت كل الأحزاب والشخصيات السياسية ذات الوزن الجماهيري تلك الانتخابات، لأن المناخ الذي أجريت فيه لم يكن حراً ولا عادلاً ولا نزيهاً، أي لم يكن ديمقراطياً بالمعنى المعروف في المجتمعات الديمقراطية، ولا حتى لدينا قياساً بتجاربنا الديمقراطية الثلاث المتواضعة: (1954-58، 1965-69، 1986-89). كانت تلك التجارب قليلة العدد وقليلة السنوات لكن مناخها التنافسي وإجراءتها التنظيمية ونتائجها كانت مقبولة لكل القوى السياسية السودانية، وعليه ثبت للحكومات التي تمخضت عنها شرعية سياسية كما يتوقعها المحللون السياسيون لمجتمع ديمقراطي في الدول النامية. كما نال البشير فترتين رئاسيتين (كيري) دون انتخابات: الأولى كرئيس لمجلس قيادة ثورة الإنقاذ والثانية نتيجة لاتفاقية السلام الشامل في 2005. حصيلة القول أن الرئيس البشير لم ينل شرعية سياسية من الشعب السوداني قط طيلة سنوات حكمه المديدة، حتى لو سلمنا جدلاً بأنه لقي شرعية قانونية شكلية في الانتخابات الأربعة المشار إليها بحكم أنها كانت مفتوحة لمن يرغب في الترشح، وترشحت بالفعل بعض الشخصيات المغمورة سياسياً وهي تعلم أن مهمتها هي اتمام الديكور السياسي لا غير.

السؤال الذي يشغلني ودعاني لكتابة هذا المقال هو: هل ينال البشير فترة رئاسية سابعة دون من منافسة انتخابية حقيقية (تقوم نفسه)، ودون أن يتدافع معه في الحلقة مرشحون مؤهلون (يتجاذبون معه الحزز)، يصرعونه في بعض المناطق ويصرعهم في أخرى؟ الأحزاب المؤهلة لخوض الانتخابات قاطعتها في الماضي لأسباب موضوعية مفهومة؛ لكن السؤال المهم هل كانت تلك المقاطعة مفيدة لمسار التحول الديمقراطي في البلاد؟ وهل كانت مفيدة للأحزاب نفسها في تواصل قياداتها مع قواعدها، وفي تدريب كوادرها على العملية الانتخابية، وفي تطوير برامجها السياسية وتقوية أجهزتها التنظيمية؟ أحسب أن المقاطعة لا تفيد التحول الديمقراطي ولا الأحزاب المقاطعة لها. الحجة الرئيسة التي يقول بها المقاطعون إن المشاركة في انتخابات محسومة النتائج سلفاً تعطي الحزب الحاكم شرعية سياسية لا يستحقها، وهي حجة لا تخلو من وجاهة ومصداقية لكنها ليست مطلقة وليس في كل الأحوال. مثلاً لقد كسبت الحركة الشعبية في انتخابات 2010 مقاعد نيابية مقدرة في جنوب كردفان والنيل الأزرق وقادت حملة ناجحة في السباق لرئاسة الجمهورية لم تكملها للأسف وذلك بعد منافسة شرسة مع المؤتمر الوطني. وكسب المؤتمر الشعبي بعض المقاعد النيابية في الدائرة النسبية والجغرافية بجنوب دارفور بعد أن حرس صناديق الاقتراع ليلا ونهارا حتى موعد الفرز؛ وكسب المستقلون عدة مقاعد ضد قيادات المؤتمر الوطني في انتخابات 2015 اعتمادا على شعبيتهم المحلية الغالبة بالدوائر الجغرافية. وأحسب أن هامش الحركة والمنافسة سيكون أكبر بكثير في انتخابات 2020 من كل الانتخابات السابقة لأسباب سأذكرها. والأحزاب المقاطعة تعلم جيدا ًأن الحزب الحاكم لا يحفل كثيراً بالشرعية السياسية، فهو قد جاء للسلطة على ظهر دبابة واستمر في السلطة إلى اليوم يقف بجانب دبابته لو دعت لها الحاجة، ولا مانع لديه من الاستعانة بمليشيات قبلية غير منضبطة ضد شباب غض لم يتمتع بطعم الحياة في هذا الواقع المزري. أما المجتمع الغربي الذي يعوّل عليه عادة في رعاية النظام الديمقراطي والدفاع عنه، أصبح يقبل بشرعية الأمر الواقع ويتعامل مع النظام القائم ما لم يهدد مصالحه الحيوية، بل ويطلب من المعارضة أن تتفاعل بإيجابية مع أي قدر يتاح لها من الحريات، وما عاد يموّل منظمات المجتمع المدني الحقوقية إلا بالحد الأدنى الذي يستفيد منه معلومات عن أوضاع البلد لا يستطيع أن يصل إليها أو ليبلغ رسالة خاصة للنظام. أما حقوق الإنسان كما تطرحها المواثيق الدولية فقد أصبحت تباع ضحى في سوق "الله أكبر" لمن يشتري من الحكام المستبدين المستعدين مقابل مصلحة متبادلة مع القوى الدولية المتنفذة.

نخلص إلى القول أن خوض الأحزاب الجماهيرية لانتخابات 2020 مفيد للتحول الديمقراطي وللأحزاب المشاركة نفسها، وهو أفضل من المقاطعة التي تمنح الحزب الحاكم كسباً سهلاً من الجولة الأولى. ونحن نعلم أن الديمقراطية الرشيدة عملية طويلة المدى تتعثر في أحيان كثيرة حسب ثقافة المجتمع الذي تعيش فيه وأوضاعه السياسية والاجتماعية وحكمة النخبة السياسية التي تقوده. ويمكن أن تستوي سفينة الديمقراطية على الجودي في وقت ما إذا استطالت التجربة واستمرت القوى السياسية في تدافعها مع قوى الكبت والاستبداد دون كلل أو ملل. وعليه ندعو في هذا المقال المجموعات الشبابية في كل أنحاء البلاد أن تخوض الانتخابات القادمة في 2020 بمرشح واحد تتفق على تسميته لأن الراجح أن الأحزاب ستقاطع مرة أخرى تلك الانتخابات بذات الحجة ولضعف أحوالها المالية والتنظيمية. وأحسب أن الفرصة هذه المرة سانحة لصرع الحزب الحاكم مهما اصطنع من أحابيل، فهو مثل رئيسه قد دخل مرحلة الشيخوخة ويمر بأضعف حالاته سياسيا وتنظيميا بسبب أدائه الاقتصادي الفاشل وتياراته المتقاطعة وصراعاته الداخلية. يشهد على هذه الحالة أن أول اعلان صدر من الحزب بعد قرار ترشيح البشير هو تهديد عضويته بالويل والثبور إن هي خرجت على قرار مجلس شورى الحزب علانية بأي صورة من الصور! وهناك أسباب أخرى عديدة تعمل ضد فوز البشير بفترة رئاسية جديدة مثل: الضائقة المعيشية غير المسبوقة التي طحنت الطبقة المتوسطة والفقيرة معاً إلى حدٍ يهدد بالانفجار، ومن علامات التخبط وقلة الحيلة لحل تلك الضائقة أن يصرخ والي الخرطوم يستحث عضويته فقط لحل مشكلة "قفة الملاح" التي صنعتها الحكومة بيديها عبر الفساد والهدر وسوء التخطيط. واستشراء الفساد الذي عمّ مؤسسات المركز والولايات دون استثناء حتى ركبت موجته الحكومة نفسها بزوبعة إعلامية تدعي محاربة الفساد دون الجدية المطلوبة التي كانت تتطلب رفع حصانات المسؤولين في الدولة، وتشكيل المفوضية التي نصّ عليها القانون المجاز والتي مهمتها جمع المعلومات وإجراء التحقيقات وتقديم القضايا لجهة الاختصاص المعنية. ولا أحد يصدق أن الوحدة التي شُكلت حديثا تحت مظلة جهاز الأمن ستحقق إنجازاً في هذا المجال لأنها لا تتمتع بالحيدة المطلوبة ولا بالمعرفة القانونية ولا بالخبرة القضائية، وهي بدعة سيئة تخترم مبدأ فصل السلطات وتتعدى على استقلالية القضاء. ويعم الضعف والاضطراب علاقات الحكومة الخارجية التي كان يمكن أن تساهم في تخفيف الأزمة الاقتصادية لو أحسنت الحكومة إدارتها، وذلك رغم مشاركة القوات النظامية بأعداد مقدرة في حرب التحالف السعودي-الإماراتي ضد الحوثيين في اليمن والذين قتل منهم أعداد كثيرة لا تذكرها الحكومة خوفاً من ردود الفعل الشعبي.

لقد ذكرنا في عنوان هذا المقال ثلاثة أسماء محتملين للمنافسة ضد المشير البشير لكنها ليست حصراً عليهم كما سنوضح لاحقا. ولماذا جاء اختيار هذه الأسماء تحديدا؟ السبب الأول أن الساحة السياسية تحتاج إلى تجديد واضح في إدارة الدولة عمّا اعتادت عليه من الزعماء الحاليين والسابقين، بالإضافة إلى الصفات الإيجابية التي تتحلى بها هذه الشخصيات. فهي حسب تقديري تلتزم بالنظام الديمقراطي التعددي والدفاع عن قيمه ومبادئه ومستعدة للتضحية في سبيل ذلك وبما أنها تأتي عن طريق انتخابات ديمقراطية حرة فلا فرصة لها في فرض نظام شمولي، وقد برهنت في عدة مواقف أنها تستطيع أن تواجه الحزب الحاكم لا تأخذها في ذلك لومة لائم، وهي عناصر وسطية معتدلة في خياراتها الفكرية وانتمائها السياسي والتنظيمي، وتستطيع أن تكيف نفسها بسلاسة داخل جبهة عريضة جديدة تضم مكونات عديدة دونما مشكلة، وهذا شرط أساس لفترة سياسية انتقالية ناجحة. وأظن أن هذه الأسماء قريبة إلى حدٍ ما من روح الشباب وجاذبة لهم إلى حد كبير مقارنة بالقيادات الحزبية المعروفة، وأحسب أنها تقبل خوض منافسة انتخابية مع الحزب الحاكم دون مقاومة من قواعدها أو حرج من هزيمة متوقعة. تفاديت ذكر شخصيات فذة مثل الإمام الصادق المهدي أخر رئيس وزراء منتخب رغم كفاءته السياسية والفكرية لأنه زعيم حزب عريق ورئيس تحالف سياسي يشمل تنظيمات مدنية وعسكرية أعلنت رفضها لخوض انتخابات 2020 تحت المناخ الشمولي السائد، ولا يستطيع المهدي أن يتجاوز حزبه أو حلفائه أو يقبل وضعاً متساوياً لهم مع مكونات جديدة متعددة. وقد يكون لكثير من الناس، خاصة من الذين درجوا التصويت للمؤتمر الوطني وأحبطتهم التجارب السابقة خاصة الفترة الأخيرة، تحفظات على حزب الإمام أو تحالفه الحالي.

لقد كتبت في أبريل الماضي رسالة إلى الشباب المستنير أحرضهم على العمل لإحداث التغيير المنشود لأن مستقبلهم يفرض عليهم تغيير الأوضاع البائسة التي يعيشون في ظلها حالياً، وعليه أرجو أن يكون لهم دورا كبيرا في تنفيذ المقترح المطروح لأنه سلمي وقانوني لا يعرضهم لأدنى مساءلة جنائية أو لبطش من الآلية القمعية. المطلوب هو أن تسهم المجموعات الشبابية الكثيرة التي تهتم بالشأن العام في كافة ولايات السودان في مناقشة هذا المقترح، وأن تُدخل عليه ما تشاء من تعديلات هدفها النهائي اختيار مرشح مقبول للشباب يخوض نيابة عنهم انتخابات 2020 ضد المشير البشير. واقترح أن تتولى بعض المجموعات الشبابية، المتنوعة التكوين، في العاصمة المثلثة مناقشة هذا الموضوع ثم التواصل عن طريق الانترنت مع بقية المجموعات في كل ولايات البلاد ومنحهم الفرصة بتقديم أسماء أخرى تصلح للمنافسة الجادة. وأن يجري استفتاءً عام عبر الانترنت حول الأسماء المرشحة للتوصل إلى الشخصية التي تنال أكبر عدد من الأصوات فتحظى بالترشيح النهائي لمنافسة البشير. ولا بأس أن يطلب الشباب اللقاء مع الأسماء المطروحة ويستمعون لأفكارها وبرامجها حول تغيير وإصلاح أوضاع البلد السياسية والاقتصادية والثقافية. بل ويجوز للشباب اقتراح برنامج انتخابي مستعينة ببعض الخبراء، يُعرض على المرشحين ليتم فيه الأخذ والعطاء بين الطرفين. ويلتزم الشباب في كل الولايات ببذل أقصى الجهد لتنظيم حملة انتخابية طوعية لإنجاح المرشح المتفق عليه. ويمكن أن يكّون جسم تنظيمي من الشباب تمثل فيه كل ولايات السودان بقصد المتابعة والمراقبة وتطوير التجربة في المستقبل بعد فوز مستحق إن شاء الله. وبالطبع ليس هناك من ضمان أن تكون الحملة الانتخابية نزيهة وعادلة ولا أن يفوز مرشح الشباب الذي يختارونه؛ ولكن هذه التجربة الفريدة ستهز أركان النظام المهترئ بدرجة غير مسبوقة وربما تكون مقدمة لسقوطه بطريقة أو أخرى في وقت ليس ببعيد، وتمنح في ذات الوقت الشباب المنخرطين فيها خبرة غالية الثمن تعينهم في المشاركة السياسية الواعية في المستقبل. لا أتوقع أن تنخرط معظم المجموعات الشبابية القائمة في هذه التجربة منذ انطلاقها فقد قامت أصلاً لأغراض أخرى متعددة، ولكن بداية التجربة تحتاج إلى عناصر جادة تتمتع برؤية واضحة لمشكلات البلاد المعقدة وبقدر من الجرأة والمغامرة. قال برنارد شو، الكاتب الإيرلندي الذائع الصيت، في روايته المشهورة (عربة التفاح): الشخص المعقول هو الذي يكيف نفسه على وضع مجتمعه، والشخص غير المعقول هو الذي يريد أن يكيف مجتمعه على رؤيته الذاتية، لذلك فإن كل تطور يطرأ على البشرية يأتي من الأشخاص غير المعقولين! أليس بين شباب أهل السودان أشخاص غير معقولين؟

(أرسلت هذه المقالة للصحيفة الإليكترونية المحترمة سودانايل في التاسع من ذي الحجة 1439هجرية تيمنا بيوم عرفة العظيم لعلها تجد الاستجابة الربانية والبشرية. والله ولي التوفيق.)

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////////////////