تأسست الكنيسة الإنجيلية المشيخية في الخرطوم حين أرسلت الكنيسة الأم في القاهرة القس جبرا حنا في عام 1901 ليبدأ العمل المشيخي في السودان، وشيدت أول كنيسة مشيخية لهم في الخرطوم عام 1911. تقوم الكنيسة حسب تقاليدها العريقة بوظائف التعليم، والإدارة، والخدمة الدياكونية (أي الدنيوية لمساعدة المحتاجين). تعتمد الكنيسة المشيخية أساساً على مرجعية الكتاب المقدس، كما يعتمد نظامها على الجمعيات العمومية لمجالس الشيوخ في إدارة شؤونها فى مستوياتها المختلفة، وهي من أكثر الكنائس الشرقية والغربية ديمقراطية وتبادلاً للسلطة بصورة دورية عن طريق الانتخابات بحضور كل عضويتها في المنطقة المعنية. وتتولى قيادتها ثلاث إدارات هي: مجلس الكنيسة الذي يضم كل التابعين لها في منطقتها، ثم المجمع الذي يضم عدداً من الكنائس في منطقة جغرافية إدارية (توجد في السودان ثلاث مجامع في أقاليم السودان المختلفة) ثم المجمع الأعلى (ويسمى السنودس الانجيلى المشيخى) وهو الهيئة العليا لإدارة شؤون الكنيسة الإنجيلية وتتكون الجمعية العمومية للسنودس من قساوسة الكنيسة بالاضافة إلى تمثيل للشيوخ المنتدبين عن كل مجلس من مجالس الكنيسة. يعمل السنودس على توجيه المجامع والكنائس في الجوانب الروحية، وله القول الفصل في قانونية الإجراءات وتعديل الدستور وتفسيره، وله في ذات الوقت الحق في الامتلاك والبيع والشراء وقبول الهبات والوصايا (أي أنه يمارس السلطة الدينية والقانونية والإدارية).ويتمتع بممارسة السلطات الخاصة بالإمتلاك والبيع والشراء وقبول الهبات والوصايا بواسطة مجلس الطائفة الانجيلية ولكن بعد موافقة الجمعيات العمومية للسنودس والجمعية العمومية لمجلس الطائفة نفسها. ويحكم الكنيسة الإنجيلية المشيخية وثيقتان نظام وسياسة الكنيسة الانجيلية بالسودان وهو دستور الكنيسة بجانب قانون مجلس الطائفة الانجيلية بالسودان المنبثق عن الدستور. ويحتكم أعضاء الكنيسة في كل أمورهم الدينية والإدارية لهاتين الوثيقتين بصورة صارمة تحت إشراف السنودس. وهذا تحديدا ما انتهكته وزارة الارشاد والأوقاف في التعامل مع قضية الكنيسة الانجلية المشيخية في السودان بغير تفويض من قانون أو دستور في البلاد، بل وبتجاهل تام لأحكام القضاء السوداني!

بما أن الكنيسة الانجيلية المشيخية تمتلك مساحات واسعة في الخرطوم وأمدرمان وبحري داخل كنائسها ومدارسها ومنازلها منذ الربع الأول من القرن العشرين، فقد سعت اللجان التنفيذية لمجلس الطائفة قبل انفصال الجنوب في إستغلال هذه المساحات للاستثمار والإيجار حتى تدر دخلاً يعين الكنيسة على تدبير أمورها وتنفيذ أنشطتها المتنوعة. وما أن أعلنت عن تلك الخطة حتى أقبل عليها بعض السماسرة والتجار (ممن يعرفون من أين تؤكل الكتف) يعرضون مبالغ ضخمة مقابل إيجار تلك المواقع المتميزة الواسعة، في وسط مدن الخرطوم وأمدرمان وبحري والتي تصلح لتشييد العمارات والأبراج العالية، لسنوات طويلة. وبعد انفصال الجنوب وخروج الأعضاء الجنوبيين من الكنيسة كان لا بد من إنتخاب قيادات جديدة حصراً على المواطنين حاملي الجنسية السودانية. قامت الجمعيات العمومية بتوافق تام وبحضور مندوبي إدارة شؤون الكنائس بوزارة الإرشاد بانتخاب جميع اللجان التنفيذية الدستورية للسنودس في أبريل 2012، حيث آلت رئاسة الطائفة للمهندس رأفت سمير ورئاسة المجمع للقس داؤود فضل ورئاسة السنودس للقس يحي عبد الرحيم نالو وهي اللجان الشرعية المنتخبة بصورة قانونية إلى يومنا هذا، كما حكم بذلك القضاء السوداني. اكتشفت اللجنة التنفيذية المنتخبة الجديدة أن معظم الأموال التي دُفعت لإيجار أراضي الكنيسة لسنوات عديدة لم تدخل في حسابات الطائفة، فدخلت في محادثات طويلة مع أعضاء اللجنة القديمة علها تستطيع حل المشكلة بالحسنى داخل رواق الكنيسة حسب قوانينها الداخلية إلا أنها فشلت في ذلك ووجدت اللجنة نفسها مضطرة أن تلجأ للقضاء. ولكن الطرف الآخر لم يلتزم الصمت وينتظر حكم القضاء فهو يمتلك سنداً من بعض السماسرة المتنفذين بعلاقاتهم الكثيفة وتأييدا من إدارة شؤون الكنائس بوزارة الإرشاد والأوقاف، فسعى متآزرا مع هؤلاء لإحداث إنقلاب داخلي يتولي بموجبه إدارة الكنيسة بكافة السبل الممكنة! وقد نجح الإنقلابيون حتى الآن في السيطرة على إدارة الكنيسة المشيخية بمساندة قوية من إدارة شؤون الكنائس داخل وزارة الإرشاد والأوقاف رغم أن القضاء السوداني حكم لمصلحة اللجنة المنتخبة ضد وزارة الإرشاد ثم ضد اللجنة الإنقلابية في كل مستويات التقاضي، بدءاً من المحكمة الابتدائية إلى الاستئناف إلى المحكمة القومية العليا ثم إلى المحكمة الدستورية. ويتفهم المرء أن تدافع الإدارة الإنقلابية عن مصالحها المادية الذاتية بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، ولكن السؤال الحارق هو: لماذا وقفت إدارة الكنائس الرسمية ووزارة الإرشاد والأوقاف مع تلك الإدارة غير الشرعية والمتهمة بالفساد مما جلب على الحكومة مسآءلة رسمية من الإدارة الأمريكية على لسان نائب وزير الخارجية الأمريكي الذي زار البلاد مؤخراً! ولماذا يقف وزير الإرشاد والأوقاف مكتوف اليدين أمام قضية واضحة وضوح الشمس تسندها أحكام قضائية في كل درجات التقاضي السوداني؟! ونوضح فيما يلي كيف حدث ذلك السيناريو العجيب.

1. كونت وزارة الإرشاد بداية لجنة وساطة بين الطرفين في الكنيسة من داخل الوزارة، ومن بعدها شكلت لجنة مؤقتة هي اللجنة القديمة المتهومة بالفساد لإدارة الكنيسة وتعطيل كل الهيئات المنتخبة. ووجهت إدارة شؤون الكنائس مدير شرطة الخرطوم في 18/6/2013 بتمكين اللجنة المؤقتة من إدارة الكنيسة وتسلم مكاتبها بالقوة الجبرية كما أرسلت ذات التوجيه لشرطة محلية أمدرمان. وفعلت الشرطة ما هو مطلوب منهم بكسر الأقفال وحصر الممتلكات وتسليمها للجنة المؤقتة.

2. طعنت اللجنة الشرعية للكنيسة الانجيلية المشيخية في قرار وزارة الإرشاد، فأصدر قاضي محكمة الاستئناف بالخرطوم في 5/8/2013 حكمه الموجه لوكيل وزارة الإرشاد بوقف قرار تكوين اللجنة المؤقتة لإدارة الكنيسة إلى حين البت في الطعن. ورغم القرار القضائي بوقف اللجنة المؤقتة خاطبت إدارة شؤون الكنائس في 22/8/2013 مدير عام شرطة الخرطوم بأن وقف اللجنة المؤقتة لا يعني تسليم الكنيسة لأي جهة (يعني اللجنة المنتخبة الطاعنة في القرار)، وأن إدارة الكنيسة ستكون تحت إدارة لجنة الوساطة التابعة لوزارة الإرشاد!

3. وتماديا في خطها المتحيز قررت وزارة الإرشاد في 8/10/2013 تعيين أشخاص لإدارة الكنيسة هم ذات اللجنة القديمة ووقع على القرار مدير إدارة شؤون الكنائس، وتظلمت اللجنة الشرعية من هذا القرار غير القانوني لوكيل وزارة الارشاد ثم لوزير الإرشاد دون أن يكلف أي منهما نفسه بالرد على صاحبة التظلم. وطعنت اللجنة الشرعية مرة ثانية في قرار الوزارة بتعيين أشخاص لإدارة الكنيسة وتعطيل عمل اللجنة المنتخبة. فحكم قاضي الاستئناف في 5/1/ 2015 بنقض القرار السابق وخاطب وزارة الإرشاد بتمكين اللجنة الطاعنة (وهي اللجنة الشرعية) برئاسة رأفت سمير مسعد رئيس مجلس الطائفة الانجيلية لحين الفصل في الطلب. ورغم حكم قاضي الاستئناف كتب مدير إدارة شؤون الكنائس في 3/3/2015 إلى قاضي الدرجة الأولى بحري يخطره أن الأشخاص الطبيعيين الذين يمثلون مجلس الطائفة الإنجيلية هم القس حمد محمد صالح وعمر علي جابر (وهم ذات اللجنة المؤقتة والأشخاص الطبيعيين الذين عينتهم إدارة شؤون الكنائس من قبل!) مما يعني تجاهل الحكم القضائي المذكور الذي يرقى إلى تهمة الإساءة إلى المحكمة المعنية.

4. وأصدرت محكمة الاستئناف بالخرطوم حكماً مفصلاً ضد وزارة الإرشاد في 31/8/2015 ورد فيه: إن قرار مدير إدارة شؤون الكنائس بتشكيل لجنة لإدارة مؤسسات الكنيسة الإنجيلية جاء معيباً لعدم الاختصاص فليس من اختصاصه التدخل في إدارة الكنيسة وتكوين إدارة بديلة، كما جاء مخالفاً لقانون ودستور الكنيسة الإنجيلية الذي حدد كيفية اختيار إدارة الكنيسة والإجراءات اللازمة لها، والثابت أن الإدارة الشرعية التي انتخبت في أبريل 2012 مارست عملها حتى يونيو 2013 حيث تم إخراجها بالقوة الجبرية بواسطة الشرطة بطلب من وزارة الإرشاد. وقال القاضي: لقد وقفت بدهشة على وقوف الإدارة المطعون ضدها (إدارة شؤون الكنائس) إلى جانب الطاعنين (اللجنة القديمة المتهومة) رغم حضورها في الجمعيات العمومية التي جاءت باللجنة المنتخبة، وكل اللجان المشكلة لاحقا (من قبل إدارة الكنائس) جاءت من الأشخاص الطاعنين! وقد أقر المفوض القانوني عن وزارة الإرشاد المطعون ضدها أمام القاضي بأنه بخلاف توجيهات الوزير لا يوجد نص في قانون أو لائحة يبرر لي اصدار القرار المطعون فيه! وأنهى قاضي الاستئناف حيثيات حكمه بإبطال القرار الصادر من وزارة الأوقاف بتعيين أشخاص لإدارة أمور الكنيسة غير اللجنة المنتخبة.

5. بعد أن أبطل القضاء قرارات إدارة شؤون الكنائس تولت اللجنة الانقلابية التي سمحت لها وزارة الإرشاد بعقد جمعيات غير قانونية تحت حراسة الشرطة تصعيد الشكوى إلى المحكمة القومية العليا تطلب مراجعتها لقرار الاستئناف. قررت المحكمة القومية العليا في 21/5/2016 شطب طلب المراجعة وإعادة الأوراق لمحكمة الاستئناف.

6. أصرت اللجنة الانقلابية المحكوم ضدها في محكمة الاستئناف وفي المحكمة القومية العليا رفع ذات القضية إلى المحكمة الدستورية التي أصدرت حكمها في 15/11/2016 بشطب الدعوى لعدم وجود حق أنتهك أو عدم عدالة المحاكمة.

7. وبعد كل هذه الأحكام الناصعة من القضاء السوداني في كل مستوياته يكتب مدير إدارة شؤون الكنائس في 3/4/2017 إلى وكيل نيابة بحري المدنية بأن المسؤول الشرعي عن مجلس الطائفة الإنجيلية هم: القس حمد محمد صالح وفيلب عبد المسيح وأيمن نور الله (ذات اللجنة الانقلابية المتهومة بالفساد)، أي ما زالت إدارة شؤون الكنائس تمارس غيها القديم مع سبق الإصرار!

8. وما زالت اللجنة الشرعية المنتخبة المؤيدة بأحكام القضاء تخوض معركة مدنية جديدة ضد اللجنة الانقلابية التي مكنتها إدارة شؤون الكنائس بالقوة الجبرية من تولي إدارة الكنيسة الانجيلية المشيخية، وما زالت تحميها!

9. وأخيراً لجأت اللجنة الشرعية المحاصرة والمظلومة إلى سعادة الفريق أول بكري حسن صالح رئيس مجلس الوزراء القومي بتاريخ 6/4/2017 تستنجد به من هذا الظلم الشنيع الذي وقع عليها عمداً ومع سبق الإصرار من وزارة الإرشاد والأوقاف التي تقع تحت مسؤولية مجلس وزرائه. وتطالب القيادة الشرعية والمنتخبة للكنيسة الانجيلية المشيخية وشعبها بتطبيق أحكام القضاء والتى فصلت فى النزاع فى مراحله المختلفة.

10. وأخيرا أتسآل بصفتي سودانياً تهمني مصلحة هذا البلد خاصة في مجال الحريات وحقوق الإنسان: كيف تخاطب الحكومة المجتمع الدولي بأن الأقليات الدينية في السودان تتمتع بحرية واسعة تحت حكم القانون والدستور إن جاز لها أن تسمح لأحد أجهزتها المسؤولة عن حماية الأقليات الدينية ممارسة مثل هذا العبث الشائن الذي استمر لعدة سنوات؟


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.