يمر العالم الغربي بأزمة أمنية وسياسية واقتصادية هي الأكبر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بعد مجئ الرئيس دونالد ترمب لرئاسة الولايات المتحدة الأمريكية مستنداً على قاعدة عنصرية دينية وبروليتارية بيضاء، تتجمع لأول مرة حول رئيس أميٍ بالسياسة ومن خارج نخبتها المعروفة وجرئ في اتخاذ القرار. وهو يستطيع بقاعدته الجماهيرية المقدرة (حوالي 30% من الناخبين) أن يهدد معظم زملائه أعضاء الكونجرس الجمهوريين بالوقوف ضدهم في الانتخابات النصفية القادمة إن هم تخلوا عن تأييد الكثير من قراراته الرعناء ضد الأقليات غير البيضاء وغير المسيحية، وضد حلفاء أمريكا السابقين في أوربا وكندا والمكسيك واليابان، وضد اتفاقية البرنامج النووي الإيراني. ويبدو أن التطورات القادمة ستؤدي إلى فجوة أوسع بين أمريكا وحلفائها القدامى بحسب المواقف المتناقضة من اتفاقية البرنامج النووي الإيراني، واتفاقية تغيير المناخ، والجمارك الأمريكية الجديدة على واردات الصلب والألمونيوم من أوربا وكندا والصين وغيرها حماية للصناعة الأمريكية، مما يشكل خرقا صريحا لاتفاقية التجارة الدولية. وتجلى هذا الخلاف بصورة قوية في اجتماع الدول الصناعية الكبرى (ألمانيا، فرنسا، اليابان، المملكة المتحدة، إيطاليا، كندا، الولايات المتحدة) بكندا في الأسبوع الماضي الذي دار فيه النقاش ساخناً حول تلك القضايا خاصة التجارية. كان الرئيس ترمب أخر من حضر للاجتماع بعد بدايته وأول من غادره قبل نهايته، وكانت مواقفة ناشزة مقارنة مع بقية دول المجموعة، ورغم موافقته على مسودة البيان النهائي إلا أنه تراجع عن ذلك وطلب من مساعديه سحب التوقيع الأمريكي عليه وهو ما زال على الطائرة التي تقله عائدا لبلده، وكان ذلك احتجاجاً انفعالياً منه على تصريح قال به رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو المستضيف للاجتماع.

أصر ترمب في الاجتماع على موقفه بإنفاذ زيادة التعريفة الجمركية، وهدد بإجراءات عقابية شديدة إذا قامت الدول المتضررة بزيادة الجمارك على البضائع الأمريكية، وذلك ما وعدت به تلك الدول قريباً. ورفضت بقية الدول الست طلب ترمب الغريب بإعادة روسيا لمجموعة السبعة بعد أن أبعدت عنها بسبب اعتدائها على أكرانيا في 2014. وشكل الموقف من الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، (ما عاد مناسبا أن يقال الصراع العربي-الإسرائيلي بعد أن تكشفت الأغطية وظهرت العلاقات السرية بين بعض الدول العربية وإسرائيل للعلن)، بين أوربا وأمريكا الذي ظهر جليا في تصويت مجلس الأمن حين وقفت أمريكا معزولة وحيدة بين كل أعضاء المجلس في قضايا الاستيطان اليهودي، والاعتراف بضم القدس الشرقية لإسرائيل بترحيل السفارة الأمريكية إليها، وبعدم حماية الفلسطينيين من اعتداءات جيش الاحتلال الصهيوني ضد المتظاهرين السلميين على حدود غزة.
وعندما انتقلت المعركة إلى الجمعية العمومية لقي اقتراح حماية الفلسطينيين 120 صوتا مقابل 8 أصوات لأمريكا وإسرائيل وأستراليا وبعض الجزر المجهولة، وسقطت كل التعديلات الأمريكية لتخفيف القرار. ويبدو أن الخلاف بين أوربا وأمريكا مرشح لتطور أكثر حدة بعد أن أصبحت القضية الأساسية هي المصالح الاقتصادية المتناقضة بين الطرفين مما يقع في لب المنافسة الانتخابية بين الأحزاب الأوربية التقليدية والحركات الشعبوية الصاعدة، بل قد ينذر هذا الخلاف الحيوي بحرب تجارية قادمة بين ساحلي الأطلسي. وفي ذات الوقت تقاربت الشقة بين أوربا من جهة وبين روسيا والصين والهند واليابان الذين يؤيدون بقوة استمرارية الاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية تغيير المناخ، والالتزام بقواعد اتفاقية التجارة الدولية كما ظهر ذلك في اجتماع قمة منظمة شنغهاي للتعاون الذي انعقد بالصين في الأيام الفائتة، ودُعيت له إيران كضيف شرف وعضو مراقب لتطمينها بتأييد الصين وروسيا ودعمها للاتفاق النووي. وافتعل ترمب حرباً تجارية ضد الصين بزيادة الجمارك على بضائعها بمبلغ 50 بليون دولار فردت الصين فورا المعاملة بالمثل بزيادة جمارك البضائع الأمريكية بذات القدر، مما يهدد بركود بيع تلك البضائع في السوق الصينية. وقد تتطور الحرب التجارية التي بدأ يشعلها ترمب في اتجاهات مختلفة بغرض تحقيق شعاره الانتخابي "أمريكا أولاً" إلى تكتلات اقتصادية متعددة ضد أمريكا مما ينذر بحدوث أزمة اقتصادية عالمية تتسم بالركود والحمائية المحلية والفوضى في الأسواق العالمية، وقد تنتقل تلك الحرب الشعواء من حالة اقتصادية إلى حالة سياسية يصعب التكهن بنتائجها المزلزلة على العالم.

ويعاني الرئيس ترمب من مشاكل أخرى عديدة داخل أمريكا بل وداخل الحزب الجمهوري الذي يرفض الكثير من سياساته الخرقاء، وعلى رأس تلك المشكلات تحقيقات روبرت مولر حول تدخل روسيا في الانتخابات الرئاسية الأمريكية لمصلحة ترمب في خرق فاضح للقوانين الأمريكية. وأثبتت التحقيقات حتى الآن التدخل الروسي عن طريق اختراقات اليكترونية للحملة الانتخابية وبدخول مواطنين روس بجوازات مزورة إلى أمريكا حتى يسهل التأثير على الانتخابات من الداخل، ومشاركة عدد من كبار المسؤولين في حملة ترمب الانتخابية مع جهات روسية وإمارتية وسعودية في مؤامرة التأثير على نتيجة الانتخابات وتكوين الحكومة الجديدة، وفي الأيام الأخيرة اتضح أن تدخل الإمارات والسعودية في الانتخابات كان أكثر وضوحا وله شهود من بعض المسؤولين داخل حملة ترمب الانتخابية، وتعاون عدد من مساعدي ترمب في الانتخابات مع المحقق مولر، ولم يجد ترمب تأييدا داخل حزبه ليقوم بفصل روبرت مولر من تكملة التحقيقات التي بدأت تقترب منه شخصياً ومن أفراد عائلته. والمشهد العالمي العام يشير إلى تمحور جديد بين الدول الكبرى، يجعل أمريكا تحت قيادة الرئيس ترمب تقف معزولة من حلفائها القدامى في أوربا وأمريكا اللاتينية في حين تسعى أوربا للتنسيق مع روسيا والصين لمواجهة العقوبات التجارية الأمريكية ولمعالجة بعض القضايا التي تؤثر على الأمن والسلام في العالم مثل البرنامج النووي الإيراني والأوضاع المضطربة في سوريا واليمن وليبيا وفلسطين، ولن تصبح أمريكا الآمرة الناهية في حل مشكلات العالم!

ومن الناحية الأخرى شهد العالم العربي أزمات مركبة لا مثيلة لها، على رأسها ردة الفعل العنيفة والمتوترة التي جاءت عقب انتفاضات الربيع العربي ضد الحكومات الاستبدادية الشمولية التي نجحت في قمعها بالقوة المفرطة وافشال مشروع التغيير الديمقراطي المنشود الذي طال انتظاره في العالم العربي. ويكفي الربيع العربي نجاحا أنه كسر حاجز الخوف من السلطة في العديد من المجتمعات العربية مما يشير إلى أن التجربة قابلة للتكرار بعد زمن لا أحسبه طويلاً وقد تعلم شباب الثورة من تجربتهم المجهضة بعض الدروس القاسية والمفيدة. وكانت الأزمة الأخرى هي تولي الرئيس ترمب رئاسة الولايات المتحدة وزيارته الأولى المشهورة التي قام بها للرياض بدعوة من العاهل السعودي لحبك مؤامرة كبرى ضد إيران وقطر وفلسطين، وبما أن ترمب رجل أعمال ناجح فقد شرع في وضع سياساته الداخلية والخارجية على أساس عائداتها التجارية والاقتصادية، فلم يجد حرجاً في التعاطي مع دول النفط في السعودية والإمارات بلغة المال القحة دون تبريرات سياسية أو فكرية أو أخلاقية. وبدأت نتائج المؤامرة غير المتوقعة في سلوك القيادة الملكية الجديدة في السعودية إذ انقضت على بقية أفراد العائلة المالكة إلى درجة سجنهم ومصادرة أموالهم وإبعادهم عن مواقع القيادة في الدولة. واختارت تلك القيادة أن تنقلب على تاريخها ومواقفها الوطنية السابقة وتقبل خطة التطبيع مع إسرائيل الذي انتهجتها دولة أبو ظبي سراً منذ فترة تقرباً منها لأمريكا سيدة العالم التي يمكن أن تحميها مما تتوقعه من مخاطر داخلية أو خارجية. ويتطلب ذلك الخط المرفوض شعبياً في كلا الدولتين وفي العالم العربي والإسلامي عامة أن يُجرّم الربيع العربي وتطلعاته للحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان حتى في ذلك فلسطين المحتلة، وأن يُكبت المعارضون في الداخل خاصة التيارات الإسلامية التي وقفت بقوة ضد الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية، وضد ما يسمى حالياً "بصفقة القرن" التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية بكاملها، الأرض والقدس والمسجد الأقصى وعودة اللاجئين والمستوطنات التي ملأت معظم أنحاء الضفة الغربية.

الغريب في الأمر أن حب المنافسة والصيت هو الذي حفّز حكومة أبوظبي أن تتطلع لتكون دولة قائدة في الجزيرة العربية بل وفي العالم العربي؛ ومن أجل أن تصبح دولة عظمى في المنطقة سعت بقوة لشراء التأييد الأمريكي وامتلاك الأسلحة الفتاكة، وبناء القواعد العسكرية في ساحل اليمن الجنوبي والغربي للبحر الأحمر، وتأجير المليشيات المرتزقة من الدول الساحلية الفقيرة مثل ارتريا وجيبوتي والصومال واليمن ليحاربوا نيابة عنها وتحت قيادتها. وتنسى أبوظبي أنه مهما بلغ ثراؤها المالي من النفط والتجارة فإن عدد مواطنيها لا يزيد عن نصف مليون نسمة، أي واحد على عشرين من سكان عاصمة عربية واحدة مثل القاهرة، ولا يمكن لهذا العدد المتواضع من المواطنين أن يجعل منها دولة قائدة مهما تفعل لتناطح سحاب الشهرة. ولتجد أبوظبي مناصرة لخطها السياسي، غير المقبول شعبياً، جندت السعودية لجانبها، وسعت لتغيير الأسرة الحاكمة في قطر التي يبدو أنها مانعت خط التطبيع الذي تريده أبوظبي والسعودية كما يتضح ذلك من المواد والبرامج التي تبثها قناتها الفضائية الأشهر "الجزيرة". ولما تعذر سيناريو تغيير النظام الحاكم لجأت أبو ظبي والسعودية لمحاصرة قطر براً وجواً وبحراً، وقطع كل علاقة معها اقتصادية أو دبلوماسية أو شعبية لمدة عام كامل يزداد مع الأيام، بل حاولت تجنيد دول أخرى افريقية وعربية لاتباع نهج الحصار مع قطر.
وابتعدت كل من سلطنة عُمان والكويت عن ذلك الموقف النشاز، وحشرت مصر نفسها في الصراع الخليجي لسبب اقتصادي في المقام الأول ولتوافقها مع هدف تصفية القضية الفلسطينية، ولقيادتها ترسيخ ركائز الدولة البوليسية الشمولية في كل المنطقة العربية حتى لا يصلها فيروس الحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان المعدي. وأحسب أن الدول العربية الكبرى مثل مصر والسعودية وربما العراق قد فقدت حقها التاريخي في قيادة العالم الإسلامي وآن لها أن تسلم راية القيادة لبعض الدول الإسلامية غير العربية، مثل تركيا وإيران وأندونيسيا وماليزيا، التي تتمتع بقدر من الحرية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة والاستقرار السياسي، وأهم من ذلك الشعور بالعزة والاستعداد للتضحية بالنفس والمال من أجل الحفاظ على الهوية الإسلامية.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.