في مارس 2014 سحبت كل من السعودية والإمارات والبحرين سفرائها من دولة قطر، وذلك بسبب تعاطف قطر مع الانتفاضات الشعبية التي هبت عام 2011م في كل من تونس ومصر وليبيا وسوريا واليمن، وقد نجحت تلك الانتفاضات في اقتلاع الأنظمة القمعية في تونس ومصر ودخلت البلاد الأخرى في حروب أهلية ما زالت مستعرة بين دعاة التغيير ومناصري الأنظمة القمعية. وانعشت رياح الربيع العربي روح النخب المتعلمة والمهمشة في الممالك الثلاث فهبت تطالب بالإصلاح لنظم القرون الوسطى رغم القبضة الأمنية المتحكمة. انتفض الشيعة المهمشين في المنطقة الشرقية بالسعودية في شكل مظاهرات واسعة النطاق، وتحرك شيعة البحرين وهم أغلبية السكان بقوة هزت عرش الملك حمد بن عيسى آل خليفة، وتداعى في الإمارات 133 من الأكاديميين والحقوقيين لرفع مذكرة تطالب بإجراء انتخابات مباشرة للمجلس الوطني الاتحادي ومنحه صلاحيات تشريعية، فتصدت الأنظمة الحاكمة لتلك الهبة بالأساليب الأمنية المعهودة من اعتقالات وتشريد وتفريق للتظاهرات بالقوة.
ولا تخلو علاقة هذه الدول مع قطر من منافسة مستترة كسبتها قطر في عدة مجالات. تميزت قطر بأول مجلس بلدي ينتخب بعض أعضائه منذ 1963، والذي تطور إلى المجلس البلدي المركزي الذي ينتخب كل أعضائه بالاقتراع السري وتشترك فيه النساء مرشحات وناخبات، وتصنف قطر بأنها الأكثر تقدما في مجال التنمية البشرية ويتمتع مواطنوها بأعلى دخل للفرد في العالم، ونالت حق استضافة مباريات كأس العالم لكرة القدم في 2022 متفوقة بمشروعها حتى على الولايات المتحدة الأمريكية فأصبحت أول دولة عربية تنال هذا السبق، وأعلنت شركة قطر للطيران الأولى لهذا العام. واشتهرت قطر بتأسيسها لقناة الجزيرة الفضائية التي فاقت كل القنوات العربية وأصبحت تنافس القنوات العالمية لما تميزت به من مهنية عالية وحرية واستقلالية. ودأبت دول الخليج في كل اجتماع لمجلس التعاون على الشكوى من تلك القناة الحرة، وتلعب قطر دورا على الساحة الدولية أكبر من مثيلاتها الخليجيات مما يثير عليها الغيرة والحسد. وترتبط قطر بعلاقات قوية مع دول لها نفوذها في العالم مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وتركيا وأثيوبيا وجنوب إفريقيا، فهي لا تقف وحيدة حتى تُبتلع بين يوم وليلة.
الغريب في الأزمة الحالية أن الدول الثلاث التي أعلنت فجأة في الخامس من يونيو، عقب اجتماعها مع ترمب، محاصرة قطر بعقوبات غير مسبوقة في العلاقات الدولية: سحب سفرائها من قطر وطرد سفراء قطر من بلادها، وسحب مواطنيها وطرد القطريين في ظرف أسبوعين، وقطع العلاقات التجارية والاقتصادية، وقفل ممراتها الجوية والبحرية والبرية في وجه الناقلات القطرية. أي أنها استنفدت كل العقوبات ولم تستبق إلا الغزو العسكري! وهذا ما لم تفعله مع إسرائيل ولا مع إيران. وتبعت الدول الثلاث دول أخرى مثل مصر واليمن وموريتانيا بسبب التبعية والإغراء والابتزاز. ويبدو أن الشخصيات المتنفذة التي اقترحت هذه الإجراءات العنيفة ضد قطر، هما ولي عهد أبو ظبي وحاكمها الفعلي محمد بن زايد وولي ولي العهد (سابقاً) الأمير محمد بن سلمان اللذان يختصان بعلاقة جيدة بينهما. فلا يعقل أن يقدم الملك سلمان في عمره وخبرته، على إجراءات عنيفة غير مسبوقة ضد دولة شقيقة يحكمها من هو في عمر أبنائه. وبدت الإجراءات فطيرة وغير مدروسة لأن المطالب وحيثياتها كانت غير معدة، وفات عليهم أن العالم كله سيسأل: ما هي جرائم قطر حتى تستحق كل هذه العقوبات؟ ربما ظنوا أن مجرد الضوء الأخضر من الرئيس الهاوي ترمب كافٍ ليمنح هذه العقوبات الشاذة شرعية دولية تجعلها قابلة للتنفيذ فوراً، وتضطر قطر بعدها أن تجثو على ركبتيها وتعلن التوبة والاستسلام. ونسوا أن التدافع سنة ربانية كونية "ولو لا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الدنيا". وجاء السؤال عن المطالب "الواقعية والقابلة للتنفيذ" التي تريدها السعودية والإمارات من الحليف الأول الذي تستند عليه تلك الدول، وبلسان سكرتير الخارجية في البيت الأبيض.
وبعد ثلاثة أسابيع خرجت الدول الأربع بقائمة هزيلة من 13 مطلبا أهمها: إغلاق قناة الجزيرة، تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع إيران، وقف إقامة قاعدة تركية عسكرية في قطر، إعلان قطع العلاقات مع منظمات إرهابية، تسليم الأشخاص المدرجين على قائمة الإرهاب والمتواجدين في قطر، تعويض الدول المتضررة من سياسات قطر. سُلمت المطالب عن طريق دولة الكويت وأمهلت الدول الأربع قطر 10 أيام فقط لتنفيذ شروط الإذعان أو تصبح لاغية، وكأنها تنوي اتخاذ خطوة أكبر إذا لم يتم التنفيذ! وأحسب أن الدول المحاصرة بالغت كثيراً في خطورة عقوباتها، وفي قوتها الذاتية، وفي مساندة الولايات المتحدة لها في هذا الموقف الشاذ. استطاعت قطر في أيام قليلة أن تحول وارداتها السلعية من السعودية والإمارات إلى تركيا وإيران، وبدلاً من تخفيض علاقتها بإيران دفعها التهديد لتقوية العلاقات مما أقلق حليفتهم الولايات المتحدة، واكتسبت القاعدة العسكرية التركية وجاهة أكثر إذا خطر ببال أي من الدول المحاصرة ارتكاب حماقة في حق قطر. أما قائمة الإرهاب المدعاة فتضم 59 شخصا و12 تنظيماً معظمها لم يُعرف بالإرهاب أو يُوضع في قوائم الأمم المتحدة. ضمت الشخصيات 17 قطريا و26 مصرياً وضمت التنظيمات 5 قطرية و 6 بحرينية مما يدل على أن الدول المحاصرة لها النصيب الأكبر في تربية الإرهاب الذي نشأ في سجونها وتحت نظامها القمعي. وأثبتت الحوادث التي وقعت في الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتلك التي وقعت في داخل السعودية أن معظم مرتكبي تلك الحوادث سعوديون ومصريون، ومصطلح "السلفية الجهادية" التي ولدت القاعدة ومن بعدها داعش هي صناعة سعودية بامتياز كفلتها السعودية بالمال والفكر الوهابي في حقبة الثمانينيات في أفغانستان ثم انتشرت في أركان العالم العربي والغربي. ولا أعرف تعريفاً للإرهاب يمكن أن يشمل عالماً جليلاً بلغ التسعين من العمر مثل الشيخ يوسف القرضاوي الذي يُعتبر في كل أنحاء العالم أنه شيخ أهل السنة في هذا العصر. لقد تم اختيار قائمة الإرهاب بناءً على هوى تلك الأنظمة القمعية من المعارضين لها. وظهرت الروح القمعية في إعلان دولة الإمارات تحديد عقوبة 15 سنة لأي مواطن يكتب تغريدة في الانترنت يمدح فيها قطر أو يخطئ العقوبات المفروضة عليها! هل هذه دولة تعيش في القرن الحادي والعشرين؟ وتطلب بلا خجل من الحكومات الديمقراطية الحرة في أمريكا والغرب أن تسندها في موقفها المستبد ضد قطر. ويشبه ذلك مطلب إغلاق قناة الجزيرة التي حجبتها تلك الدول من فضائياتها وأسافيرها مما يدل على خوف مرعب من حرية التعبير والإعلام. أما طلب "تعويض الدول المتضررة من سياسات قطر"، فهو مما تفوح منه نكهة "الرز" التي قال بها الرئيس المصري ذات مرة.
ولا أتوقع أن تستجيب قطر لمعظم تلك المطالب المتعسفة التي تنتهك سيادتها على أراضيها واستقلالها وكرامة مواطنيها. ولا أظن أن أمريكا مهما أغدق عليها تستطيع أن تؤيد تلك المطالب غير المبررة، وقالت أنها تؤيد وساطة الكويت وتسعى للعمل معها لحل الأزمة عبر حوار أخوي. ويستعجل سكرتير الخارجية الأمريكي حل الأزمة لأنها تعوق التحالف في حرب داعش، مما يعني أن الضغط الأمريكي سيتوجه أكثر للدول المحاصرة منه إلى قطر. وقد انقلب السحر على الساحر!

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.